سطور من الذاكرة\العدد الخامس والستون ذي القعدة 1429هـ
الباطنية يتسللون إلى الناس بما يناسبهم
السبت 1 نوفمبر 2008
الباطنية يتسللون إلى الناس بما يناسبهم
هيثم الكسواني
اتَّبع دعاة الباطنية، والإسماعيلية على وجه الخصوص([1])، طرقاً عديدة في دعوة الناس إلى مذهبهم، واستخدموا في ذلك شتى أنواع "الحِيَل" والتضليل.
وقد تميزت الدعوة الإسماعيلية باعتمادها على المراحل والمراتب، وبمزاوجتها بين السّرية والعلنية، إضافة إلى مخاطبة أتباعهم، والأشخاص الذين يقومون بدعوتهم بما يناسبهم، ويوافق ميولهم وطباعهم.
وقد شكّلت الأمور السابقة عوامل نجاح للإسماعيلية، لاسيما وأنها حظيت باهتمام كبير من حكام الدولة العبيدية الفاطمية، الذين يشكل دولتهم الطور الرئيسي للإسماعيلية، فقد كانوا ينفقون الأموال الطائلة في سبيل نشر دعوتهم، ويؤسسون دور العلم والكتب، ويعينون الدعاة، وينشرون الكتب.
ومخاطبة الناس بما يناسبهم ويوافق أهواءهم وطباعهم من أهم أسس الدعوة الإسماعيلية، وأولى مراحلها، التي تعرف بـ "التفرّس".
يقول الإمام عبد القاهر البغدادي: "فأمّا التفرس فإنهم قالوا: مِن شرط الداعي إلى بدعتهم أن يكون قويّاً على التلبيس، وعارفاً بوجوه تأويل الظواهر ليردّها إلى الباطن، ويكون مع ذلك مميزاً بين من يطمح فيه وفي إغوائه، وبين من لا مطمع فيه، ولهذا قالوا في وصاياهم للدعاة إلى بدعتهم: لا تتكلموا في بيت فيه سراج، يعنون بالسراج من يعرف علم الكلام ووجوه النظر والمقاييس.
وقالوا أيضاً لدعاتهم: لا تطرحوا بذركم في أرض سبخة، وأرادوا بذلك منع دعاتهم عن إظهار بدعتهم عند من لا تؤثر فيهم بدعتهم، كما لا يؤثر البذر في الأرض السبخة شيئاً.
.. وقالوا أيضاً: من شرط الداعي إلى مذهبهم أن يكون عارفاً بالوجوه التي تُدعى بها الأصناف، فليست دعوة الأصناف من وجه واحد، بل لكل صنف من الناس وجه يُدعى منه إلى مذهب الباطن"([2]).
ويورد البغدادي بعض الأمثلة على الطرق التي يتبعها دعاة الإسماعيلية لدعوة الناس، ومراعاة اختلاف طباع الناس وظروفهم فيقول:
"فمن رآه الداعي إلى العبادات حمله على الزهد والعبادة، ثم سأله عن معاني العبادات وعِلَل الفرائض، وشكَّكه فيها.
ومن رآه ذا مجون وخلاعة، قال له: العبادة بَلَه وحماقة، وإنما الفطنة في نيل اللذات..
ومن رآه شاكّا في دينه أو في المعاد والثواب والعقاب، صرّح له بنفي ذلك، وَحَمله على استباحة المحرمات، واستروح معه إلى قول الشاعر الماجن:
أتْرك لذة الصَّهْباء صرْفا    لما وعدوه من لحم وخمر
حياة ثم موتٌ ثم نشـر      حديث خرافة يا أم عمرو
ومن رآه من غلاة الرافضة... لم يحتج معه إلى تأويل الآيات والأخبار، لأنهم يتأوّلونها معهم على وفق ضلالتهم.
ومن رآه من الرافضة زيدياً أو إماميّاً مائلاً إلى الطعن في أخبار الصحابة، دخل عليه من جهة شتم الصحابة، وزيّن له بغض بني تيمْ لأن أبا بكر منهم، وبغض بني عدي لأن عمر بن الخطاب كان مهم، وحثّه على بغض بني أمية، لأنه كان منهم عثمان ومعاوية، وربما استروح الباطني في عصرنا هذا إلى قول إسماعيل بن عبّاد:
دخل النار في حب الوصيِّ      وفي تفضيل أولاد النبيِّ
أحب إلى من جنات عدن        أخلّدُها بتيم أو عـدي
ومن رآه الداعي مائلاً إلى أبي بكر وعمر مدحهما عنده، وقال: لهما حظ في تأويل الشريعة، ولهذا استصحب النبي أبا بكر إلى الغار، ثم إلى المدينة، وأفضى إليه في الغار تأويل شريعته"([3]).
ويقول أبو حامد الغزالي: "وإن كان المدعو ناصبيّاً([4])، ذكر له أن الأمة إنما أجمعت على أبي بكر وعمر، ولا يقدم إلاّ من قدمته الأمة. حتى إذا اطمأنّ إليه قلبه ابتدأ بعد ذلك يبث الأسرار على سبيل الاستدراج المذكور بعد.
وكذلك إن كان من اليهود والنصارى حاوره بما يضاهي مذهبهم من معتقداته، فإن معتقد الدعاة ملتقط من فنون البدع والكفر، فلا نوع من البدعة إلاّ وقد اختاروا منه شيئاً، ليسهل عليهم بذلك مخاطبة تلك الفرق"([5])
ويؤيد منهج الإسماعيلية هذا ما ذكره النعمان القاضي، وهو أقدم قاضٍ إسماعيلي في دور الظهور، إذ يقول:
"ثم ينبغي للداعي اختيار أمر من يدعوه وتعرف أحوالهم رجلاً رجلاً، وتميز كل امرئ منهم، ومعرفة ما يصلح له أن يؤتى إليه ويحمله عليه من أمر الله وأمر أوليائه، ومقدار ما يحمله من ذلك، وقدر قوته وطاقته، ومتى يوصل ذلك إليه وكيف يغدوه به، وامتحان الرجال وتعرف الأحوال، ومقدار القوى ومبلغ الطاقات.
وعلم ذلك هو أفضل ما يحتاج إليه الدعاة في باب السياسات والرياضيات، فكثير ما فسد أمر الداعي من جهله بهذا الباب"([6]).
إذا: مراعاة أحوال الناس والفروق الفردية بينهم، ومعرفة طباعهم وأهوائهم هي أول خطوات دعاة الإسماعيلية، والتي ينطلقون منها إلى خطوات ومراحل أخرى تبلغ في مجملها 9 مراحل، نتحدث عنا في مقال قادم إن شاء الله.
للاستزادة:
1 ـ فضائح الباطنية ـ أبو حامد الغزالي.
2 ـ الفرق بين الفرق ـ عبد القاهر البغدادي.
3 ـ الإسماعيلية تاريخ وعقائد ـ إحسان إلهي ظهير.


[1]) ) ـ يقصد بالباطنية: الفرق التي انتسبت للإسلام، وادّعت أن له ظاهراً وباطناً، فصرفت بهذا المعتقد عقائد الإسلام وشرائعه عن مرادها، وأوّلهَا تأويلاً يؤدي إلى تعطيل الشريعة وإلغائها.
وتعتبر "الإسماعيلية" أبرز الفرق الباطنية، بل إن كثيراً من العلماء والمؤلفين عندما يطلقون لفظ الباطنية، فإنهم يقصدون بها الإسماعيلية. ومن الفرق الباطنية الأخرى: النصيرية والدروز.
[2]) ) ـ الفرق بين الفرق ص 298 ـ 299.
[3]) ) ـ المصدر السابق ص 299 ـ 300. وانظر أيضاً: فضائح الباطنية للغزالي ص 23، والإسماعيلية للشيخ ظهير ص 622.
[4]) ) ـ النواصب فرقة تبغض علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ظهرت في فترة الخلاف بينه وبين معاوية رضي الله عنه، وهذه الفرقة لم تعد لها وجود الآن بحمد الله.
[5]) ) ـ فضائح الباطنية ص 23 ـ 24.
[6]) ) ـ الإسماعيلية ص 634 نقلاً عن "كتاب الهمة في آداب اتباع الأئمة".
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: