فرق ومذاهب\العدد الخامس والستون ذي القعدة 1429هـ
المورية من فرق أمريكا
الأربعاء 29 أكتوبر 2008
فرق الولايات المتحدة الأمريكية
أولاً: المورية
 
خاص بالراصد
تنتشر في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم أكثر من 750 مؤسسة وهيئة ومنظمة إسلامية، تتبع لعدد كبير من الفرق، وتمثل خلفيات لغوية ووطنية وعنصرية مختلفة.
هذه الفرق المنتسبة للإسلام في أمريكا بعضها فرق وافدة نشأت خارج المجتمع الأمريكي ولها جذور في أمريكا، والبعض الآخر تنتسب إلى أمريكا أصلاً ومنشأً.
وقد قدّمنا، في الراصد، وتحديداً في العدد الخامس عشر، تعريفاً مختصراً ببعض الفرق التي تنتسب إلى أمريكا أصلاً ومنشأً، وهي: أمة الإسلام في الغرب (البلاليون)، والفراخانية، والأنصار،([1]) وقد اعتمد هذا التعريف المختصر بشكل أساسي على ما كتب في "الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة"، الصادرة عن الندوة العالمية للشباب الإسلامي، سنة 1418هـ.  
وبعد نشرنا للمقال المشار إليه سابقاً، صدر كتاب مفصل عن فرق الولايات المتحدة بعنوان "أشهر الفرق الأمريكية المعاصرة المنتسبة للإسلام، وأثرها العقدي" وهو في الأصل رسالة ماجستير، للباحث الأستاذ فهد بن عبد العزيز السنيدي.
وقد ارتأينا التعريف بهذه الفرق، بشكل مفصّل، كما وردت في رسالة السنيدي، لاسيما وأنها قد صدرت حديثاً، ورصد فيها مسيرة هذه الفرق حتى الوقت الحاضر، إضافة إلى تناول عقائدها وأفكارها، وأثرها، وإبراز جهود بعض الشخصيات والهيئات الإسلامية في أمريكا في التصدي لهذه الفرق.
وأهم الفرق التي يتناولها السنيدي في كتابه: المورية، الفرضية، الإليجية، الفرحخانية، النوبية، البلالية، السايلسية.
ونحن نتحدث عن الفرق الأمريكية، يجدر في البداية أن نشير إلى أنه رغم الخلافات فيما بينها، إلاّ أنها تشترك في أمور عديدة، منها:
1 ـ أن مؤسسي هذه الفرق هم عموماً من الزنوج، الذين نشروا دعوتهم وأفكارهم بين أبناء جلدتهم من السود، وقد تعصب هؤلاء للونهم وعرقهم، ومنعوا ـ في بعض الفترات ـ البيض من الانضمام لدعوتهم، واعتبروهم رمزاً للشر والباطل.
2 ـ تأسست هذه الفرق والدعوات بعيداً عن العلم، وسادها الجهل، وتأثرت بما يسود في الولايات المتحدة من عقائد وأفكار.
3 ـ الابتداع والغلو، بحيث أن بعضها ضلّت في تحديد الخالق عز وجل، فيما ادّعى بعض مؤسسيها النبوة، والبعض ألّهَه أصحابه!! والعياذ بالله.
المورية : تمهيد
 هذه الفرقة التي تعرف باسم (فرقة المعبد المورية([2]) العلمية) أسسها: تيموثي درو، الذي عرف فيما بعد باسم: نوبل درو علي، وهو من مواليد سنة 1886م، بولاية كارولينا الشمالية، أشهر الولايات الجنوبية المكتظة بالعبيد السود.
وقد عانى درو علي في صغره، كغيره من السود من اضطهاد "السيد الأبيض"، ثم هاجر إلى نيويورك وهو في العشرين من عمره، بعد أن كان قد تعلم القراءة والكتابة في الكنيسة.
كانت ولاية نيويورك تعتبر محطة استقبال المهاجرين الوافدين من أنحاء العالم إلى أمريكا، بما فيهم المسلمون اللاجئون من روسيا القيصرية والهند وأفريقيا، ونتيجة اختلاطه بهؤلاء، تعرّف درو علي على بعض تعاليم الإسلام وشعائره، واقتنع بصلاحية الإسلام لحل مشاكل السود، ولكن بعد إدخال تعديلات عليه!
وفي سنة 1913م، قام درو علي بتأسيس معبد المورية (البربر) العلمي، وأكد هوية الزنوج الأمريكيين، وأسماهم الآسيويين والبربر، وأضفى عليهم نوعاً من العقيدة الإسلامية، وغرس في نفوس أتباعه الشعور بالثقة والفخر، ثم أعلن أنه نبي وانتحل لنفسه اسم: النبي نوبل درو علي: prophet Noble Drew Ali.
ثم سرعان ما انتشرت هذه الدعوة، وتأسست المعابد في أهم المدن الأمريكية مثل ديترويت وشيكاغو، وأكد نوبل على أتباعه بأن بلدهم الأصلي هو المغرب، وأصبح أتباعه من الذكور يلبسون الطربوش الأحمر تشبهاً بأهل المغرب من البربر، وساروا في الشوارع يستهزءون بالبيض، ويهددونهم، فكثرت الاضطرابات.
ثم اجتذبت هذه الدعوة عدداً من الانتهازيين والسذّج، الذين نازعوا زعيمها الزعامة، وحدثت خلافات، وسُجن درو علي في سنة 1929م، ثم أفرج عنه، لكنه توفي بعد أسبوعين أو ثلاثة في ظروف غامضة، ثم أخذت هذه الفرقة تتفتت بعد موت مؤسسها، فانقسمت على نفسها إلى جماعات صغيرة: إحداها تؤمن بأن "النبي" درو علي قد تجسّد في القادة الجدد للحركة، وغيرها منتظرة بعثه من قبره كما وعدهم، وسرعان ما تقلّص عدد الأعضاء، حتى لم تعد قوة ذات وزن كبير في مجتمع السود، غير أن بعض الجماعات الصغيرة بقيت حتى الآن.
أهم عقائدها:
1 ـ عقيدتها في الله:
الإله عند المورية شبيه بالإله عند فلاسفة اليونان، فهو خلق الكون بالوسائط، أي لم يخلق الخلق خلقاً مباشراً، وإنما نفخ الأرواح السبعة، وهذه الأرواح هي التي خلق الله بواسطتها العالم.
والإله عندهم شبيه أيضاً بالإله عند غلاة الصوفية، من حيث حلوله في كل إنسان، وإمكان اتحاد أرواح الناس به. وحسب عقائد هذه الفرقة، فالإنسان أزلي بلا بداية ولا نهاية، مثل الإله تماماً، بل إن الإنسان في حقيقته جزء من الإله، تعالى الله عن ذلك.
2 ـ عقيدتها في النبوة:
النبوة عند المورية مكتسبة اكتساباً، وليست هبة من الله سبحانه وتعالى، والإنسان باعتقادهم يستطيع أن يصبح نبيّاً بعد المجاهدة، ومن ثم زاد نوبل درو علي عدد الأنبياء بإدخال بوذا، وكونفوشيوس، وزرادشت([3])، وجعل نفسه آخر الأنبياء.  
وقلّل الموريون المعاصرون من منزلة النبي محمد صلى الله عليه وسلام، واعتقدوا بأنه ليس خاتم الأنبياء، واعتبروا شريعته صلى الله عليه وسلم حلقة من حلقات تتابع النبوة، حيث ادّعى درو علي التناسخ بين الأنبياء، وأن كل واحد منهم ينسخ من سبقه.
يقول نوبل درو علي: إن أول شخص تناسخ فيه روح عيسى هو النبي محمد الفاتح.
3 ـ عقيدتها في القرآن الكريم:
لم ينكر نوبل درو علي القرآن الكريم الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أطلق عليه اسم "القرآن المقدس المكي"، ولكنه لم يأخذ به، ولم يقتبس منه آيات، وإنما ألف لنفسه كتابا سمّاه "القرآن المقدس لمعبد المورية العلمية في أمريكا".
وكتابه هذا مكتوب باللغة الإنجليزية، ومعظمه منقول من أحد الأناجيل، وكل ما فعله هو أنه كتب له مقدمة وخاتمة، وغيّر كلمة God إلى Allah، وقد نشر هذا الكتاب المسمى بالمقدس لأول مرة سنة 1927م.
4 ـ عقيدتها في الملائكة:
الملك عندهم هو فكرة من أفكار الله، تجلّت في لحم أنسي، ومن المعروف أن النبي معروف عندهم بنفس الصيغة، فهو ملك من ملائكة الله، مرسل إلينا بالإنجيل الأزلي من الله.
والملك عند الموريين كذلك يطلق على صنف معيّن من البشر، وهم الآسيويون الذين يحمون مكة المقدسة، ويمنعون الكفار من دخولها!، بل ذهب نوبل درو إلى أكثر من ذلك، فاعتبر الأمريكيين الموريين ملائكة أيضاً!
5 ـ عقيدتها في اليوم الأخر:
لا تؤمن المورية بالبعث، ولا توجد عندهم معاني الحشر، ولا تصور لحياة أخرى، وهذه نتيجة طبيعية لإيمانهم بأبدية الإنسان وأزليته بوصفه جزءاً من الإله.
وتقوم عقيدة الموريين في هذا الصدد على الاعتقاد بالتناسخ، الذي يعني عندهم "نقل النفس الناطقة من بدن إنساني إلى بدن آخر"، وقد مرّ بنا قبل قليل أنهم يؤمنون بالتناسخ بين الأنبياء.
يقول نوبل درو علي: إن الإنسان الروحي متحد مع الله، وما دام الله حيّاً لا يموت، لا يموت الإنسان.
6 ـ اعتقادها في النصرانية
ربطت الفرق الأمريكية عموماً بين البيض والشر والمسيحية، لكنها تأثرت بها وأدخلت الكثير من عقائد المسيحية في تعاليم هذه الفرق.
ونستطيع أن نرى تأثيراً مسيحياً واضحاً في المورية، فالكتاب "المقدس" الذي ألّفه نوبل درو علي، استقاه من أحد الأناجيل. وفي رسالة وجّهها إلى أتباعه من سجنه، يتضح التأثير النصراني بشكل كبير، إذ ورد فيه أنه ابن الله! ووردت فيه فكرة المخلص، والخطيئة.
يقول الخِطاب: "إلى رؤساء جميع المعابد: السلام أنا نبيكم، بهذه الواسطة أكتب إليكم الآن رسالة تحذير، وأطلب منكم الحكمة في تصرفاتكم حالاً ومستقبلاً، ومع أنني رجل مقبوض عليه فداءً لكم ولعقيدتنا، فلا بأس عليكم، وهو خير لكل من لم يزل يؤمن بي، ويؤمن بأبي الإله، لقد خلصتكم جميعاً من الخطايا، وستعودون جميعاً حتى أنا ....".
ويؤمن درو علي بالتثليث الذي هو سمه بارزة للنصرانية، وعلامة فارقة عن غيره، كما هو مذكور في كتاب الجماعة المقدس عندهم: "من سجل الله الخاص تقرأ: نفخ الله الثالوث نفخة فوقف أمام وجهه أرواح سبعة تسمى العبرانيون، هؤلاء الأرواح السبعة آلهة، وهؤلاء الذين خلقوا بقوتهم المطلقة كل شيء كائن...".
وإضافة لذلك، فقد أبقوا على الكثير من التعاليم المسيحية مثل: الترانيم الكنسية، وصورة المسيح، والاستشهاد بالكتاب "المقدس".
نظرتها إلى العبادات، ومنها:
1 ـ الصلاة:
ليس للمورية صلاة جماعية يصلونها ولا صلاة جمعة، إنما صلاة فردية، حددها نوبل درو علي بأن يستقبل الفرد الشرق قائماً، دون ركوع ولا سجود ولا جلوس، ويرفع فيها المصلي يديه، ويقرأ سورة الفاتحة المترجمة إلى الإنجليزية.
وقد ألزم درو علي أتباعه بثلاث صلوات: عند طلوع الشمس، واستوائها، وغروبها، وهي الأوقات التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم.
2 ـ الزكاة:
الزكاة عند المورية أشبه بالضرائب التي يجب على كل موري أن يدفعها لرؤساء المعابد، حتى ولو كان الموري فقيراً أو مسكيناً.
3 ـ الصيام والحج:
أما فريضتا الصيام والحج، فليستا معروفتين عند الموريين، ولا يعرف لهم أعياد. وبالعموم فقد اقتبس نوبل درو علي تشريعاته من الإسلام والنصرانية والهندوسية، فحرّم شرب الخمر كما هو محرم في الإسلام، وحرّم كذلك التدخين، ولكنه تعدّى حدود الإسلام، فحرّم أكل اللحوم بصفة عامة، وكذلك البيْض تشبهاً بالبوذية، وحرّم تعدد الزوجات كما هو محرم في النصرانية.
 4ـ صلاة الجنازة:
تؤدى عندهم بالأسلوب المسيحي لا بالطريقة الإسلامية، حيث توضع الجنازة في أحد قاعات مستودع الجثث، ويأتي واعظ المعبد، ويبدأ بذكر حسنات المتوفى ـ كما يفعل النصارى ـ ثم يوزع حلويات بين أقارب المتوفى، وينصحهم بالامتناع عن البكاء.
السنة النبوية والشهادتان
وفيما يتعلق بالسنة النبوية، فلا تجد لها ذكراً في مؤلفات زعيم الفرقة، والمورية نحّت القرآن والسنة تماماً في دعوتها، ومع ذلك تدّعي أنها حركة إسلامية.
والشهادتان أسقطتا من أركان الإسلام، واستبدلتها المورية بشعار نصّ زعيمهم فيه على أن حامل هذا الشعار مسلم يؤمن بعيسى ومحمد وبوذا وكونفوشيوس، وأنه مسلم متمسك بالشريعة التي وردت في القرآن المقدس.
موقفها من المرأة:
تبنت المورية الفصل بين الجنسين، واستنكرت وضع النساء للمساحيق، وأكدت أن البيت هو مكان المرأة المسلمة، وأن مهمتها الأساسية هي رعاية زوجها وأولادها، الأمر الذي يتماشى إلى حد كبير مع ما قرره الإسلام. كما أكدت على مسؤولية الزوج في المحافظة على العائلة ورعايتها.
موقفها من البيض:
ينتقص الموريون الرجل الأبيض، وفي المقابل يعتبر الموريون أنفسهم أنهم آسيويون مسلمون، وليسوا زنوجاً، وقد شهدت علاقتهم بالبيض فيما سبق صدامات عديدة. وكان درو علي حريصاً على إيجاد كيان مستقل يستطيع الشعب الأسود أن يعيش فيه، ويطور إمكاناته البشرية اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.
موقفهم من حكومة بلدهم:
على الرغم من نزعة التعصب التي تبنتها المورية، وعداوتها للبيض، إلاّ أنها أكدت على وجوب الطاعة والولاء لعلم الولايات المتحدة، طالما ظل الأعضاء يعيشون في أمريكا كوطن أول لهم. وفي البطاقة التي وزعها نوبل درو علي على أتباعه كان يظهر في آخرها عبارة: "أنا مواطن من الولايات المتحدة".
خلاصة:
لا يخفى، من خلال ما عرضناه من أفكار هذه الفرقة، مدى انحرافها، وبعدها عن شريعة الإسلام وعقيدته، ولا شك أن جهل مؤسسها بالدين الإسلامي واللغة العربية وكذلك أتباعه، من أهم أسباب هذه الانحراف، الأمر الذي يفرض على المسلمين مدّ يد العون إلى إخوانهم المسلمين في أمريكا، من أتباع هذه الفرق، بتعليمهم حقيقة دينهم، وانتشالهم من الجهل والانحراف والبدعة.
ولا شك أن الهيئات الإسلامية، وخاصة التي تتبنى منهج أهل السنة والجماعة، عليها مسؤولية مضاعفة، فعليها التواصل مع هؤلاء الذين انتسبوا للإسلام، لكنهم فقدوا البوصلة، من خلال إرسال الدعاة والمطبوعات الإسلامية المبسطة المترجمة، ودعوة قادة هذه الفرق وأتباعها إلى بلاد المسلمين للتعلم والاحتكاك، وإنشاء الفضائيات والمواقع الالكترونية المتخصصة لمخاطبة هؤلاء والعمل على تصحيح أفكارهم.
 
للاستزادة:
1- "أشهر الفرق الأمريكية المعاصرة المنتسبة للإسلام" ـ فهد السنيدي.


[1]) ) ـ يمكن قراءة المقال على الرابط: http://alrased.net/show_topic.php?topic_id=331
[2])) ـ أخذت هذه الفرقة اسمها من كلمة moor التي أطلقها مؤرخو أوروبا في العصور الوسطى على فاتحي إسبانيا، الذين تشكلوا أساساً من البربر سكان المغرب. فأطلق درو علي هذه اللقب على فرقته افتخاراً بالبربر الذين فتحوا إسبانيا وأدخلوها في الإسلام.
[3]) ) ـ حكماء وفلاسفة ظهر أولهم في الهند وثانيهم في الصين والثالث في إيران.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: