سطور من الذاكرة\العدد الثالث والستون- رمضان 1428 هـ
المدارس النظامية في مواجهة الباطنية
الأحد 31 أغسطس 2008

 المدارس النظامية في مواجهة الباطنية

خاص بالراصد
مقدمة:
تعددت أساليب المسلمين، وأهل السنة على وجه الخصوص، في مقاومة الفرق المنحرفة، فمن التعليم والتربية والتثقيف والدعوة، إلى المواجهة العسكرية، خاصة لمن استطار شرها وحملت السلاح ضد المسلمين.
ففي أحد أعداد الراصد، عرضنا جانباً من جهود صلاح الدين الأيوبي لإعادة مصر إلى مذهب أهل السنة بعد قرون من حكم العبيديين الفاطميين لها، وإفسادهم، وفرضهم للمذهب الإسماعيلي الباطني([1]).
وفي هذا العدد نبين تجربة أخرى في عهد دولة السلاجقة([2])، التي قامت في وقت كانت تسيطر فيه الفرق والحركات المنحرفة على أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، وفي مقدمة هؤلاء: البويهيون الرافضة، والعبيديون الإسماعيليون، وحركة البساسيري، وبقايا القرامطة، والحشاشون.
استدعت الظروف آنذاك أن يستعمل السلاجقة القوة العسكرية للقضاء على البويهيين الذين تسلطوا على الخلافة، وأهانوا الخليفة العباسي، وكذلك القضاء على حركة البساسيري، الذي أراد ـ بمساندة العبيديين ـ القضاء على الخلافة العباسية، ونقلها إلى العبيديين الفاطميين([3]).
استعمل السلاجقة القوة أيضاً للقضاء على النزاريين الحشاشين، الذين كانوا ينتمون إلى المذهب الإسماعيلي، وأعلنوا على المسلمين حرباً شعواء، وقدّم السلاجقة الدعم لعبد الله العيوني للقضاء على القرامطة، الذين شنوا هم كذلك حرباً شعواء على المسلمين.
لكن القوة والحرب لم تكن هي الوسيلة الوحيدة التي اتبعها السلاجقة لمواجهة الفرق المنحرفة، رغم أهمية هذا الأسلوب والاضطرار إليه، ذلك أن الدولة السلجوقية اتبعت أسلوباً آخر، وعلى المدى البعيد، لمحاربة هذه الفرق، تمثل بالتعليم والدعوة، وإنشاء المدارس المتخصصة، لاسيما وأن بعض الفرق اهتمت بنشر فكرها ومذهبها من خلال الدعوة والتعليم وإنشاء المعاهد والمدارس، إضافة إلى القوة العسكرية.
كان لا بد من جهدٍ يوازي جهود الفرق المنحرفة، ودعوة تقابل دعوتهم، ومن هنا أسس السلاجقة "المدارس النظامية" المنسوبة إلى وزير السلاجقة الفذ، نظام الملك([4]) ، الذي كان له الفضل في تأسيسها ورعايتها.
الفكرة:
هدف نظام الملك من إنشاء هذه المدارس إلى نشر الفكر السني لمواجهة الفكر الباطني والشيعي، والعمل على تقليصه، إضافة إلى إيجاد طائفة من الموظفين السّنيين ليشاركوا في تسيير مؤسسات الدولة، وخاصة في مجال القضاء والإدارة.
وبالرغم من أن المدارس النظامية ليست أول مدارس يتم تأسيسها في تاريخ الإسلام، إلاّ أن ظهورها كان حاجة ملحّة، ذلك أن العبيديين كانوا قد سبقوا نظام الملك في إنشاء الأزهر سنة 359هـ والاعتماد عليه في دعوتهم ودراسة مذهبهم، وأسس العبيديون كذلك "دار الحكمة" سنة 395هـ لنشر المذهب الإسماعيلي، وتوطيد الحكم العبيدي.
 من جهة أخرى، وجد علماء الشيعة في العراق متنفساً لنشر مذهبهم، ونشطوا في الكتابة والتأليف في ظل الدولة البويهية (334 ـ 447هـ)، وأسسوا دور العلم والكتب، التي كانت تحوي الآلاف من كتب الشيعة، مثل دار الكتب في البصرة، التي أسسها أبو علي بن سوار (ت 372هـ)، أحد رجال عضد الدولة البويهي، وأسس أبو علي داراً أخرى في مدينة رام هرمز.
وفي سنة 383هـ، أسس أبو نصر ـ سابور بن أردشير ـ وزير بهاء الدولة البويهي داراً للعلم في الكرخ في العراق، ووقف فيها كتب كثيرة.
وإضافة إلى دور الكتب والعلم الشيعية، كان علماء الشيعة يقومون بالدعوة إلى مذهبهم في بغداد والنجف وغيرهما، مستفيدين من حماية البويهيين ودعمهم، وعلى رأس علماء الشيعة آنذاك: الشيخ المفيد، المتوفى سنة 413هـ، وشيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي، المتوفي سنة 460هـ، وهذا الأخير ألّف مجموعة من الكتب، احتلت مكانة بارزة عند الشيعة حتى يومنا هذا، كالتهذيب والاستبصار، وهمّا من الكتب الأربعة، المعوّل عليها عند الشيعة([5]) .
الانتشار:
بنى نظام الملك مدارس في بغداد وبلخ ونيسابور وهراة وأصفهان والبصرة ومرو وآمل طبرستان والموصل، ويلاحظ من توزيع المدارس أن معظمها أنشئ إما في مدن تحتل القيادة والتوجيه، كبغداد وأصفهان، فالأولى كانت عاصمة الدولة العباسية، والثانية عاصمة السلاجقة في بعض الفترات، وإما في بعض المناطق التي كانت مركزاً لتجمع شيعي كالبصرة وطبرستان ونيسابور.
الإدارة والتنظيم:
أولى نظام الملك المدارس اهتماماً كبيراً، فكان ينتقي لها المدرسين انتقاءً ووفر لها الإمكانات المادية، وأوقف عليها الأوقاف، ووفر السكن الداخلي للطلاب ليتفرغوا للعلم والتحصيل.
الأثر:
استمرت المدارس النظامية أمداً طويلاً، لاسيمّا نظامية بغداد التي عاشت قرابة أربعة قرون، وصار كثير من الموجهين والدعاة في ذلك الزمان من مدّرسي وطلاب هذه المدارس.
ويذكر تاج الدين السبكي في كتابه "طبقات الشافعية 3/89" عن أبي إسحاق الشيرازي ـ أول مدرس بنظامية بغداد ـ قوله: "خرجت إلى خراسان فما بلغت بلدة ولا قرية، إلاّ وكان قاضيها أو مفتيها أو خطيبها تلميذي أو من أصحابي".
المناهج والمدرسون:
اقتصر التدريس في "النظاميات" على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله في الفقه، وهو الذي ينتسب له نظام الملك، وفي العقيدة على المذهب الأشعري.
وفيما يتعلق بمذهب الشافعي، فلا خلاف بين أهل السنة والجماعة على فضل هذا الإمام ومكانته، وعلو شأنه في العلم والفقه، أما ما يتعلق بالمذهب الأشعري، فلنا بعض التوضيحات:
ـ أن الشافعية في ذلك الوقت غلب عليهم مذهب الأشاعرة، في حين غلب على الحنابلة مثلا مذهب أهل السنة والجماعة.
ـ كان للأشاعرة ـ رغم مخالفتهم لأهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات وفي بعض مسائل العقيدة ـ جهود كبيرة في ذلك الوقت لمحاربة الفرق الضالة وأفكارها، وعلى رأسهم الشيعة والإسماعيلية، وأخذ مدرسو المدارس النظامية وغيرهم بتأليف الكتب التي تبين عوار هذه الفرق والتحذير من أتباعها، وصار بعض هذه الكتب يدرس في النظامية.
ومن المؤلفات التي ظهرت خلال تلك الفترة:
1ـ فضائح الباطنية، لأبي حامد الغزالي، أبرز المدرسين بنظامية بغداد، وقد كلِّف بتأليفه من قبل الخليفة العباسي المستظهر سنة 487هـ، وفي هذا الكتاب يعتبر الغزالي الباطنية كفّاراً في نشأتهم وصفاتهم وفي عقيدتهم وعبادتهم.
2 ـ قواصم الباطنية، حجة الحق، تهافت الفلاسفة... وهي للغزالي أيضاً.
3 ـ غياث الأمم في التياث الظلم، لإمام الحرمين الجويني، أبرز المدرسين في نظامية نيسابور.
يقول د. علي الصلابي: "إن كتاب (غياث الأمم في التياث الظلم) كتاب شامل في مسائل الإمامة وما يتصل بها من أمور، .... والبنية الأساسية لموضوع الكتاب هي الردّ على المخالفين لأهل السنة، وعلى الأخص الفرق الإسلامية من الشيعة في موضوع الإمامة ... وقد ناقش الإمام الجويني، في كتابه غياث الأمم، نظرية الإمامة وما يدور حولها، كوجوب نصب الأئمة وقادة الأمة، والجهات التي تعيّن الإمامة وتوجب الزعامة في صفات أهل الحل والعقد، واعتبار العدد فيمن إليه العهد، وفي صفات الإمام القوّام على أهل الإسلام..." ([6]) .
للاستزادة:
1 ـ دولة السلاجقة ـ الدكتور علي محمد الصّلابي.
2 ـ البداية والنهاية ـ الإمام ابن كثير.
 
 

[1]) ) ـ انظر الرابط: http://alrased.net/show_topic.php?topic_id=360
([2] ) ـ السلاجقة تركمان ينتسبون إلى جدهم سلجوق بن دقاق، الذي كان قائداً عسكريا عند أحد ملوك الترك، تأسست الدولة السلجوقية في النصف الأول من القرن الخامس الهجري على يد طغرل بك أول ملوكها، ثم أصبحت القوة الأولى في العالم الإسلامي، وامتد حكمها إلى أرجاء عديدة منها العراق وبلاد فارس والشام. وخاض السلاجقة ضد الروم واحدة من أكبر المعارك في تاريخ الإسلام هي معركة ملاذكرد سنة 463هـ (1071م) والتي نتج عنها بداية انهيار الدولة الرومية، ودخول الإسلام إلى مناطق جديدة، إضافة إلى فرض السلاجقة أنفسهم قوة لا يستهان بها.
عصفت الخلافات الداخلية بالبيت السلجوقي، وأدت إلى إضعاف دولتهم، لاسيما بعد مقتل وزيرهم الفذ نظام الملك سنة 485هـ، ثم سقوطها على يد المغول بالتزامن مع الدولة العباسية سنة 656هـ.
 
[3])) ـ انظر المزيد عن البساسيري وحركته: http://alrased.net/show_topic.php?topic_id=50
[4])) ـ الوزير نظام الملك: الحسن بن علي الطوسي، أبرز وزراء الملوك السلاجقة، وأحد أعظم الوزراء في تاريخ المسلمين، عرف بالصلاح والحكمة وحسن تدبير الأمور. ولد سنة 408هـ، ومات مقتولا سنة 485 على يد أحد دعاة الإسماعيلية الباطنية.
تولى الوزارة للسلطانين السلجوقيين ألب أرسلان وولده ملك شاه قرابة 30 عاماً، ازدهرت خلالها أحوال الدولة، وكان مجلسه رحمه الله عامراً بالعلماء والفقهاء، وكان محبّاً للخير.
حزن المسلمون لمقتله، ورثاه الشعراء بقصائد، منهم مقاتل بن عطية، الذي قال:
كان الوزير نظام الملك لؤلؤة       يتيمة صاغها الرحمن من شرف
عزّت فلم تعرف الأيام قيمتها       فردّها غيـرة منه إلى الصـدف
[5] )) ـ الكتب الأربعة هي موسوعات حديثية حافلة بالروايات الضعيفة والموضوعة، ومع ذلك لها مكانة رفيعة عند الشيعة، وتعتبر من أهم المصادر الحديثية لديهم، وهذه الكتب هي:
1ـ "الكافي" للكليني. 2ـ "من لا يحضره الفقيه" لابن بابويه القمي المعروف عندهم بالصدوق. 3ـ "تهديب الأحكام" للطوسي. 4ـ "الاستبصار فيما اختلف من الأخبار" للطوسي أيضاً.
[6] )) ـ دولة السلاجقة ص 395 ـ 396.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: