فرق ومذاهب\العدد الرابع والستون شوال 1429هـ
الحبشي سيرة ومسيرة!!
السبت 4 أكتوبر 2008
الحبشي سيرة ومسيرة!!
محمد العواودة
في يوم الثلاثاء الثاني من أيلول الحالي، أعلنت وفاة عبد الله الحبشي الهرري الأب الروحي لما يعرف بـ" جماعة الأحباش " ومرشد " جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية "، بحسب ما أفاد به موقع الجماعة الالكتروني.
خبر وفاة الهرري، ارتد بذاكرتي على الفور إلى نهاية العقد الثامن من القرن المنصرم عندما التقيت به لأول مرة في المملكة العربية السعودية مع بعض طلاب العلم وعلماء دين أشاعرة أبرزهم: أبي عبد الله بن الصديق الغماري، ومحمد ياسين الفاداني، والدكتور عبد الفتاح أبو غدة، والدكتور محمد عوامة، وعلماء آخرون من سوريا وفلسطين والأردن والسعودية.
 كان قد صدر عن الهرري في تلك الفترة بعض الفتاوى المثيرة للجدل،  حيث وجد احد طلاب العلم الأشاعرة في ذلك اللقاء فرصة لمناقشة الهرري في مسألتين منها: قوله بجواز خروج المرأة متعطرة ومتزينة إن لم يكن بقصد سيء، والثانية،القول بجواز الاختلاط بين الرجال والنساء، إلا أن الهرري وبخلاف المتوقع لم يعط جوابا كما كنا ننتظر غير تلك الابتسامة الطويلة وبعض الهمهمات غير المفهومة، الأمر الذي أثار استغراب الجميع،  لينهي اللقاء بعد ذلك حول أمور اعتيادية.
كان ذلك اللقاء فاتحة اهتمامي بفكر الهرري في محاولة للوصول إلى الخارطة الذهنية والأدوات العلمية التي كان يرتكز عليها الهرري في صوغ أفكاره، فقرأت له كتاب " الصراط المستقيم، وهو على ما احسب أول تصانيفه الذي تناول فيه بعض المسائل العقدية والفقهية والكلامية انطلاقا من العقيدة الأشعرية، أما بقية كتبه، أشهرها "بغية الطالب" و"صريح البيان" فقد غلب عليها طابع النزعة العقلانية التلفيقية في المجال الفقهي، فبالإضافة إلى الفتيتين السابقتين، أفتى فيهما بجواز النظر إلى بدن المرأة الأجنبية، وكذلك إباحته لعب القمار مع الكفار بقصد سلب أموالهم، وإباحة سرقة أملاكهم إن لم يؤدي ذلك إلى فتنه، وإباحة تعاطي الربا مع الكفار للاستفادة من أموالهم، وإباحة التعاطي بأوراق اليانصيب للمحتاج، وإباحته النظر إلى المرأة بشهوة إذا كانت صورة منعكسة من مرآة أو تلفاز، إلى غير ذلك مما يتصادم مع صريح النصوص الإسلامية.  
  تسلح الهرري بالعقيدة الأشعرية كواجهة لتبرير العقلانية المفرطة التي انطلق منها في العديد من فتاويه، كما انطلق منها كأيدولوجيا عقدية لتجديد الصراعات العقدية والمذهبية القديمة في الفكر الإسلامي لمواجهة خصومه من بعض التيارات والحركات الإسلامية سيما التيار السلفي وجماعة الإخوان المسلمين، وليدخل بها معمعة التضليل والتكفير للمخالف، وصولا إلى بعض الممارسات الخشنة من الجماعة.
 فقد كفر الهرري ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، والتيار السلفي جملة، وكفر حسن البنا وسيد قطب ويوسف القرضاوي من رموز الإخوان، وبعض الخصوم في سوريا مثل: أحمد كفتارو"مفتي عام سوريا"، ومحمد سعيد رمضان البوطي، أما في لبنان، فمن أبرز الذين كفرهم الهرري محمد علي جوزو "مفتي جبل لبنان"، وفيصل مولوي وفتحي يكن. في المقابل صدرت فتاوى عديدة من بعض التيارات والمراجع الإسلامية تضلل الرجل وتحذر من أفكاره، أبرزها الفتوى التي صدرت عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية تحت رقم (19606 ) والفتوى التي أصدرها الدكتور محمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر في مصر.
وعلى الرغم من أن الأحباش يتحركون ضمن أيدولوجية عقدية أشعرية عقلانية معلنة، إلا أن بعض كتب الهرري العقدية وبعض كتب تلاميذه تكشف عن بعض مساراتهم الفكرية المتوارية، التي تشير إلى أن الجماعة تسير بسير فكري وعقائدي تلفيقي منفصم، يفاصل بين المتناقضات في الظاهر ويجمع بينها في الداخل، ففي الوقت الذي تقف فيه الجماعة موقف  سليبا من الفكر الإعتزالي، ترى أن القران ليس كلام الله على الحقيقة، وعلى الرغم من وقوفها من حزب التحرير موقفا سلبيا أيضا، لكنهم يأخذون منه بعض الفتاوى الشاذة، وعلى الرغم من وقوفها موقفا معارضا للتشيع، إلا أنهم لا يتناهون عن توجيه أقذع النقد لبعض أصحاب النبي عليه السلام كمعاوية بن أبي سفيان، وعلى الرغم من اتخاذها موفقا مضادا من الجهمية، إلا إنهم يبالغون في التأويل في صفات الخالق، وعلى الرغم من أنهم يدعون موقفا صوفيا نظيفا، إلا إنهم يقولون بالاستغاثة بالأموات وما شابهها من أمور نهى الشرع عنها، وعلى الرغم من أنهم يدعون الانتساب للمذهب الشافعي، إلا أنهم يتجاوزون كثيرا أصل القياس وفقه المصالح  إلى الاجتهاد  الحر غير المنضبط.
ولكن يبقى السؤال المهم، كيف تمكنت الجماعة رغم انحرافها الفكري من التسلل إلى قلوب الناس وعقولهم بسرعة في المجتمعات الإسلامية التي حطت بها، وما هو سر النفوذ السياسي والدعم الكبير الذي كانت تمتعت به الجماعة في منتصف الثمانينيات ومطلع التسعينيات في بعض الدول العربية قبل أن تصبح عبئا عليها ؟ تتفهم بعض الدراسات القبول المتنامي لفكر الجماعة في تلك الفترة إلى اعتناق أغلب تلك المجتمعات أصالة للعقيدة الأشعرية والمذهب الشافعي، ما سهل المهمة أمام الأحباش الذين مهروا ذلك أيضا بالتساهل في الإفتاء وأجازوا تتبع الرخص، أما على مستوى تنامي النفوذ السياسي السريع للأحباش، فيعزى ذلك إلى أن بعض الحكومات العربية وجدت ضالتها في فكر الأحباش في تلك الفترة، كأيدولوجيا عقدية بديلة أمام التيارات السلفية، وبعض الحركات الإسلامية الراديكالية التي كانت تبث أفكارها بقوة بين الشباب، وتعارض الشروط والفروض والتطلعات السياسية لتلك الدول.                                                                            
منذ مطلع هذا القرن، بدأت جماعة الأحباش تشهد تراجعا وكسادا فكريا ملموسا، بالموازاة مع ظهور تيارات إصلاحية جديدة على الساحة الإسلامية أقرب إلى الأجندات الوطنية، تنطلق من فقه الواقع، وتنبذ العنف، وتتخذ من الاعتدال والتقارب المذهبي بديلا منهجيا عن التكفير والتضليل. أما الأسباب المباشرة التي يمكن التقاطها في تراجع فكر الأحباش فيمكن تلخيصها في النقاط التالية:    
1- نجاح التيار السلفي في استعادة توازنه في الساحة الفكرية العربية، بالتزامن مع نمو الأفكار الإصلاحية، وتقويض الحركات العنفية التي اشتغلت تحت عباءته، حيث بات أكثر قبولا في الدوائر السياسية والأمنية العربية.
2- انكماش الفعاليات الفكرية والسياسية والدعم المادي والمعنوي للأحباش بعد خروج الجيش السوري من لبنان، ما أبقى الجماعة في عزلة اجتماعية وسياسية، سيما بعد استعادة الحركات الإسلامية السنية الأخرى دورها من جديد.
3- تحول المعادلة الفكرية من الانشغال بالصراع بين التيارات الإسلامية على أساس عقدي ومذهبي إلى الاستجابة للموقف السياسي الوطني والموقف من الصراع بين العرب وإسرائيل من جهة، وبلورة رؤى جديدة أعادت مسار الفكر العربي والإسلامي للانقسام على أساس موقفين: الموقف الإسلامي المحافظ، والموقف العلماني والليبرالي من جهة أخرى.
4- ربما تكون وفاة الهرري هي الضربة القاضية للجماعة التي ستفكك بنيتها العقائدية والفكرية، بعد أن فقدت كثيرا من أسهمها الاجتماعية والسياسية والمادية نتيجة غلوها الفكري أو رهاناتها الخاسرة، ما قد يضعها في دائرة التشرذم تحت ألوية المعادلة الجديدة للصراع في لبنان.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: