سطور من الذاكرة\العدد الثامن والستون صفر 1430 هـ
الفاطميون يؤسسون مجالس الدعوة ودور الحكمة
الجمعة 30 يناير 2009
الفاطميون يؤسسون مجالس الدعوة ودور الحكمة
هيثم الكسواني
 
كانت الدعوة الإسماعيلية تذاع وتنشر سّراً في دور الستر، لكن بعد أن تمكّن الإسماعيليون من الاستيلاء على بلاد المغرب العربي أولاً، ثم مصر وبلاد أخرى مؤسسين بذلك الدولة العبيدية الفاطمية([1])، أقيمت لنشر الدعوة مجالس خاصة، يلقي فيها الإمام الإسماعيلي الدعوة أحياناً، أو بابه، الذي عرف بعد ذلك بداعي الدعاة، وأصبحت له منزلة كبيرة في الدولة.
وفي تلك الفترة كانت القاهرة هي مركز الدعوة الإسماعيلية، التي تمثل النشاط التبشيري للمذهب الشيعي الإسماعيلي، وقد كان الإسماعيليون يؤمنون بحتمية غلبته على كافة الأراضي الإسلامية في نهاية الأمر.
وكان المذهب الإسماعيلي يُدرّس عن طريق محاضرات عامّة ذات صفة رسمية يطلق عليها "مجالس الدعوة" أو "مجالس الحكمة" ولم يكن يسمح بحضورها إلاّ للمستجيبين الذين أخذوا "العهد"([2]) على داعي الدعاة، وكان هذا "العهد" شرطاً أساسياً لحضور هذه المجالس للتعرف على أسرار الدعوة الإسماعيلية أو علم الباطن([3]).
وكانت هذه المجالس تعقد أساساً في ثلاثة أماكن: القصر، والجامع الأزهر، ودار الحكمة. وقد خصص مجلس لكل فئة من فئات المجتمع، فقد خصص مجلس للأولياء، ومجلس للخاصة وشيوخ الدولة ومن يختص بالقصور من الخدم وغيرهم، ومجلس لعوام الناس وللطارئين على البلد، ومجلس للنساء، ومجلس للحرم وخواص نساء القصر.
وعموماً كان جزء من هذه المجالس علنياً يحضره عامة الناس في المساجد، وخاصة في جامع القاهرة الذي عرف بعد ذلك بالجامع الأزهر، في يوم الجمعة، ويدرس فيها بعض كتب الإسماعيلية، مثل "دعائم الإسلام" و"اختلاف أصول المذاهب" وكلاهما للقاضي النعمان بن حيون.
أما الجزء الآخر من المجالس فكان حكراً على الخاصة والمستجيبين للدعوة الإسماعيلية، وكانت تعقد في يوم الخميس في قصر حاكم الدولة العبيدية، وقد أشار الداعي الإسماعيلي الكبير المؤيد الشيرازي إلى هذه المجالس بقوله:
يا صباح الخميس أهلاً وسهلاً        زادك الواحد المهيمن فضلاً
أنت عـيدٌ للمـؤمنين عـتيدٌ         جَمَع الدينُ منهم فيك فضلا
نحن نجني ثمار جنات عـدن         كلـما أقبل الخميس وولّى
ولم تكن المجالس خاصة بتبليغ الفقه الإسماعيلي، بل أضيف لها مهمة أخرى هي جمع الأموال من المستجيبين لهذه الدعوة! "ولم تكن هذه المجالس مخصصة فقط لقراءة الحكمة وإنما أيضاً لجمع النجوى التي كان يدفعها المستجيبون والمستجيبات عَيْنا ووَرِقاً". ويؤكد نص صادر من أحد حكام العبيديين إلى داعي الدعاة على ذلك الأمر إذ جاء فيه: "واتْلُ مجالس الحِكَم التي تخرج إليك من الحضرة على المؤمنين والمؤمنات والمستجيبين والمستجيبات في قصور الخلافة الزاهرة والمسجد الجامع بالمعزية القاهرة... واقبض ما يحمله المؤمنون لك من الزكاة! والنجوى والأخماس والقُربات وما يجري هذا المجرى".
داعي الدعاة:
وكان داعي الدعاة في الدولة العبيدة يتمتع بمكانة رفيعة، ويلي قاضي القضاة في الرتبة، ويتزيّا بزيّه في اللباس وغيره، ويشترط فيه أن يكون عارفاً بالمذهب الإسماعيلي ومذاهب الشيعة، ومن الأمور التي يقوم بها: أخذ العهد على من ينتقل من مذهبه إلى المذهب الإسماعيلي، ولداعي الدعاة 12 نقيباً، وتحت كل واحد منهم عدد من المساعدين.
ولداعي الدعاة أيضاً نواب كنواب الحكم في سائر البلاد، وإليه يحضر فقهاء الدولة، ويجتمعون في مكان يعرف بـ "دار العلم" ويتفقون على "دفتر" يقال له مجلس الحكمة في كل يوم اثنين وخميس، ويُحضَر مبيّضاً إلى داعي الدعاة، فينفذه إليهم ويأخذه منهم، ويدخل به إلى الحاكم العبيدي في هذين اليومين، فيتلوه عليه إن أمكن.
ويجلس داعي الدعاة بالقصر لتلاوة "الدفتر" على المستجيبين في مكانين: للرجال على كرسي الدعوة بالإيوان الكبير، وللنساء بمجلس الداعي، وكان من أعظم المباني وأوسعها، فإذا فرغ من تلاوته على الرجال والنساء، حضروا لتقبيل يده، وهو يمسح على رؤوسهم.
ويقوم أيضاً بعد نهاية المجلس بجمع الأموال من الأتباع المسماة عندهم بالنجوى، فيجتمع عنده مال كثير، يحمله إلى الحاكم العبيدي، فيعطيه جزءاً من ذلك المال له وللنقباء، ويعطي المتبرع رقعة بخط الحاكم العبيدي مكتوبا فيها "بارك الله فيك وفي مالك وولدك ودينك" فيدخر تلك الرقعة ويفتخر بها.
كان لمجالس الحكمة منزلة كبيرة عند حكام العبيديين، وكانوا ينفقون عليها الأموال الكثيرة، فهي الوسيلة إلى نشر عقيدتهم في مصر وقبل ذلك في شمال أفريقيا (المغرب العربي) لكن هذه الأهمية تضعضعت في عهد أحد حكامهم، وهو الحاكم بأمر الله، الذي عرف عنه التقلب الشديد، ففي أحد أيام سنة 396هـ (1006م) ذهب الناس إلى القصر لسماع ما يقرأ عليهم من كتب "مجالس الدعوة" لكنهم ضُربوا بأجمعهم، ولم يُقرأ عليهم شيء.
وفي سنة 400هـ (1009م) أمر الحاكم بقطع مجالس الحكمة، التي كانت تُقرأ على الأولياء يومي الخميس والجمعة، وإبطال ما كان يؤخذ على أيدي القضاة من الخُمس والفطرة والنجوى، لكنه عاد في العام التالي وأمر بإعادة مجالس الحكمة وأخذ النجوى.
أما دار الحكمة التي هي إحدى وسائل نشر الفكر الإسماعيلي، وأحد الأماكن لتلقي هذا الفكر، فكانت أوسع من مجرد دار لتلقي الدروس والمحاضرات فهي باصطلاحنا اليوم مدرسة ومكتبة ودار نشر ومركز للتدريب وقاعة للمحاضرات.
وكانت هذه الدار التي تعرف بـ "دار العلم" تقع بجوار القصر، وقد أنفق عليها الحاكم المال الكثير، ويذكر القلقشندي في كتابه "صبح الأعشى" أن هذه الدار كان داعي الشيعة يجلس فيها ويجتمع إليه من التلامذة من يتكلم في العلوم المتعلقة بمذهبهم، وجعل الحاكم لها جزءاً من أوقافه التي وقفها على الجامع الأزهر وجامع المقس وجامع راشدة ثم أبطل الأفضل، أمير الجيوش هذه الدار لاجتماع الناس فيها والخوض في المذاهب خوفاً من الاجتماع على المذهب النزاري([4])، ثم أعادها الآمر بواسطة خدام القصر بشرط أن يكون متوليها رجلاً دينا والداعي هو الناظر فيها.
 
للاستزادة:
1ـ الشيخ إحسان إلهي ظهير ـ الإسماعيلية تاريخ وعقائد، ص 640 ـ 649.
2ـ د. أيمن فؤاد سيد ـ الدولة الفاطمية في مصر، تفسير جديد، ص 573 ـ 590.
3ـ د. محمد طقوش ـ تاريخ الفاطميين في شمالي إفريقية ومصر وبلاد الشام. 
 

[1]) ) ـ تأسست الدولة العبيدية الفاطمية في المغرب العربي سنة 297هـ (910م) على يد عبيد الله المهدي، ثم استطاعت أن توسع حدودها باتجاه مصر والمشرق الإسلامي، فقد احتل العبيديون مصر سنة 358هـ (969م) في عهد رابع الأئمة الإسماعيليين، المعز لدين الله، الذي امتد حكمه، سواء في المغرب العربي أو في مصر خلال الفترة (341 ـ 367هـ/ 953 ـ 975م).
والدولة العبيدية الفاطمية تشكل الطور الرئيسي للدعوة الإسماعيلية، وقد كانت نهايتها في سنة 567هـ (1171م) على يد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله الذي عزل آخر حكام العبيديين، العاضد، وأعاد مصر إلى مذهب أهل السنة وحظيرة الدولة العباسية.
 
[2]) ) ـ قسم يقسمه المنضم إلى هذه الدعوة بالإخلاص لها وعدم إفشاء أسرارها.
 
[3]) ) ـ تعتبر الإسماعيلية من الفرق الباطنية التي قالت بأن الإسلام له ظاهر وباطن، وبذلك صرفت هذه الفرق أركان الإسلام وشرائعه عن مرادها، وأوّلوها تأويلاً ينسجم مع أهوائهم ومذهبهم انظر المزيد عن الباطنية والإسماعيلية وتأويلاتهم الباطنية، الروابط التالية:
 
 
[4]) ) ـ تعرضت الدعوة الإسماعيلية لانقسام خطير بعد وفاة الحاكم العبيدي، المستنصر، سنة 487هـ (1094م) إذ أنه تبعاً للنظرية الإسماعيلية بانتقال الإمامة من الأب إلى الابن الأكبر، فإن نزاراً، الابن الأكبر للمستنصر، يصبح هو الأحق بتولي الإمامة والسلطة، لكن الأفضل، وزير المستنصر، أبعد نزاراً ووضع بدلاً منه أحمد، الابن الأصغر للمستنصر، الذي تلقّب بالمستعلي، وانقسمت الإسماعيلية بين جناحين: النزارية والمستعلية.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: