سطور من الذاكرة\العدد الحادى والسبعين جمادى الأولى هـ
ابن السَّلار وزير سني في الدولة الفاطمية
الأثنين 27 أبريل 2009
ابن السَّلار وزير سني في الدولة الفاطمية
هيثم الكسواني
 
تميزت السنوات الأخيرة من عمر الدولة العبيدية الفاطمية بازدياد نفوذ الوزراء، مقابل ضعف الحكام، الذين كانوا يتسلمون الحكم وهم صغار غير بالغين، وكانت الخلافات والمعارك عادة ما تنشب بين الوزراء، لتنتهي بتولي المنتصر الوزارة، حيث لا يجد الحاكم العبيدي إلاّ الرضوخ للأمر الواقع، وتعيين المنتصر وزيراً.
يقول ابن الأثير: "إن الوزارة في مصر كانت لمن غلب... والوزراء كالمتملّكين، وقلّ أن وليها أحدٌ بعد الأفضل بن بدر الجمالي إلاّ بحرب وقتل وما شاكل ذلك".
في سنة 544هـ (1149م) تولى حكم الدولة العبيدية، الظافر بالله، وفور توليه الحكم، اتخذ الأميرَ نجم الدين أبا الفتح سليم بن مصال وزيراً، وكان ابن مصال قبلها يتولى منصب "ناظر الأمور أو المصالح"، لكن هذا الاختيار لم يُرّضِ علي بن السَّلار، الذي كان حينها والياً للاسكندرية والبحيرة.
كان ابن السَّلار سنيّاً، خلافاً للوزراء الذين تعاقبوا في الدولة العبيدية الفاطمية، صاحبة المذهب الشيعي الإسماعيلي، ولم يسبق ابن السلار في منصب الوزارة من السنة إلاّ رضوان بن ولخشي (521 ـ 533) ، الذي كان أول وزير سني في عهد الدولة العبيدية الفاطمية (297 ـ 567هـ)، والذي قمنا بالحديث عنه في العدد 69 من هذه الزاوية([1]).
جمع ابن السّلار في سيرته بين الخير والشر، الخير المتمثل بحرصه على نشر مذهب أهل السنة والجماعة، الذي حاربه العبيديون الإسماعيليون، وقيامه بمحاربة الصليبيين، والشر المتمثل بالظلم والقسوة، والمصالح الخاصة، وقد بيّن الإمامُ الذهبيُ الازدواجَ في شخصية ابن السلار، فقال: "سيف الدين، أبو الحسن، علي بن السلار الكردي ...وكان بطلاً شجاعاً، مقداماً مهيباً شافعياً سنيّاً، ليس على دين العبيدية، احتفل بالسلفي وبنى له المدرسة، لكنه فيه ظلم وعسف وجبروت".
اتفق ابن السّلار مع ابن زوجته، الأمير عباس الصنهاجي، والي الغربية، على الزحف نحو القاهرة، والضغط على الظافر ليوليه الوزارة بدلاً من ابن مصال، وفعلاً تمكن من إجبار الظافر على أن يوليه الوزارة، ثم أرسل إلى ابن مصال قوة عسكرية بقيادة عباس تمكّنت من تعقبه وقتله في شوال من سنة 544هـ (فبراير 1150م).
كان ابن السّلار سنيّاً شافعياً، كما بيّنا، ولذلك حرص على نشر مذهب أهل السنة، فأنشأ في سنة 546هـ (1151م) مدرسة للشافعية في مدينة الاسكندرية، التي كانت تمثل آنذاك مركز المقاومة السنيّة للشيعة الإسماعيلية، وهو بذلك سار على خطى الوزير رضوان الذي قام بإنشاء مدرسة في الاسكندرية أيضاً، لكن على المذهب المالكي.
أسند ابن السّلار إدارة المدرسة إلى الحافظ الشهير أبي طاهر أحمد بن محمد السّلفي، وقد اختلف المؤرخون في تحديد سنة تأسيس المدرسة، فذهب بعضهم إلى أن ابن السّلار أنشأها في الفترة التي كان فيها واليا على الإسكندرية، وليس وزيراً، وإن كان المحققون يرون خطأ هذا الرأي، ويؤكدون ما ذهبنا إليه في البداية.
وأدت هذه الخطوة إلى حقد الظافر ورجال دولته على ابن السّلار، فتعرض لكثير من المؤامرات، فاحتاط على نفسه برجال لحراسته، عُرفوا بصبيان الزرد.
وإضافة إلى حرص ابن السّلار على نشر مذهب السنة، يُشهد له حرصه على محاربة الصليبيين، خلافاً لسيرة الدولة العبيدية، إذ عمل ابن السّلار على تقوية الجيش، واهتم بتحصين عسقلان، وإرسال الكتائب إليها، وقد كانت عسقلان آنذاك آخر مدينة يملكها العبيديون في بلاد الشام، بعدما فرطوا في القدس وغيرها من المدن.
ويعتبر ابن السّلار أوّل من حاول عقد اتفاق مع نور الدين زنكي، أمير حلب، لعمل جبهة موحدة في مواجهة الفرنج الصليبيين، ولإثبات حسن نيته، أرسل ابن السّلار في سنة 546 هـ (1151م) قطعاً من الاسطول المصري إلى يافا، تمكّنت من أسر عدد من مراكب الصليبيين، وأحرقت ما عجزت عن أخذه، ثم توجه الجنود إلى عكّا وصيدا وبيروت وطرابلس حيث أبلوا بلاءً حسناً وقتلوا جماعة من الفرنج.
وفي العام نفسه تأكد لابن السّلار أن الفرنج الصليبيين في طريقهم إلى الاستيلاء على عسقلان في أعقاب محاولته مهاجمة مدن الشام الساحلية (يافا، عكا، بيروت...)، وكانت العادة جارية كل ستة أشهر بإرسال مجموعات من الجند من مصر لحفظ عسقلان، وفي هذا المرة جاء الدور على عباس الصنهاجي، ابن زوجة ابن السلار، ليترأس هذه المهمة.
خرج عباس إلى عسقلان، لكنه أحسّ أن اختيار ابن السلار له لهذه المهمة، يهدف إلى إبعاده عن مصر "بطيبها وحسنها ولذة المقام بها"، وأوغر بعض القادة المرافقين لعباس صدره على ابن السلار، وزيّنوا له قتله، وتولي الوزارة بدلاً منه، وأقنعوه بأن هذه الخطوة ستحظى برضى حاكم العبيديين، الظافر، بسبب كرهه لابن السلار، ومن جهة أخرى بسبب العلاقة الوثيقة التي تجمع بين الفائز، وبين نصر، ابن عباس الصنهاجي.
في محرم من سنة 548هـ (أبريل 1153م) نجحت مؤامرة عباس، وتمكن ابنه نصر من قتل ابن السّلار وهو نائم على سريره، وفرح الظافر، بقتل ابن السّلار، ونكّل بجثته، وحُملت رأسه إلى القصر، ورُفعت ليراها الناس، ثم أمر بإيداعها بخزانة الرؤوس ببيت المال.
وعاد عباس إلى القاهرة سريعاً ليتولى الوزارة، ولم تمضِ مؤامرة قتل ابن السّلار بدون مقاومة، فقد تجمع أصحابه وأتباعه وثاروا على الظافر، الذي حاول تسكينهم ولم يثقوا بوعوده بمنحهم عفواً عاماً، ثم خرجوا من مصر إلى بلاد الشام خشية التنكيل بهم. وكذلك غضب أهل السنة في مصر لكنهم لم يتمكنوا من إعلان عدم رضاهم خوفاً من بطش الظافر وعباس ونصر.
كان رد الفعل المباشر لقتل ابن السلار هو استيلاء الفرنج على مدينة عسقلان في جمادى الأولى سنة 548هـ (أغسطس 1153)، وبذلك فقد العبيديون آخر ممتلكاتهم في بلاد الشام.
أما الزمرة الحاكمة في مصر (الظافر وعباس ونصر) فقد دبّت الخلافات بينهم فيما بعد، وأدت إلى أن يقتل نصر الظافر، ويفرّ هو وأبوه من مصر، فيلقى عباس حتفه، أما نصر، فيقع في أسر إحدى الفرق العسكرية الصليبية، فتسلمه إلى الأسرة العبيدية في مصر مقابل ثلاثين ألف دينار، ليقتل ويصلب على أحد أبواب القاهرة.
 
للاستزادة:
1 ـ الدولة الفاطمية في مصر: تفسير جديد، د. أيمن فؤاد سيد، ص 273 ـ 282 + ص 592 ـ 594.
2 ـ تاريخ الفاطميين في شمال إفريقية ومصر وبلاد الشام، د. محمد سهيل طقوش، ص 412 ـ 416.
 

[1] - يمكن قراءته على الرابط:  http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=1256
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: