سطور من الذاكرة\العدد التاسع والستون ربيع الأول 1430هـ
رضوان أول وزير سني في الدولة الفاطمية
الخميس 26 فبراير 2009
رضوان أول وزير سني في الدولة الفاطمية
 
في سنة 567هـ (1171م) تمكن صلاح الدين الأيوبي رحمه الله من القضاء على الدولة العبيدية الفاطمية، وإعادة مصر إلى مذهب أهل السنة وحظيرة الدولة العباسية كما كانت قبل قدوم العبيديين، أصحاب المذهب الشيعي الاسماعيلي، إليها.
وبعد أن استتبّ الأمر لصلاح الدين، بدأ يرسّخ مذهب أهل السنة في مصر من خلال التعليم والتربية والقضاء، وغير ذلك من المجالات، ثم انطلق يحارب الصليبيين ويدافع عن بلاد المسلمين، وقد عرضنا في الراصد في بعض المقالات السابقة شيئاً من جهود صلاح الدين في ترسيخ مذهب أهل السنة في مصر، بعد قرون من سيطرة العبيديين عليها، وفرضهم لمذهبهم الشيعي الإسماعيلي على أهل مصر السنة(1).
لكن صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، لم يكن أول من بدأ "الإصلاح السني" في مصر، بل سبقه في ذلك الوزير رضوان بن وَلَخْشي، الذي تولى الوزارة سنة 531هـ (1137م) ، ليكون بذلك أول وزير سني في الدولة العبيدية الفاطمية، إذ ظلّ ذلك المنصب الهام حكراً على الشيعة الإسماعيلية، وممنوعاً على أهل البلاد من السنة.
تبدأ سطور هذا العدد من عام 526هـ (1132م) ، ففي ذلك العام تولى أبو الميمون عبد المجيد مُلْكَ الدولة العبيدية، وتلقب بـ "الحافظ لدين الله" وكانت الدولة قد بدأ يدب فيها الضعف، وفي سنة 529هـ (1135م) استوزر الحافظ أرمنياً نصرانياً اسمه بهرام، ولقّبه بـ "السيد الأجل، أمير الجيوش، سيف الإسلام، تاج الخلافة، ناصر الإمام، غياث الأنام، أبي المظفر، بَهرام الحافظي". وقد سار الحافظ في ذلك الاختيار على نهج أسلافه العبيديين الذين كانوا يعلون من شأن اليهود والنصارى، ويفضلونهم على المسلمين من أهل السنة(2).
 
تدرج بهرام في المناصب العسكرية والإدارية، إلى أن تبوأ منصب الوزارة، وعندها تبنى سياسةً أرمنيةً نصرانيةً ضيقةً، فقد طلب من الحافظ أن يسمح له بإحضار إخوته وأهله من بلاد الأرمن، وتحديداً من مسقط رأسه (تل باشر)، فأذن له في ذلك، فقدم إلى مصر عدد كبير منهم، قدّر بثلاثين ألف شخص، وكوّن منهم عصبة تشدّ أزره، فاستطالوا على المسلمين، الذين أًصابهم من الأرمن جور عظيم.
وبنى الأرمن القادمون العديد من الكنائس والأديره، حتى صار كل رئيس من الأرمن يبني له كنيسة، وقد بلغت من الكثرة حداّ أقلق المسلمين، وخاف أهل مصر منهم أن يغيّروا ملّة الإٍسلام.
وفي إطار هذه السياسة، أضحى معظم ولاة الدواوين من النصارى، وولّى بهرام أخاه فاساك (أو الباساك) ولاية قوص في الصعيد، وهي يومئذ من أعظم ولايات مصر، فاستقوى فاساك بأخيه وتمادى في ظلم المسلمين ومصادرة أموالهم.
لم يرضَ أهل مصر وأعيانها وأمراؤها بهذا الوضع الشاذ، فرفعوا شكايتهم إلى الحافظ، واستدعوا رضوان بن ولخشي، والي الغربية آنذاك، يستنهضونه للقدوم عليهم، وإنقاذهم من سيطرة الأرمن، فلبّى رضوان طلبهم، وصعد المنبر، وخطب في الناس خطبة بليغة حثّهم فيها على الجهاد، وحشد جيشاً من العربان بلغ ثلاثين ألفاً، وسار بهم نحو القاهرة.
خرج بهرام الأرميني لملاقاة رضوان وجيشه في الدلتا، ولمّا تقارب الجيشان عمد رضوان إلى رفع المصاحف على رؤوس الرماح ليستقطب المسلمين في جيش بهرام، وفعلاً ترك هؤلاء جيش بهرام، وانضموا إلى رضوان، فقويت شوكته بهم، ولم يجد بهرام إلاّ الإلتجاء إلى أخيه فاساك في قوص، والاحتماء به، وكان أهل قوص قد علموا بما يحدث بين بهرام ورضوان، فاستبقوا وصول بهرام بالثورة على فاساك وقتله فتابع بهرام طريقه إلى بلاد النوبة النصرانية ليستعين بأهلها.
وهكذا خلت الساحة لرضوان، فاستوزره الحافظ في جمادى الأولى سنة 531هـ (1137م) ، واستبد بالشؤون العامة على عادة من سبقه من الوزراء، ونظم حملة مطاردة ضد الأرمن، فاستولى على أملاكهم، وقتل كثيراً منهم.
كان رضوان أول وزير سني يتولى الوزارة للفاطميين، ولم تكن توليته نتيجة حب العبيديين لأهل السنة أو مذهبهم، بل رضوخاً للأمر الواقع كما بيّنا، وكان رضوان يتصف بالشجاعة حتى لُقّب بـ "فحل الأمراء".
وبعد أن استقر في منصب الوزارة، بدأ رضوان إصلاحاته باستخدام المسلمين في المناصب التي كانت بأيدي النصارى، أصحاب بهرام، وضيّق على النصارى، وضاعف الجزية عليهم.
ومن أجل نشر مذهب أهل السنة، الذي حاربه العبيديون الفاطميون، بنى الوزير رضوان أول مدرسة في مصر لتدريس المذهب المالكي، في مدينة الاسكندرية، التي كانت من أهم مراكز المقاومة في مصر ، وملجأ المعارضين للدولة العبيدية، في حين كانت القاهرة في ذلك الوقت عاصمة العبيديين، ومركز النشاط الشيعي في العالم الإسلامي.
أما اختيار المذهب المالكي، فلأنه المذهب الشائع بين أهل الاسكندرية، بسبب علاقتها الواسعة مع شمال إفريقيا والأندلس التي ينتشر فيها مذهب مالك، وعُرفت هذه المدرسة بـ"المدرسة الحافظية" نسبة إلى الإمام العبيدي، الحافظ،، وتولى التدريس فيها وإدارتها: الفقيه المالكي أبو الطاهر بن عوف، لذلك عُرفت المدرسة أيضا باسم "المدرسة العوفية".
واستصدر رضوان من الحافظ سجلاّ خاصاً بإنشاء هذه المدرسة، جاء فيه أن تكون المدرسة مأوى للطلاب وسكناً لهم، وأن يطلق لهم من ديوان الحافظ مؤنتهم وما يعينهم على التفرغ للدراسة، وحدّد السجل كذلك المواد التي تدرس بالمدرسة، وهي "علوم الشريعة".
كان وصول رضوان إلى منصب الوزارة، وقيامه بإنشاء مدرسة سنيّة في الاسكندرية، واستخدام المسلمين في الوظائف بدلاً من الأرمن، بداية تحوّل سنّي بطيء قاد إلى عودة مصر إلى السنة بعد ذلك بثلاثين عاماً، على يد صلاح الدين.
ومما يحسب للوزير رضوان عند توليه الوزارة، أنه أسس "ديوان الجهاد" ، واهتم بالحفاظ على ما تبقّى من البلدان التي لم يحتلها الصليبيون بعد في فلسطين، فاهتم بتقوية الثغور، واستعد لتعمير عسقلان بالعدد والآلات ، وهيّأ الناس للخروج إلى الشام وغزو الفرنج.
اهتم رضوان بالجهاد ضد الصليبيين، خلافاً لما كانت عليه سيرة الدولة العبيدية، فهذه الدولة سعت إلى معاونة الصليبيين وعقد الاتفاقيات معهم بدلاً من مقاومتهم، ومدّ يد العون إلى الدول والإمارات الإسلامية التي كانت منهمكة في قتال الصليبيين في ذلك الوقت وعلى رأسها الدولة السلجوقية. فبدلاً من مد يد العون إلى السلاجقة والقتال معهم ضد الصليبيين، قام العبيديون باحتلال بيت المقدس، الذي كان بيد السلاجقة، مستغلين انشغالهم بقتال الصليبيين، ثم سرعان ما فرّط العبيديون في بيت المقدس، فقام الصليبيون باحتلاله في سنة 492هـ (1099م) حتى تحريره على يد البطل صلاح الدين بعد تسعين عاماً من احتلاله.
ومما سعى له رضوان ولكنه لم يفلح فيه: خلع الحافظ ، فرضوان وأهل السنة لم يكونوا يعترفون بشرعية الحافظ وحكام الدولة العبيدية الآخرين، وإزاء ذلك شعر الحافظ بالاستياء من رضوان، وصمم على الانتقام منه.
استدعى الحافظ بهرام الأرمني وأسكنه معه في قصره، واتّخذه مستشاراً، وحثّ الجند على التحرش برضوان، فثاروا عليه، وضعفت قدرته على مواجهتهم، فاضطر إلى الفرار من مصر في شوال سنة 533هـ (1139م)، واحتمى بأمين الدول كمشتكين الأتابكي، صاحب صرخد، الذي أحسن استقباله وأكرمه.
وخلال وجوده في صرخد ( مدينة في سوريا)، اتصل رضوان بعماد الدين زنكي، مؤسس الأتابكية الزنكية في الموصل وحلب، وأحد أبطال الجهاد ضد الصليبيين، كان هدف ذلك الاتصال هو أن يمد عماد الدين زنكي الوزير رضوان بقوة عسكرية، تساعده على دخول القاهرة، وأثار ذلك الاتصال بعض الأمراء المسلمين.
أمدّ كمشتكين الأتابكي، صاحب صرخد، رضوان بقوة عسكرية من الأتراك زحف بهم باتجاه القاهرة، إلاّ أنهم تخلوا عنه بعد دخوله حدود مصر، وتصدى له جيش الحافظ، ثم عرض عليه أحد الأمراء عهد الحافظ بالأمان، فاضطر رضوان إلى الاستجابة، وجاء إلى القاهرة، غير أن الحافظ العبيدي لم يفِ بتعهده، فاعتقله بالقصر في ربيع الآخر سنة 534هـ، ولمدة ثماني سنوات، إلى أن تمكن من الهرب، والتفّ حوله جماعة من أنصاره، واستعان بجماعة من العربان، وهزم جيشاً أرسله الحافظ للقبض عليه، ودخل إلى القاهرة، وحاول الاتصال برؤساء الدواوين لاستعادة مكانته، غير أن الحافظ أمر الجند بالهجوم على رضوان، فقتلوه غدراً، وحملوا رأسه إلى الحافظ الذي أرسله بدوره إلى زوجة رضوان، وبذلك قضي على واحد من الذين حاولوا التصدّي للأخطار الحقيقية التي كانت تهدد العالم الإسلامي في ذلك الوقت.
 
للاستزادة:
1-الدولة الفاطمية في مصر: تاريخ جديد – د. أيمن فؤاد سيّد، ص 255- 271 .
2- تاريخ الفاطميين في شمالي إفريقية ومصر وبلاد الشام – د. محمد سهيل طقّوش، ص 405-412 ).
 

1- يمكن قراءة الرابط التالي:  http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=360
2- يمكن قراءة المزيد في هذا الموضوع على الرابط التالي:   http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=451
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: