سطور من الذاكرة\العدد السادس والستون ذي الحجة 1429هـ
دعاة الإسماعيلية يتفرّسون ويشكّكون ويدلّسون!!
الخميس 27 نوفمبر 2008

دعاة الإسماعيلية يتفرّسون ويشكّكون ويدلّسون!!

هيثم الكسواني
 ( خاص بالراصد)
تحدثنا في العدد الماضي عن أولى مراحل الدعوة الإسماعيلية، والتي يطلقون عليها "التفرّس" وتعني أن يراعي الإسماعيلي طبيعة وميول الشخص المراد دعوته، ويظهر له موافقته على ما يعتقد في بادئ الأمر من أجل كسبه في دعوته وفي جماعته، ومن ثم ينطلق إلى مراحل أخرى، أو بالأحرى "رحيل" أخرى.
وفي هذا العدد نعرض هذه الحيل باختصار، ليكون المسلم حذراً فيما يعرض له من أفكار، فما أشبه اليوم بالبارحة، فكم تبذل الفرق المنحرفة اليوم من جهود، وكم تنفق من مال لصدّ المسلمين عن دينهم، ولنشر أفكارها وانحرافاتها، مستفيدة ممّا سطره أسلافها من أفكار، ومضيفين عليه ما يناسب العصر الحاضر من تطورات وتقنيات.
وهذه الحيل والمراحل هي:
1 ـ التفرّس: وقد تم الحديث عن هذه الحيلة بالتفصيل في العدد الماضي، وهي ما يعبر عنها الغزالي بقوله: "ألاّ يدعو كل أحد إلى مسلك واحد، بل يبحث أولاً عن معتقده، وما إليه ميله في طبعه ومذهبه"([1]).
2 ـ التأنيس: زرع الطمأنينة في نفوس المستجيبين، مع إشباع ميولهم، وإعطائهم كل ما يميلون إليه، كل حسب نزواته([2]). يقول الإمام عبد القاهر: "ودرجة التأنيس قريبة من درجة التفرّس عندهم، وهي: تزيين ما عليه الإنسان من مذهبه في عينه، ثم سؤاله بعد ذلك عن تأويل ما هو عليه..."([3]).
ويقول الغزالي: "وقد رسموا للدعاة والمأذونين أن يجعلوا مبيتهم كل ليلة عند واحد من المستجيبين ويجتهدون في استصحاب من له صوت طيب في قراءة القرآن ليقرأ عندهم زماناً، ثم يتبع الداعي ذلك كله بشيء من الكلام الرقيق وأطراف من المواعظ اللطيفة الأخذة بمجامع القلوب. ثم يردف ذلك بالطعن في السلاطين وعلماء الزمان وجهال العوام، ويذكر أن الفرج منتظر من كل ذلك ببركة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم..."([4]).
3 ـ التشكيك: يقول الغزالي: "وأما حيلة التشكيك فمعناه أن الداعي ينبغي له بعد التأنيس أن يجتهد في تغيير اعتقاد المستجيب بأن يزلزل عقيدته فيما هو مصمم عليه، وسبيله أن يبتدئه بالسؤال عن الحكمة في مقررات الشرائع وغوامض المسائل، وعن المتشابه من الآيات.."([5]).
يقول د. الخطيب: "وهذه الخطوة من أخطر المراحل، فعن طريقها يصل الداعي إلى قلب المريد"([6]).
ويتفنّن دعاة الإسماعيلية بتشكيك المستجيبين إلى دعوتهم بدينهم، ويبدأون بطرح عدد كبير من الاستفسارات، ومن ذلك قولهم: "ما معنى (آلم) و (وكهيعص) و(حم عسق) إلى غير ذلك من أوائل السور؟ ويشكك (أي الداعي) في الأحكام: ما بال الحائض تقضي الصوم دون الصلاة؟ ما بال الاغتسال يجب من المني الطاهر ولا يجب من البول النجس؟"([7]).
و "لم صارت صلاة الصبح ركعتين، والظهر أربعاً، والمغرب ثلاثاً؟ ولم صار في كل ركعة ركوع واحد وسجدتان؟ ولم كان الوضوء على أربعة والتيمم على عضوين؟. ولم كانت العقوبة في السرقة بقطع اليد وفي الزنا الجلد؟ وهلا قطع الفرج الذي به زنى في الزنى، كما قطعت اليد التي بها سرق في السرقة؟ فإذا سمع الغِرُّ منهم هذه الأسئلة ورجع إليهم في تأويلها قالوا له: علمها عند إمامنا وعند المأذون له في كشف أسرارنا، فإذا تقرر عند الغر أن إمامهم أو ما دونه هو العالم بتأويله، أعتقد أن المراد بظواهر القرآن والسنة غير ظاهرها، فأخرجوه بهذه الحيلة عن العمل بأحكام الشريعة"([8]).
يقول الغزالي: "ولا يزال (أي الداعي) يورد عليه هذا الجنس حتى يشككه وينقدح في نفسه أن تحت هذه الظواهر أسراراً سُدَّت عنه وعن أصحابه، ونبعث منه شوق إلى طلبه"([9]).
4 ـ التعليق: "وهو ترك المستجيب بعد تشكيكه متأرجحاً بين عقيدته التي كان يؤمن بها، وبين معرفة حقيقة المذهب الإسماعيلي، وبذلك تظهر حقيقة نفسيته وتعرف شخصيته"([10]).
وقد أكد أحد دعاة الإسماعيلية، على هذه الحيلة بقوله: "إن كتان سر الحكمة عن طاليها في مبدء الطلب،واختياره بضروب الامتحانات ليظهر منه آثار الاستحقاق ... ليس ببديع ولا أمر فظيع"([11]).
5 ـ الربط: وهو أن يربط الداعي لسانَ المستجيب بأيمان مغلّظة وعهود مؤكدة، أن يفشي أو يبوح بما يذكره له([12]).
وقد وردت عدة صيغ لهذه الأيمان والمواثيق، منها أن يقول داعيتهم للحالف: "جَعَلْتَ على نفسك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمة رسله، وما أخذ الله تعالى على النبيين من عهد وميثاق أنك تستر ما تسمعه مني، وما تعلمه من أمري، ومن أمر الإمام الذي هو صاحب زمانك، وأمر أشياعه وأتباعه في هذا البلد وفي سائر البلدان، وأمر المطيعين له من الذكور والإناث، فلا تظهر من ذلك قليلاً ولا كثيراً..."([13]).
ومن الصيغ أن يقول المستجيب: "أقسم بالله الذي لا إله إلا هو... أنني طالب راغب في المذهب الإسماعيلي من خالص اعتقادي، صميم فؤادي... وليس قصدي في هذه الرغبة إلاّ تحقيق أمر الدين، وطلب معرفة حقيقة اليقين... وإني إذا فهمت أمراً، وعرفت سرّاً، أكتمه وأخفيه عمّن لا يعتقد بمعتقدي.."([14]).
6 ـ التدليس: وهو أن يلجأ الداعي إلى التمويه، فلا يعطي المستجيب الأسرار دفعة واحدة، مما يزيد من تلهفه وتشويقه ورغبته في دخول الدعوة([15]).
وينقل الشيخ ظهير عن الداعي علي بن الوليد تأييده للتدليس إذ يقول: "..ليس ذلك بمنكر في العقول ولا في الرسوم، بل فيه الاحتياط والصيانة للحكمة التي هي باب العلوم"([16]).
ويذكر الغزالي أن الداعي الإسماعيلي يتدرج في إعطاء الأسرار إلى المريد أو المستجيب، ويراعي في ذلك أموراً منها:
ـ ألاّ يظهر أنه مخالف للأمة كلها، لأن القلوب ستنفر منه، لذلك فإنه يتجمل بحب أهل البيت.
ـ ألاّ يطول الداعي إقامته ببلد واحدة، فإنه ربما اشتهر أمره وسُفك دمه، فينبغي أن يحتاط في ذلك فيلبس على الناس أمره، ويتعرف إلى كل قوم باسم وأخر، وليغير في بعض الأوقات هيئته ولبسته([17]).
ومن التدليس الذي يمارسه دعاة الإسماعيلية على المستجيبين لدعوتهم، بحسب الإمام عبد القاهر البغدادي، إفهامهم أن الدين فيه ظاهر وباطن "وذكروا له من تأويل الظواهر ما يؤدي إلى رفعها بزعمهم، فإن قبل الأحمق ذلك منهم دخل في دين الزنادقة باطناً، واستتر بالإسلام ظاهراً، وإن نفر الحالف عن اعتقاد تأويلات الباطنية الزنادقة كتمها عليهم لأنه حلف لهم على كتمان ما أظهروه له من أسرارهم، وإذا قبلها منهم فقد خلعوه وسلخوه عن دين الإسلام"([18]).
7 ـ التلبيس: "وهو جعل المعلومات والأسرار التي لقنّها الداعي للمستجيب حقائق ثابته في نفسه ومستقرة في ذهنه، يؤمن بها ويقبل عليها"([19]).
8 ، 9 - الخلغ والسلخ: "ويقصد به خلع المستجيب عن عقائد دينه وأركانه، وسلخه منها نهائياً، بإسقاط الفرائض والحدود الشرعية عنه، لأن معناها الباطني غير معناها الظاهري"([20]).
يقول الغزالي: "وأما حيلة الخلع والسلخ هما متفقان، وإنما يفترقان في أن الخلع يختص بالعمل، فإذا أفضوا بالمستجيب إلى ترك حدود الشرع وتكاليفه يقولون وصلت إلى درجة الخلع.
أما السلخ فيختص بالاعتقاد الذي هو خلع الدين، فإذا انتزعوا ذلك من قلبه دعوا ذلك سلخاً، وسُميت هذه الرتبة: البلاغ والأكبر. فهذا تفصيل تدريجهم الخلق واستغوائهم، فلينظر الناظر فيه وليستغفر الله من الضلال في دينه"([21]).
وثمة ملاحظة يوردها الدكتور محمد الخطيب، وهي أن الحِيل والمراحل السابقة التي بيّناها هي مما اختص به الإسماعيلية النزارية وزعيمهم الحسن بن صباح، ذلك "أن ابن الصباح ابتدع حيلاً ووسائل أخرى غير التي عمل بها ابن القدّاح، يتدرج بها الداعي مع المستجيب"([22]).
وابن القداح هو مؤسس الإسماعيليه، وأحد أهم شخصياتها،وقد ابتدع طرقاً للدعوة إلى مذهبه، قسّمها إلى سبع درجات،ثم تطورت في أيام الدولة العبيدية الفاطمية، فأصبحت تسعاً([23])، سنبينها في مقال قادم إن شاء الله.
 
للاستزادة:
1 ـ الفرق بين الفرق ـ عبد القاهر البغدادي.
2 ـ فضائح الباطنية ـ أبو حامد الغزالي.
3 ـ الإسماعيلية تاريخ وعقائد ـ إحسان إلهي ظهير.
4 ـ الحركات الباطنية في العالم الإسلامي ـ د. محمد أحمد الخطيب.
 


[1]) ) ـ فضائح الباطنية ص 22 ـ 23.
[2]) ) ـ الحركات الباطنية ص 127.
[3]) ) ـ الفرق بين الفرق ص 301.
[4]) ) فضائح الباطنية ص 24.
[5]) ) ـ المصدر السابق ص 25.
[6]) ) ـ الحركات الباطنية ص 127.
[7]) ) ـ فضائح الباطنية ص 25.
[8]) ) الفرق بين الفرق ص 306.
[9]) ) ـ فضائح الباطنية ص 26.
[10]) ) ـ الحركات الباطنية ص 127.
[11]) ) ـ الإسماعيلية ص 631 نقلاً عن "دامغ الباطل" للداعي علي بن الوليد.
[12]) ) ـ الحركات الباطنية ص 127.
[13]) ) ـ الفرق بين الفرق ص303.
[14]) ) ـ الإسماعيلية ص 638 ـ 639.
[15]) ) ـ الحركات الباطنية ص 127.
[16]) ) ـ الإسماعيلية ص 632.
[17]) ) ـ فضائح الباطنية ص 30ـ 32.
[18]) ) ـ الفرق بين الفرق ص 302.
[19]) ) ـ الحركات الباطنية ص 127.
[20]) ) ـ الحركات الباطنية ص 127.
[21]) ) ـ فضائح الباطنية ص 32.
[22]) ) ـ الحركات الباطنية ص 127.
[23]) ) ـ المصدر السابق ص 120.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: