سطور من الذاكرة\العدد السابع والستون - محرم 1430هـ
درجات دعوة القداح
الأحد 28 ديسمبر 2008
درجات دعوة القداح
هيثم الكسواني
 
يعتبر ميمون القداح وابنه عبدالله من أهم الشخصيات في فرقة الإسماعيلية، وقد بيّنا في مواضع مختلفة من الراصد شيئاً عن هذين الشخصين ودورهما في تأسيس الإسماعيلية، وانتساب الدولة العبيدية الفاطمية إليهما، وهي الدولة التي تمثل الطور الرئيس للدعوة الإسماعيلية([1]).
لكن ما نحن بصدد بيانه في هذا العدد هو "الحِيَل" التي اتّبعها هؤلاء لكسب الناس إلى دعوتهم، فإن دعوة منحرفة مثل "الإسماعيلية" لا يمكن أنت تنتشر إلاّ بالتضليل والحِيل والتلبيس على الناس، بعكس دعوة الإسلام السمحة، القائمة على الوضوح والصراحة والعلنية.
وما سنذكره من مراحل وحيل ابتدعها "القدّاحون" تصبّ في نفس الاتجاه الذي سار به الحسن بن الصبّاح، زعيم الإسماعيلية النزارية، والذي جاء في فترة متأخرة عن فترة ميمون وابنه عبدالله، فجميعهم هدفوا إلى إلغاء شريعة الإسلام ومحاربتها وصد المسلمين عن دينهم، وكما عرضنا في العدد السابق مراحل دعوة ابن الصبّاح، وحيله، نعرض في هذا العدد المراحل والأساليب التي اعتمدها القدّاح للتدرج في دعوته واصطياد السذّج والبسطاء.
وقد قُسِّمت هذه المراحل والحِيل إلى سبعٍ، ثم تطورت في عهد الدولة العبيدية الفاطمية إلى تسع، وهي: 
الدرجة الأولى:
كان عبدالله بن ميمون ودعاته يعلمون الناس كلاًّ على قدر علمه وعقله ودينه ومذهبه، وكانوا يجتذبون الناس بالوعود الكاذبة عن طريق تفسير رموز الدين، وإظهار بعض متشابه القرآن، ومشكلات المسائل الشرعية.
فإذا وجد الداعي أن المدعو ملمّ بما يقوله سلمه له، وإلاّ تركه يعمل فكره فيما يلقيه عليه من الأسئلة، وقال له: يا هذا إن هذا الدين لمكتوم، وإن الأكثر له منكرون، وبه جاهلون، ولو علمَت هذه الأمة ما خصص الله به الأئمة من العلم لم تختلف.
وبهذا يثير الداعي حب الاستطلاع عند المدعو، والوقوف على ما عنده من العلم، فإذا آنس اطمئناناً إلى كلامه قاله له: إن سبب ما نزل بالمسلمين من تفريق الكلمة، ذهابهم عن أئمة نصبوا لهم.. وإن دين محمد صلى الله عليه وسلم ما جاء بالتحلي، ولا بما خفّ على الألسنة وعرفته دهماء العامة، ولكنه صعب مستصعب، وعلم خفي غامض، وهو سر الله المكتوم، وأمره المستور الذي لا يطيق حمله إلاّ ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للتقوى.
ومن الأسئلة التي يوجهها الداعي إلى المدعو في هذه الدرجة: ما بال الله خلق الدنيا في ستة أيام؟ أعجز عن خلقها في ساعة واحدة؟ وما معنى الصراط المضروب في القرآن؟... ولم جعلت السماوات سبعاً، والأرضون سبعاً، والمثاني من القرآن سبع آيات؟ ثم يقول الداعي لمن حوله: فكروا أولاً في أنفسكم. أين أرواحكم؟ وكيف صورها؟ وأين مستقرها؟ وما أول أمرها؟
وكان دعاة الإسماعيلية إذا شكّكوا المدعو أو المريد، وطلبوا منه حل هذه الرموز، أخذوا عليه العهود والمواثيق بأن لا يكشف عن سر هذه الدعوة، وأن يدافع عنها، وأن يتحمل في سبيل الدفاع عنها كل ضروب العذاب والآلام... فإذا علم الداعي أن نفس المدعو قد تعلقت بما سأله عنه، وطلب منه الجواب عنها، قال له حينئذ: لا تعجل، فإن دين الله أعلى وأجل من أن يبذل لغير أهله، ويجعل غرضاً للعب.
ويقول الداعي للمدعو أيضاً: عاهدنا بالمؤكد من إيمانك وعقودك أن لا تفشِ لنا سّراً، ولا تظاهر علينا أحداً، .. ولا تكتمنا نصحاً، ولا توالي لنا عدوّاً، فإذا أعطى العهد، قال له الداعي: أعطنا جعلا من مالك تجعله مقدمة أمام كشفنا تلك الأمور وتعريفك إيّاها. فإذا امتنع المدعو، أمسك عنه الداعي، وإن أجاب وأعطى، نقله إلى الدعوة الثانية.
الدرجة الثانية:
وإذا تم للداعي ما أراد، دخل بالطالب أو المريد في الدرجة الثانية، ومؤداها أن فرائض الإسلام لا تؤدي إلى مرضاة الله إلاّ إذا كانت عن طريق الأئمة السبعة من ولد إسماعيل بن جعفر، ثم يكاشف المدعو بقوله: إن الناس قد ضلّوا لأنهم لم يأخذوا عن أئمة نصبهم الله لهم، ويستدل على ذلك بأمور مقرّرة في كتب الإسماعيلية حتى يثبّت ذلك في نفسه، فإذا ثبت، نقله الداعي إلى الدرجة الثالثة.
الدرجة الثالثة:
وفيها يقول الداعي الإسماعيلي للمدعو بأن الأئمة سبعة، وأن الإمام الحقيقي هو السابع الذي يعلم كل رموز الدين وأسراره. ويستدل على ذلك بأن الله جعل الكواكب السيارة سبعة، وجعل السماوات سبعاً، وجعل الأراضين سبعاً، وهؤلاء الأئمة هم أيضاً سبعة، أولهم علي بن أبي طالب، ويليه الحسن، فالحسين، فعلي زين العابدين، فمحمد الباقر، فجعفر الصادق([2]) فإسماعيل بن جعفر، وبعضهم يتخطى إسماعيل ويلحق الإمامة بابنه محمد. ويزعم الداعي للمدعو أن هذا الإمام السابع هو صاحب الزمان، وأن عنده علم الباطن، وعلم التأويل، وأنه يعرف الأسرار، وأن دعاته هم الوارثون. فإذا انقاد المدعو لما ألقاه عليه الداعي نقله إلى الدرجة الرابعة.
الدرجة الرابعة:
وفي هذه الدرجة يعتقد المدعو أن محمد بن إسماعيل هو خاتم النبيين، وأن الرسل الذين جاءوا بالشرائع سبعة، ولكل واحد من هؤلاء الرسل صاحب يأخذ عنه دعوته، ويكون ظهيراً له في حياته، وخليفة له بعد وفاته، فمثلاً يخبر الداعي المدعو أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبي ناطق أتى بشريعة هي الإسلام، وأن صاحبه وخليفته هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويقول له كلاماً يقصد من ورائه أن يجعل المدعو يعتقد أن الوحي مستمر مع توالي الأجيال والأدوار، حتى يصل به الاعتقاد إلى أن محمد بن إسماعيل هو عبد الله بن ميمون القداح، وأنه بمنزلة هارون من موسى، أو بمنزلة عليّ من محمد صلى الله عليه وسلم.
الدرجة الخامسة:
وفيها يقول الداعي للمدعو إن لكل إمام قائم، حججاً متفرقين في الأرض عددهم اثنا عشر رجلاً، ثم يخبره بأن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ستنسخ.
الدرجة السادسة:
وفيها يفسر الداعي معاني شرائع الإسلام من صلاة وزكاة وحج وغير ذلك تفسيراً يضعف اعتقاده في الدين وأركانه، بعدها ينتقل إلى الكلام في الفلسفة وضرورة تحكيم العقل في كل شيء، ويحبب إلى نفس المدعو فلاسفة: اليونان أفلاطون وأرسطو وفيثاغورس وغيرهم، فإذا أخذ المدعو بهذه الآراء أصبح أهلاً للانتقال إلى مرتبة أخرى.
الدرجة السابعة:
وفيها يعلم أن الناصب للشريعة، وهو النبي، لا يستغني بنفسه، ولا بدّ له من صاحب يكون أحدهما الأصل، ويكون الآخر صدراً له.
الدرجة الثامنة:
وفيها يقرر الداعي أن القيامة والقرآن والثواب والعقاب، معناها غير ما يفهمه العامة ويتبادر إلى الذهن، وليس هو إلاّ حدوث أدوار عند انقضاء أدوار من أدوار الكواكب... وعلى ذلك فليست معجزة النبي سوى أشياء تنظم بها سياسة الجمهور، وإنما يقصد الداعي من وراء تلك الأقوال إزالة كل اعتبار عن كل ما يسمى بنبوة ولم يعد للإسلام أي تأثير على نفسه.
الدرجة التاسعة:
وإذا وصل المدعو إلى هذه المرتبة، أصبح جديراً بالتعمق في أصل المذهب الإسماعيلي، عند ذلك يحيله الداعي إلى كتب الفلاسفة، وما جاء فيها عن الطبيعة وما وراء الطبيعة، وعن العلم الإلهي، واعتقاد أن الوحي هو صفاء النفس، وأن النبي يجد في فهم ما يلقى إليه وتنزل عليه فيظهر للناس، ويعبر عنه بكلام الله.
للاستزادة:
ـ د. محمد أحمد الخطيب ـ الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، ص 120 ـ 125.
 

[1])) ـ يمكن قراءتها على الروابط الآتية:
[2])) ـ تتفق كل من الشيعة الإسماعيلية، والشيعة الاثنى عشرية على الأئمة الستة المذكورين، لكنهم اختلفوا في الإمام السابع ومن تبعه، وسبب هذا الخلاف هو وفاة إسماعيل، الابن الأكبر لجعفر الصادق، في حياة أبيه، الأمر الذي يناقض نظرية الإمامة عند الشيعة التي تنص على أن الإمام بعد وفاته يخلفه أكبر أبنائه. 
فبعد وفاة جعفر الصادق سنة 148 هـ، اعتبرت مجموعة من الشيعة أن موسى بن جعفر هو الإمام بعد أبيه ولقبوه بـ "الكاظم" ، وأطلق على هؤلاء اسم: الاثنى عشرية، في حين رفضت مجموعة أخرى من الشيعة هذا الاختيار، واعتبروا أن إسماعيل بن جعفر هو الإمام بعد أبيه زاعمين أنه لم يمت إنما أخفاه أبوه خوفا عليه من العباسيين!، ولقب هؤلاء بـ "الإسماعيلية". 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: