سطور من الذاكرة\العدد السبعون ربيع الثاني 1430هـ
المعز بن باديس يثور على العبيديين في الشمال الإفريقي
الأحد 22 مارس 2009
المعز بن باديس
يثور على العبيديين في الشمال الإفريقي
هيثم الكسواني
 
في تاريخ المغرب العربي الكثير من الصفحات المجهولة قياساً بالمشرق الذي شهد الأحداث الجسام وسُلطت عليه الأضواء، بحيث أصبحت الأحداث في المغرب([1]) شيئاً مجهولا لمعظم المسلمين، لا سيما سكان المشرق.
نتناول في هذه السطور أحد أبرز شخصيات المغرب العربي في القرن الخامس الهجري (الحادي عشرالميلادي)، وهو المعز بن باديس ،الذي كان له الدور الكبير في محاربة الدولة العبيدية الفاطمية، وإعادة الشمال الإفريقي إلى مذهب أهل السنة كما كان عليه قبل قدوم العبيديين، أصحاب المذهب الشيعي الإسماعيلي، إليه.
وابن باديس الذي كان أميراً للدولة الزيرية، أو دولة بني زيري، قام في المغرب بما قام به صلاح الدين الأيوبي رحمه الله في المشرق، فإن صلاح الدين تمكن في سنة 567 هـ (1171م) من القضاء نهائياً على الدولة العبيدية في مصر، وما تبقى من أراضيها، وإعادة مصر إلى مذهب أهل السنة كما كانت([2]).
تبدأ سطور هذا العدد في عام 297هـ (910م)، ففي ذلك العام تمكّن عبيد الله المهدي من تأسيس الدولة العبيدية، التي نسبت نفسها إلى آل البيت ، وتسمت بـ (الفاطمية)، وكان عبيد الله أول حكامها، ثم احتلت هذه الدولة مصر، في سنة 362 هـ (973م) في عهد رابع حكامها، المسمى المعز لدين الله، ثم توسعت باتجاه الشام والحجاز وأنحاء أخرى.
وفي الشمال الأفريقي، اعتمد حكم العبيديين على استمالة بعض القبائل هناك، وعلى ضرب بعضها ببعض من أجل تقوية نفوذهم. ومن القبائل التي اعتمد عليها العبيديون في حكم المغرب العربي والسيطرة عليه: قبائل بني زيري البربرية، لاسيما مع توجه العبيديين إلى مصر، وتوجيه الاهتمام لها، باعتبارها درّة الدولة العبيدية الفاطمية، وبالمقابل إهمال المغرب العربي، وتكليف بعض القبائل بإدارته نيابة عنهم.
ويعتبر أبو الفتوح يوسف بُلكين بن زيري أول أمراء هذه الدولة التي قامت في تونس وما حولها نيابة عن العبيديين، وقد أظهر خلال فترة حكمه (362-373هـ /972-983م) ولاءً للعبيديين ومذهبهم الشيعي الاسماعيلي، إلاً أنه لم يكن بدرجة تشددهم وعدائهم لأهل السنة ومذهبهم، فانفسح المجال نسبياً أمام أهل السنة لنشر مذهبهم.
وكانت العلاقات بين حكام الدولة العبيدية، وأمراء الدولة الزيرية قوية، وكانوا دائماً يتبادلون الهدايا، مع أن فترات من الفتور أو التوتر كانت تعتري هذه العلاقات أحياناً.
وفي سنة 406هـ (1015م) تولى حكم الدولة الزيرية المعز بن باديس بعد وفاة أبيه منصور بن بلكين، وفي عهده حدث تحول في مسيرة هذه الدولة وعلاقتها بالعبيديين، ويجدر في البداية أن نذكر شيئاً من سيرة المعز وصفاته، يقول ابن الأثير: "كان رقيق القلب،خاشعاً متجنباً لسفك الدماء إلاّ في حد، حليماً ، يتجاوز عن الذنوب العظام، حسن الصحبة مع عبيده وأصحابه، مكرماً لأهل العلم، كثير العطاء، كريماً .." ، ويقول الذهبي عن ابن باديس: "وكان ملكاً مهيباً، وسرياً شجاعاً، عالي الهمّة، محبا للعلم ، كثير البذل..".
أما التحول الذي حدث في حياة ابن باديس، وبالتالي في مسيرة دولته، واتجاهه نحو السنة ومعاداته للعبيديين، فيعيدها المؤرخون إلى معلمه أبي الحسن الرجال، الذي كان أحد فقهاء المالكية الذين تمكّنوا من الوصول إلى ديوان الحكم في الدولة الزيرية، فأثّروا في بعض الوزراء والأمراء وفي أبنائهم.
وكان الرجال ذا علم وعقيدة سليمة، وكان مبغضاً للعبيديين وعقيدتهم الفاسدة، وتشرب التلميذ المعز بن باديس هذه الأفكار من أستاذه، لتكون له فيما بعد منطلقاً لنشر السنة ومحاربة البدعة ودولتها العبيدية.
وبالفعل بدأ المعز بن باديس بنشر مذهب أهل السنة، والتقرب إلى العامة والعلماء والفقهاء من أهل السنة، وعندما بدأ مذهب أبي حنيفة ينتشر، حمل أهل بلاده على مذهب مالك حسماً لمادة الخلاف. ووسّع المعز قاعدة أهل السنة في ديوانه وجيشه ودولته، وبدأ حملة تطهير، فأوعز للعامة ولجنوده بقتل من يظهر سبّ أو شتم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وأعلن ابن باديس انضمامه للخلافة العباسية، وغيّر الأعلام إلى العباسيين وشعاراتهم، وأحرق أعلام العبيديين وشعاراتهم ، وخرّب مؤسساتهم ، وألغى العملة التي كان عليها أسماء ملوك العبيديين ، وضرب السكة باسمه، وأمر بلعن العبيديين على المنابر، وأعلن الخروج عن طاعتهم.
وفي مقابل محاربته للعبيديين ومذهبهم الاسماعيلي ،قضى المعز على المذاهب المخالفة لأهل السنة، وعلى رأسها: الصفرية والنكارية والمعتزلة والإباضية.
ولقد أشاد أهل السنة بما قام به ابن باديس من حماية للسنة ومحاربة العبيديين، فأنشد أحد شعرائهم يقول:
يا معز الدين عيش في رفعة                      وسرور واغتباط وجذل
أنت أرضيت النبي المصطفى                       وعتيقاً في الملاعين السفل
وجعلت القتـل فيهم سـنة                             باقاصي الأرض في كل الدول
وبقدر ما حظيت اجراءات ابن باديس وسياساته برضى أهل السنة وقبولهم، أثارت استياء العبيديين وحقدهم، فقد أرسل المستنصر بالله، ثامن ملوكهم، رسالة تهديد ووعيد للمعز بن باديس، يدعوه فيها للعودة للمذهب الاسماعيلي وطاعة الدولة العبيدية، ويقول فيها: "هلأّ اقتفيت آثار من سلف من آبائك في الطاعة والولاء؟"، فأجابه المعز: "إنّ آبائي وأجدادي كانوا ملوك المغرب قبل أن يملكه أسلافك، ولهم عليهم من الخدم أعظم من التقديم، ولو أخّروهم لتقدموا بأسيافهم".
بعد رسالة المستنصر ورد ابن باديس، كان لابد من انفجار الوضع بينهما، وعمد المستنصر العبيدي، بمشورة من وزيره اليازوري، إلى خطة ماكرة للقضاء على ابن باديس ودولته، تمثلت بإغراء بعض القبائل وخاصة بني هلال وبني سليم، للانتقال إلى المغرب العربي، وقتال ابن باديس والزيريين، مقابل حصولهم على أراضي دولة ابن باديس وخيراتها.
ثمة أسباب عديدة جعلت المستنصر ووزيره اليازوري يلجاّن للقبائل العربية، منها انشغال جيوش الدولة العبيدية بالحرب ضد القرامطة، وبمشروعاتها بالشام والمشرق عموما، ولأن طوائف من جيشها من نفس جنس المغاربة بل من قادتهم من هو من نفس قبيلة ابن باديس.
وبحكم أن هذه القبائل العربية اشتهرت بإشاعة القلاقل والاضطرابات في مصر، فقد رأى العبييون أن نقل عرب بني هلال من صعيد مصر إلى شمال إفريقيا ليصطدموا بالزيريين، قد يحقق لهم فائدة مزدوجة: القضاء على ابن باديس ودولته وتأسيس دولة موالية للعبيديين مكانها، ومن جهة أخرى : التخلص من بني هلال والفوضى التي كانوا يحدثونها للدولة العبيدية في مصر، ويؤيد ذلك ما قاله المسنتصر: " والله لأرمينه بجيوش لا أتحمل فيها مشقة".
تحركت القبائل العربية باتجاه الشمال الإفريقي في سنة 442هـ (1050م)، واصطدمت بجيش ابن باديس واحتلت برقة وطرابلس (في ليبيا) وأنحاء أخرى برغم الاستبسال الذي أبداه ابن باديس، ويعتقد أن القبائل العربية كان تعدادها 400 ألف شخص، وقيل مليون شخص، ولمّا حاول ابن باديس الثأر لهزيمته، مُني بهزيمة ثانية في ذي الحجة من سنة 443هـ (1052م) واحتلت القبائل القيروان (في تونس) ، وأرسلوا كثيراً مما غنموه من قصور المعز بن باديس إلى مصر، وتعد هذه المعركة بداية النهاية للدولة الزيرية التي خسرت معظم أراضيها.
أما ابن باديس، فقد أيقن أن العبيديين مكروا به مكراً عظيماً، وكان من أسباب الهزائم المتلاحقة التي لحقت به قوة القبائل العربية، وخذلان جنوده البربر له، لاسيما وأنهم كانوا لا يزالون يعظمون العبيديين.
انتقل المعز إلى مدينة المهدية في سنة 449هـ واتخذها عاصمة لدولته التي انحصر نفوذها في المهدية وشريط ضيق حولها، أما القبائل العربية فقد أعادت إلى الشمال الأفريقي الدعوة الاسماعيلية، وأعادت التعامل بالسكة المستنصرية.
واستقر المعز في المهدية، وفوّض أمر الدولة وشؤون الحكم لابنه تميم، وما هي إلاّ سنوات قليلة ( 454هـ) حتى توفي المعز بن باديس بعد حكم دام 47 سنة.
 
للاستزادة:
1-     الدولة العبيدية الفاطمية – د. علي محمد الصلاّبي.
2-     تاريخ الفاطميين – د. محمد سهيل طقّوش.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


[1] يشمل المغرب العربي أو الشمال الأفريقي حالياً دول: ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا.
[2] يمكن قراءة المزيد على الرابط التالي: http://alrased.net/show_topic.php?topic_id=360.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: