فرق ومذاهب\العدد الثانى والسبعون جمادى الآخرة 1430هـ
الــحـداثــة
الثلاثاء 26 مايو 2009

 الحداثة

د. حمدى عبيد[1]
سبق للراصد في العدد 35 نشر مقالا حول "الحداثة"[2] ذلك المذهب الفكري المعادي للدين والأخلاق والقيم وفي هذا العدد ننشر مقالا جديدا حول الموضوع نفسه، متضمنا أفكارا جديدا وموسعة، نرجو أن يجد القارئ الكريم في المقالين فكرة وافية عن هذا المذهب. الراصد
 
التعريف :     
   الحداثة ((modernism مذهب فكري يسعى الى نبذ القديم الثابت من العقائد والشرائع والقيم، ورفض السائد والمألوف وكل ماهو معروف، فهم يقررون أن (الحداثة تمتاز بالثورة على التقاليد الشكلية واللغوية، والاقتحام والنفور من كل ما هو متواصل) على مايؤكده الباحثون الغربيون الذين يفسرون ما ذكروه من ميزات الحداثة بقولهم: (لقد عرفت الحداثة بأنها حركة ترمي إلى التجديد، ودراسة النفس الإنسانية من الداخل، معتمدة في ذلك علي وسائل فنية جديدة..، فأمامنا الثورة على ما هو مألوف..، وأمامنا أيضا تداعي الأفكار في الرواية).
إن من أبرز سمات الحداثة الثورة الأبدية في كل عصر، وعند كل جيل، تأمل قول كالينيو: "إن الحداثة في جوهرها ظاهرة تعكس معارضة جدلية ثلاثية الأبعاد :-معارضة للتراث, ومعارضة للثقافة البرجوازية بمبادئها العقلانية والنفعية، وتصورها لفكرة التقدم00ومعارضة لذاتها كتقليد، أو شكل من أشكال السلطة أو الهيمنة"، والحداثة عند نورين "تستبدل فكرة الله بفكرة العلم, وتقصر الاعتقادات الدينية على الحياة الخاصة لكل فرد" إذن فالحداثة في الغرب تمثل: مذهبا فكريا رافضا للثوابت والمسلّمات القديمة من العقائد والشرائع ذات الطابع الكنسي الشمولي.
 مفهوم الحداثة في العالم العربي 
لايختلف مفهوم الحداثة عند معتنقيها في العالم العربي عن مفهومها عند مؤسسيها وقادتها في العالم الأوربي الغربي0 يقول الحداثي أدونيس: "إن القصيدة أو المسرحية أو القصة التي يحتاج اليها الجمهور العربي ليست تلك التي تسلّيه، أو تقدم له مادة إستهلاكية، ليست تلك التي تسايره في حياته الخارجية، وإنما هي التي تعارض هذه الحياة أي تصدمه، تخرجه من سباته، تفرغه من موروثه وتقذفه خارج نفسه، إنها التي تجابه السياسة ومؤسساتها، الدين ومؤسساته, العائلة ومؤسساتها، التراث ومؤسساته، وبنية المجتمع القائم كلها، بجميع مظاهرها ومؤسساتها، من أجل تهديمها كلها، يلزمنا تحطيم الموروث والثابت"0 وهناك أكثر من تعريف عند الحداثيين العرب للحداثة، خلاصتها: الحداثة مذهب فكري يسعى إلى هدم كل موروث ثابت، والقضاء على كل قديم، إلا الظواهر الثورية والباطنية والفلسفية، أو هي – كما يعبر الحداثيون- نقل مصادر المعرفة والفكر من السماء إلى الأرض.
وبالتالي فإن الحداثة: منهج فكري ونظرية ذات فلسفة ولاتقتصر على الجانب الأدبي فقط , وإنما تعم وتشمل كافة الجوانب الحياتية الاجتماعية كانت أم معرفية, أم صناعية, أم غيرها, حيث تقوم على العقل والعقلانية وتهدر كل ما لا يدركه العقل المتحرر من كل سلطان, وبالتالي فهي ترفض جميع العقائد والتصورات وأشكال التنظيم الاجتماعي التي لاتستند إلى أسس عقلية, أو علمية .
ويقسم أدونيس الحداثة إلى أنواع ثلاثة: 
الحداثة العلمية: وتعني إعادة النظرة المستمرة في معرفة الطبيعة للسيطرة عليها, وتعميق هذه المعرفة.
الحداثة الثورية: وتعني نشوء حركات ونظريات وأفكار جديدة, ومؤسسات وأنظمة جديدة, تؤدي إلى زوال البنى التقليدية القديمة في المجتمع وقيام بنى جديدة .
الحداثة الفنية: وتعني تساؤلا جذريا يستكشف اللغة الشعرية ويستقصيها, ويفتتح آفاقاً تجريبية جديدة في الممارسة, وابتكار طرق للتعبير تكون في مستوى هذا التساؤل.
ويشترط لكل هذا أن يصدر عن نظرة شخصية فريدة للإنسان والكون .
 
الفرق بين الحداثة والتنوير:
لعل من اوضح الفروق بين الحداثيين والتنويريين أن الحداثيين يفتخرون بعدم انتسابهم للإسلام ويدعون للثورة عليه وعلى مصادره وعقائده وشرائعه, بل الثورة على كل قيمة أو خلق لا يدركه عقلهم المتحرر من كل سلطان.
أما التنويريون فهم في الغالب يدعون الانتساب إلى الإسلام, ولكنهم أسرى الانبهار بالحضارة الغربية لذلك حاولوا التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية, من خلال إخضاع النص الشرعي لما تقرره عقولهم, فعطلوا بذلك الكثير من قضايا العقيدة والشريعة لعدم تناسبها- بحد زعمهم- مع الفكر الحضاري الغربي.
وعلى الرغم من الخلاف بين الفريقين في المنطلقات, لدرجة أن يأنف الحداثيون أن يصفوا أنفسهم بالتنويريين, إلا أنهم مع ذلك يشجعون التنويريين لخلخلتهم للكثير من الثوابت, الأمر الذي يمهد لهم الطريق في العالم العربي .
 
نشأة الحداثة قي العالم الغربي:
اختلف الغربيون في تأريخ الحداثة عندهم، فزعم بعضهم أن طبيعة الحداثة، وكذلك مكان نشوئها، والأسباب التي كانت وراء ظهورها، ظلت غامضة بعض الشيء ،وسبب الخلاف في ذلك أن لفظ الحداثة استعمل في بادئ الأمر مرادفا للرومانسية، واستعمل كذلك في وصف الأجواء العامة للأدب الأوربي، واستعمل كذلك في جانب آخر في وصف حركة ثورية جارفة في الحضارة الأوربية لذا اختلف الباحثون في تحديد نشأتها تبعا لتحديد مفهومها الدقيق، مع اتفاقهم على خصائصها وأسسها العامة، فصار كل واحد من أولئك الباحثين يحدد بداية الحداثة بناء على ما يعرفه من حركات ثورية تغييرية، وبناء على ما علمه من أن تلك الحركة الثورية هي الأولي، فأطلق عليها لفظ الحداثة ( ومن أسباب الإختلاف أيضا – الغموض الذي يغطي مفاهيمها ومقاصدها، وهو أهم ما يميزها عن غيرها من الحركات الثورية ).
ذلك الإختلاف هو في زمن نشأتها، أما المكان فيجمع الباحثون على أنها نشأت في فرنسا عام 1830م وأن الحداثي الفرنسي شارل بودلير مؤسسها الأول، ومن هناك انتشرت في الدول الأخرى.        
                                                                                                            
 نشأة الحداثة في العالم العربي:                                                                                                                
 على الرغم من بداية ظهور الحداثة في العراق على يد بدر شاكر السياب المولود عام (1344هـ / 1926م) لأسرة شيعية بجنوب البصرة, ونازك الملائكة المولودة عام (1342هـ / 1923م) في بغداد لأبوين شاعرين, وعلى الرغم من انتباهها إلى خطورة الحداثة على اللغة العربية مما دفعها لتبدي تحفظها عليها عقيدة ومسلكا, ولذلك سعت إلى كسر حدتها. إلا أنه في منتصف القرن العشرين تقريبا أعلن عن الحداثة والدعوة إليها بواسطة تجمع "شعر"، وهم طائفة من كبار الحداثيين العرب، الذين اجتمعوا في لبنان وأصدروا مجلة "شعر" الناطق الأول بإسم الحداثة، وذلك عام 1957 ومن ذلك الحين أعلنت الدعوة إلي الحداثة باسمها وأسسها وقواعدها المعروفة الآن, ومن ثم انتشرت في بقية دول العالم العربي. وقد سبقتها حركات وجمعيات وأمور مهدت لها الطريق، فتدرج الفكر الحداثي شيئا فشيئا حتى أعلن عن نفسه صراحة بواسطة ذلك التجمع، ومرت تلك الممهدات للحداثة بعدة مراحل هي:
  
مرحلة الحملة الفرنسية على مصر، مرحلة البعثات الخارجية، مرحلة الإرساليات التنصيرية، مرحلة الترجمة، مرحلة المدرسة المهجرية، المدارس والحركات الأدبية، المرحلة الأخيرة هي مرحلة مجلة شعر، التي أعلنت الحداثة عام 1956عندما عاد النصراني الحداثي اللبناني يوسف الخال من أمريكا إلى بيروت، فبدأ باتصالات مكثفة مع المشتغلين بالثقافة والأدب من البعثيين والقوميين والماركسيين، ونحوهم، وأصدروا مجلة (شعر).
وبعد هزيمة المشروع القومي العربي عام 1967م , أحس القوميون العرب بمرارة هزيمة مشروعهم القومي, فأخذوا يهربون إلى أوروبا، ومَن لم يستطع الهرب، هرب من فكره وانسلخ من هويته إلى ما يسمى بالحداثة, وقد وجدوا في الأدب مهربا لهم يعبّرون فيه عن نفسياتهم المنهزمة.
وبإجمال يمكن القول بأن التيار الحداثي الإنجليزي استطاع أن يؤثر على الشعر العراقي في الخمسينيات, بينما استطاع التيار الحداثي الفرنسي أن يؤثر على الشعر في لبنان, ومن لبنان اتتشرت في سوريا وفلسطين والأردن ومصر, ويصرح السياب مفتخرا بالدور العراقي في نشر الحداثة بقوله: إن هذه العملية الثورية التي بدأت في بغداد بدأت تصل إلى الأقطار العربية الأخرى. ولذلك مثّل الحداثيون العراقيون العمود الفقري لمجلة "شعر". ويشير بعض الباحثين إلى أن الاتجاه الحداثي بدأ في السعودية على يد محمد حسن عواد (ولد عام 1902م) وبخاصة بعد إصداره كتابه "خطوط مصرحة" عام 1925م, وقد خلف محمد عواد جيلا من الأدباء الحداثيين منهم: حمزة شحاته، أحمد قنديل, طاهر زمخشري, عزيز ضياء, حسن القرشي, وقد بدأت الحداثة في السعودية بأصولها الفكرية المعروفة في العقد السادس من القرن العشرين تقريبا.
بينما بدأت في اليمن في الخمسينيات من القرن الماضي، وبرز منهم عبد العزيز المقالح وغيره, ولكن تيار الحداثة بالمغرب العربي برز بشكل أعنف في ارهاصاته الأولى على يد: أحمد المجاطي, محمد الخمار, محمد الميموني, أحمد الجوماري, عبد الكريم الطبال, الذين دعوا الى التحديث الفكري والاجتماعي والأدبي والسياسي ثائرين على كافة الأصول الفكرية والاجتماعية القديمة في المجتمع المغربي. بينما كانت بدايته الحقيقية بأصولها ومبادئها الفكرية المعروفة في نهاية الستينيات على يد عبد الله العروي, عبد الكبير الخطيبي , محمد عابد الجابري.     
                                                                                       
أثر الماسونية في نشر الحداثة:
أكد كثير من الباحثين أن للماسونية أثرا كبيرا في تمكين الحداثة ونشرها ودعمها في العالم الإسلامي والعربي منه بخاصة. وأشهر تلك المؤسسات الماسونية الهادمة (مؤسسة فرانكلين) و(المنظمة العالمية لحرية الثقافة)، وغيرها من المؤسسات الأمريكية التي تشرف عليها (المخابرات المركزية الأمريكية)، وفي تشرين الأول عام 1961 أقامت "المنظمة العالمية لحرية الثقافة" الماسونية احتفالا عظيما في روما للفكر الحداثي في العالم العربي، وذلك بالتعاون مع "معهد الشرق الإيطالي" وإدارة مجلة (تمبو بريزنتة)، تأييدا للحداثة وتتشجيعا لها في العالم العربي، وقد شارك في ذلك المؤتمر أكثر من خمسين حداثيا، بعضهم عرب وبعضهم من أمريكا وأوربا"، وتقول سلمى الجيوسي التي حضرت مؤتمر روما: "إن منظميه لم يكونوا أمريكيين فقط، بل كانوا من الصهاينة أيضا".
 
إرهاصات الحداثة في العالم العربي:
1- جميل صدقي الزهاوي (1863-1936): يعد من أوائل الممهدين للحداثة بثورته في العراق على القيم الاجتماعية والسياسية والأدبية, حيث حارب الحجاب, ودعا إلى تحرير المرأة من الأحكام الشرعية, وطالب بالتبرج والسفور وشجع على نزع الحجاب والاختلاط, كما اعترض على مشروعية تعدد الزوجات, وكرس جهده لمحاربة القواعد الشعرية وإلغاء القوافي.
2- خليل مطران (شاعر القطرين): يكاد يجمع الحداثيون على أن خليل مطران يمثل طليعة الحداثيين, واستاذ العصرانية, ومن كبار دعاة التحرر من الأساليب القديمة.
3- جبران خليل جبران: والذي يعتبره أدونيس نبيا للحداثة, حيث اعتبر أن له وحيا يكشف له عن الغيب بواسطة الرؤيا الإشراقية التي تتجلى له.
4- ميخائيل نعيمة: أديب لبناني نصراني تعلم في روسيا القيصرية وتأثر بأدبائها, اعتنق البوذية والهندوكية, انضم إلى الماسونية في حركة "سورية الحرية" التي تنادي بجعل سوريا محمية أمريكية, شارك مع جبران خليل جبران وأدباء آخرين من نصارى لبنان أثناء إقامته في أمريكا بتأسيس الرابطة القلمية عام 1920م والتي قامت حملة ثورية جارفة للدعوة لقطع علاقة الحاضر بالماضي , ولذلك استهدفت مفهوم الشعر العربي وعناصره الشكلية والموضوعية, حيث يرون أن الأدب العربي هو الوجه الآخر للإسلام , ولذلك وقفوا منه ومن اللغة العربية مواقف العداء .
5- معروف الرصافي: وقد اتخذ من مهاجمة العادات والتقاليد الدينية منهجا اجتماعيا, وقد اتخذ من نقده للماضي مدخلا لمهاجمة أحكام الشريعة التي دعا للتخلص منها, كما دعا إلى إنكار الدين والوحي والنبوة والغيبيات, والثواب والعقاب والجنة والنار .
7- جماعة أبولو : والتي تأثر مؤسسها أحمد زكي أبو شادي بالنزعة الغربية الإنجليزية بعد انتسابه للمذهب الرومانتيكي .
8- جماعة الديوان: التي سعت إلى تقليد المدرسة الانجليزية والسير خلف مفاهيمها وسلوكياتها, بهدف إقامة حد بين عهدين لم يبق ما يسوغ اتصالهما .
 
أبرز رواد الحداثة العرب ومنظريها:
1- يعد يوسف الخالرائد الحداثة الأول في العالم العربي, حيث عمل بعد عودته من دار هجرته في أمريكا إلى بيروت التي سكنها كموطن بديل لبلده سوريا في تنظيم أول تجمع حداثي ضم طائفة من أصحاب التوجهات الماركسية والبعثية والقومية أمثال: أدونيس, وزوجته خالدة سعيد, ونذير العظمة, وأنسي الحاج, وشوقي أبو شقرا, وأسعد رزوق, ومحمد الماغوط.
2-علي أحمد سعيد أسبر, المشهور بأدونيس، شاعر حداثي نصيري سوري, نشأ نشأة دينية وتعلم أشعار المتصوفة العلويين (النصيرية) كالمكزون والمنتجب, يعتبره الحداثيون رائد الحداثة الأول, وصاحب تلمودها المقدس عندهم والمتمثل في أطروحته للدكتوراة من الجامعة الأمريكية في بيروت (الثابت والمتحول.. بحث في الاتباع والإبداع عند العرب) حيث اهتم فيه بهدم الإسلام واللغة العربية بتشجيع من الجامعة والمشرفين عليه, طبق عمليا ثورته على التراث فغير اسمه واسم أبيه لأنهما من أسماء التراث الإسلامي، واختار بدلا منه اسم قومي سوري له مكانته في الأساطير الفينيقية (أدونيس) والذي يرمز إلى إله الخصب والنماء.
عين استاذا في الجامعة اللبنانية في كليتي التربية ثم الآداب, وعمل موظفا بجامعة الدول العربية التي استقال منها, جاب عددا من الأقطار مبشرا بالحداثة ومفاهيمها, شارك مع يوسف الخال في تأسيس مجلة "شعر" التي تركها بعد عددها السابع والعشرين في عام 1963م, ثم أسس مجلة "مواقف" عام 1978م. يكثر أدونيس من الإشادة بالصوفية والباطنية والشيعة والقرامطة والحركات الشعوبية, كما كان دائم المدح للثورة الخمينية.
3-خليل حاوي: نصراني حداثي شارك في تنظيم تجميع الحداثيين وإنشاء مجلة شعر, وعنه يقول يوسف الخال: "خليل حاوي هو بالتأكيد واحد من سدنة الحداثة, وقد أعطى الكثير لهذه الحداثه".
4- لويس عوض: شاعر حداثي نصراني مصري يدعي أنه هو أول من ابتدع الحداثه الشعرية.
5- عبد الوهاب البياتي: شاعر حداثي شيعي عراقي, وأحد كبار الذين ابتدعوا الحداثه في الشعر العربي. انتمى للشيوعية الماركسية.
وهناك بإجمال: محمد أركون الحداثي الجزائري, محمد عابد الجابري المغربي, صلاح عبد الصبور من رواد الحداثة المصريين, محمود درويش الشيوعي الفلسطيني وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية, توفيق صايغ حداثي فلسطيني نصراني, سميح القاسم, أمل دنقل، وجابر عصفور وأحمد عبد المعطي حجازي ونصر حامد أبوزيد من عتاة الحداثيين الماركسيين المصريين, عبدالله الغذامي حداثي, وسعيد السريحي من كبار الحداثيين بالسعودية.
على كل فإن رواد تلك الحداثة جلّهم من أصحاب الأقليات والطوائف المنحرفة التي اتخذوها سلما لتمرير وتسويق عقائدهم وأفكارهم الفاسدة, فمن الشيعة الروافض نجد :عبدالوهاب البياتي, مظفر النواب, مهدي عامل, حسين مروة، محمد مهدي شمس الدين, شوقي بزيع, محمد مهدي الجواهري, أحمد الصافي النجفي, محمد الموسوي, محمد صالح عبد الرضا (العراق), ومن السعودية: محمد العلي وابنه رياض, أحمد الشويخات, حنان الشيخ. من الدروز: شبلي العبسمي, حمود الشوفي, منصور الطرش, سليم حاطوم، توفيق زياد .
من النصيرية: سليمان العيسى, بدوي الجبل، محمد سليمان الأحمد, أحمد سليمان الحمد, زكي الأرسوزي, صلاح جديد, محمد عمران, ابراهيم ماخوس.
من البربر الجزائريين الشيوعيين: كاتب ياسين, نبيل فارس.
ومن النصارى: يوسف الخال, لويس عوض, سعيد عقل, انطوان سعادة, خليل حاوي, غالي شكري...
 
أشهر مجلاتهم :
* مجلة "الآداب" الصادرة في بيروت عام 1953م وتمثل أول تجمع ثوري حداثي كما يصفها غالي شكري, عملت على توظيف الحركة الحداثية لصالح المشروع الناصري.
* مجلة "شعر": أصدرها يوسف الخال وأدونيس في بيروت عام 1957م لتصبح أول منبر حداثي خالص, بدعم من جهات تنصيرية وماسونية أمريكية, وعلى الرغم من اجتماعها ومجلة الآداب على معاداة الإسلام إلا أنه قد اشتد بينهما الصراع من أجل توظيف الحركة الحداثية لصالح المشروع الغربي الحداثي على العكس من اتجاه مجلة الآداب. توقفت المجلة عام 1964 بعد العدد 32 ليعلن عن انهيار تجمع "شعر" ولكنها عاودت الصدور عام 1970م ثم توقفت نهائيا.
* مجلة "أدب" الصادرة من تجمع "شعر" عام 1962م لتنافس مجلة الآداب في ترسيخ مفاهيم الحداثة بمنظورها الغربي .
* مجلة "مواقف" التي أسسها أدونيس بعد انفصاله عن مجلة "شعر" عام 1968م لنشر الحداثة وتمكينها في العالم العربي, وفي عام 1989م أقامت بالاشتراك مع دار الساقي بلندن مؤتمرا بعنوان "الإسلام والحداثة" .
* مجلة "حوار" الصادرة عن المنظمة العربية لحرية الثقافة بلبنان عام 1962م , وبتمويل من وكالة المخابرات الأمريكية, وقد توقفت في عام 1967م بسبب ذلك.
وعن الهيئة المصرية العامة للكتاب صدر عدد من المجلات الحداثية التي تواكب على رئاسة تحريرها كبار الحداثيين الماركسيين أمثال: أحمد عبد المعطي حجازي, وعز الدين اسماعيل, وجابر عصفور, مثل: مجلة فصول ومجلة النقد الأدبي, ومجلة القاهرة ..مجلة أسبوعية ثقافية, ومجلة إبداع ومجلة أدب وفن...
وعن حزب التجمع الوطني الوحدوي (شيوعي) في مصر تصدر مجلة أدب ونقد كأبرز مجلة حداثية تدعو بشكل صريح للماركسية الحداثية.
هذا بالإضافة إلى مجلات مثل: الفكر العربي المعاصر، الصادرة عن مركز الإنماء العربي ببيروت, ومجلة الناقد الصادرة عن دار ضياء الدين الريس بلندن, ومجلة الطريق الصادرة عن الحزب الشيعي اللبناني, ومجلة السراج التي تصدر من مسقط بسلطنة عمان كأبرز المجلات الحداثية الخليجية, ومجلة الشروق الإماراتية, ومجلة كلمات البحرينية, و المدى البيروتية, ومجلة الثقافة الجديدة المغربية التي توقفت عام 1984م, لتتبنى دار توقال نشر الفكر الحداثي بالمغرب العربي بدلا منها. 
وهناك عدد من الصحف اليومية والمجلات الدورية التي اخترقها الحداثيون وأجادوا استغلالها لصالح مشروعهم التخريبي مثل: صحيفة الأهرام المصرية, الرياض, وعكاظ, والمدينة ومجلة اليمامة, واقرأ السعودية, والأضواء البحرينية, والمنتدى, والخليج, والشروق, والاتحاد الإماراتية, والسياسة, والعربي, وعالم الفكر الكويتية, الاجتهاد والفكر العربي اللبنانية, والشرق الأوسط اللندنية...  
 
أشهر منتديات الحداثيين ومهرجاناتهم الأدبية:
استخدم الحداثيون المهرجانات الأدبية كوسيلة فعالة لنشر وترويج أفكارهم الحداثية, بالإضافة إلى أنها فرصة لهم للّقاء وتبادل الخبرات وتلاقح الافكار، ومن أبرز تللك المؤتمرات والمهرجانات التي أقاموها أو استغلوها لصالح مشروعهم المنحرف:
مؤتمر الأدب العربي المعاصر بروما عام 1961م ويعد المؤتمر الحداثي الأول الذي يلتقي فيه الحداثيون العرب مع نظرائهم من الغربيين, مهرجان القاهرة للإبداع العربي عام 1984, مهرجان القاهرة للشعر العربي 1994م , مهرجان الشعر الخليجي الذي أقامته جامعة الكويت عام 1975م. هذا بالإضافة إلى المهرجانات السنوية التي يكون صوتهم الأعلى فيها ومن أبرزها: مهرجان جرش السنوي بالأردن, ومهرجان الجنادرية بالسعودية. هذا غير النوادي الأدبية المنتشرة في عدد من الدول العربية التي تروج للحداثة وتعمق مفاهيمها المنحرفة.
 
جذور الحداثة ومصادرها:
(1) الفلسفات اليونانية والرومانية وما انطوت عليه من عقائد وأفكار وثنية، ومذاهب إباحية.
(2) العقيدة اليهودية والنصرانية، إذ أن كثيرا من الحداثيين تأثر بها، واتضح ذلك من أفكارهم وآدابهم وتجارب فلاسفتهم.
(3) الشيوعية المتضمنة للمادية الجدلية، والصراع بين المتناقضات، وكثير من الحداثيين هم من أتباع هيجل وانجلز وماركس وغيرهم0
(4) المذاهب الغربية التي ثارت على الكنيسة، وتمردت على جميع الأديان0
(5) الفلسفة الوجودية، ورائدها جان بول سارتر، حيث سلك سبيله كثير من الحداثيين، الذين دعوا إلى الفرار من الحياة عن طريق الأحلام والخيالات وتقديس وجود الانسان وذاته.
(6) عبادة العقل أو الطبيعة أو التجربة أو الجنس أو الذات ونحو ذلك مما أفرزته الأزمات الفكرية والسياسة والنفسية والاجتماعية التي عاشوها هناك، ثم إن عبادة تلك الأشياء لم تنجح في إسعاد المجتمع الغربي، فتولد من ذلك كله الحداثة الثائرة.  
 
 مصادر الحداثة العربية:
(1) الحداثة الغربية ومصادرها: يقول الحداثي النصراني غالي شكري: "علاقتنا مع المدارس النقدية الغربية هي علاقة تلمذة أكثر مما هي علاقة تأسيس"0                                                       
(2) الماركسية: إن كثيرا من الحداثيين العرب هم ماركسيون صريحون في إعتناقهم للفكر الماركسي، يقول فادي إسماعيل:" لقد قادت الحداثة والرغبة في الثورة، التي تضمنها الفكر العربي الحديث إلى تبني الماركسية..، لقد أنقذت الماركسية أيديولوجية الحداثة من طابعها الفج المعادي بشكل ظاهر للمجتمع والجماعة من خلال عدائها للتقاليد التي أصبح المجتمع رمزا لها ووضعتها في سياق أيديولوجية عالمية إنسانية، فأصبحت الثورة على المجتمع ثورة للمجتمع".
(3) الوجودية: فالحداثيون يتلقون كثيرا من أفكارهم من الوجودية، لأنها كما يقولون: "تمثل الإستجابة المباشرة لحاجة الإنسان المعاصر إلى إعادة النظر في مقومات وجوده، ثم محاولة تكييفها علي شكل جديد بإرادته وإختياره"0 
(4) الباطنية: إن كثيرا من الحداثيين هم باطنيون، فمثلا أدونيس وهو من أوائل منظري الحداثة نصيري باطني، كذلك يتضح أثر الباطنية في اهتمام الحداثيين بالثورات الباطنية، ورجال التصوف وإبراز تلك الثورات باعتبارها اتجاهات تمردت على الثابت والمعروف في العقائد والشرائع والسياسات، ولهذا يكثر في كتاباتهم الدفاع والإشادة بالشيعة التي يصفها أدونيس بتلك الفرقة المضطهدة والفقيرة، بينما يصف ثورة الزنج وأعمال القرامطة بأنها حركات ثورية مضيئة، أصدرها الشيعة خلال التأريخ المظلم, ولايقف الأمر على هذا بل يستمدون بعض أصولهم من أصحاب وحدة الوجود والحلول والاتحاد أمثال ابن عربي والحلاج وكل حركات الزندقة والشعوبية والخلاعة والمجون في التاريخ الإسلامي, فمن ابن عربي تستمد الحيرة والقلق والاضطراب عند الحداثي.
 
الأصول والمبادئ (أسس الحداثة):
 
 (1) حرية التفكير المطلقة في البحث والتعبير:
حيث اتفقوا بأنه لاحداثة بدون حرية, ولتلك الحرية عندهم مفهوم خاص ولها دلالة تخالف مفهوم الحرية التي شرعها الإسلام. يحدد "كانت" طبيعة تلك الحرية التي جعلوها شرطا للتنوير والحداثة بأنها "حرية العقل والتفكير من سلطة المقدس ورجال الكهنوت والكنيسة وأصنام العقل" ومن هنا أصبحت حريتهم مصدرا للقلق والاضطراب حيث عبثت بالأديان والأخلاق والأعراف السليمة, بالإضافة إلى انتهاك حقوق الإنسان, وإلغاء الفوارق بين الرجل والمرأة وإباحة الشذوذ .                                              
(2)-الصراع بين القديم والجديد:
يعمل الحداثيون على تغيير التراث، بمبادئه وعقائده وقيمه، إلى مبادئ وعقائد وقيم حديثة, ويقصدون بالتراث هنا ليس كل ماهو قديم على الإطلاق هكذا ولكن يقصدون به التراث الإسلامي وعلى رأسه القرآن الكريم والسنة المطهرة, ولكنه من باب الخداع اللفظي يعممون باستخدام لفظ التراث لسهولة خداع الجماهير المسلمة والنفاذ بينهم, ويكشف ذلك أنهم على النقيض من ذلك، فنجدهم يحتفون بكل الحركات الثورية والسرية والفلسفات المناوئة والفرق العقدية المعارضة للإسلام في التاريخ الإسلامي, بما في ذلك تراث المراحل الوثنية والمسيحية التي مرت على المشرق العربي، كما ينادون بحتمية التحول عن القديم والماضي إلى الحديث والمستقبل ولكن كيف يكون هذا التحول، إنه يتم عبر طرق شتى، منها ما يسمونه (بتفجير الثورات) وإخضاع ذلك القديم (للعقلانية والديموقراطية)، و(إعادة قراءة) عقائده وقيمه بمنظور حداثي ثوري.  
(3) الخروج على التقاليد والتجديد المستمر:
إلى أفكار ومواقف جديدة ، ورؤي حديثة حول الإله والإنسان والكون.
(4) رفض ما هو قديم وثابت:
فهي ترفض القديم والعقائد والشرائع، وما يصدر عنها من قيم وأخلاق وتسعى إلى إنشاء فلسفات جديدة بدلا عنها، وقوانين وضعية، وقيم وتعاليم بشرية، تقوم على أنقاض القديم.
 
أبرز الأفكار والأصول العقدية للحداثيين:
إن الحداثيين ليسوا سواء, أو في دركة واحدة بل هم في الواقع في دركات مختلفة, ولايلزم أن قول كل واحد مما ستأتي الإشارة إليه هو قول كل حداثي على وجه التعيين, وإنما يجمعهم جميعا الأصول السابق ذكرها كأصول جامعة وقواعد كلية يؤمن بها الجميع:
 
1- رفض مصادر الدين والعقيدة وجميع الغيبيات:
ويقصدون بمصادر الدين والعقيدة والغيبيات: القرآن الكريم بما فيها السنة النبوية المطهرة المتضمنة لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم, في محاولة دنيئة لهدم الدين باسم النقد ومحو الإسلام باسم الإبداع:
- فالقرآن الكريم عندهم ظاهرة ليست فوق النقد: وليس له قداسة ولا احترام لأنه في نظرهم غير معصوم, حيث يشككون في جمع القرآن الذي يعتبرونه أسطورة يجب مراجعتها, وبالتالي لايصلح عندهم أن يكون مصدرا للتشريع. يقول ويصرح أركون بأن القرآن مجازات عالية مثل الأناجيل لايمكن أن تتحول إلى قوانين واضحة وفعالة أو مبادئ قابلة للتطبيق, - كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذبا - وهناك فريق منهم أظهر حرصه على التراث والتمسك به, وادّعى الإيمان بالكتاب والسنة على أنهما من ضمن التراث الحريصين عليه, مفرقين بين النص الديني والفكر الديني, في محاولة خبيثة لإقناع الناس لاشعوريا بالتخلي عن دينهم من خلال التدرج بهم بزعم رفض الفكر الديني على أنه بشري المصدر, أما النص الديني فيجب تأويله تأويلا جديدا يتناسب مع الفلسفات الحداثية الجديدة الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تعطيل النص بعد تحريف معناه بدعوى التأويل, وبالتالي دعوا إلى إبطال كل التفاسير السلفية وإعادة تأويل – الحقيقة تحريف- الآيات القرآنية من جديد, ولعل كتابات محمد أحمد خلف الله ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون تصب في هذا الجانب .
- تعطيل السنة النبوية المطهرة: استخدم الحداثيون سلاحي الإنكار والتشكيك في السنة النبوية حيث انصب جل اهتمامهم على الحكم على الأحاديث وفق مناهج وقواعد اخترعوها في قبول ورد الأحاديث, مكررين شبهات من سبقهم أمثال الشيخ محمد عبده, وأحمد أمين, ومحمد أبو رية, بحجة غير مناسبتها للفكر الحديث, أو زعم تصادمها مع العقل, أو أنها لم تخضع للتطور التاريخي حسب نظريتهم الماركسية في التطور التاريخي.
ولهدم السنة من أساسها فقد انصب جهدهم في التشكيك في الصحابة – رضي الله عنهم – ومن تبعهم من حملة السنة ورواة الحديث وعلمائه, مشككين في عدالتهم مطالبين بإعادة كتابة تاريخهم, وحتى السيرة النبوية لم تسلم من تخاريفهم حيث ادعوا أنها حكايات شعبية, ورواتها وكتابها قاموا بأعتى عملية تدليس وتمويه في التاريخ.
- نفي الإجماع والقياس: قام الحداثيون بالطعن والتشكيك بالإجماع والقياس بزعم أنهما من نتاج الفكر الديني ولاعلاقة لهما بالنص الديني (الوحي).
 
2- الإستهزاء بالله ورسله:
ثورة الحداثيين ليست تنظيرية فقط ، بل تطبيقية عملية ، فقد تجرأ الحداثيون على الله سبحانه- وتعالى- ورسله –صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – وعلى ماجاؤوا به من عقيدة وشرائع، فمنهم من أعلن إلحاده وأنكر ربوبية الله تعالى على خلقه حيث صرح بعضهم بأنه لا إبداع إلا مع نفي وجود الله - تعالى عن زندقتهم - , ومنهم من لا ينكر وجود الرب وربوبيته على مذهب الربوبيين الغربيين الذين ظهروا في القرن الثامن عشر في انجلترا ردا على مذهب الإلحاد الصريح في محاولة للتوفيق بين المذهب الكنسي المتعصب والمذهب الإلحادي الصريح , ولكنه في الواقع إثبات أقرب إلى الإلحاد منه إلى الإثبات حيث نفوا العلم المطلق والقدرة المطلقة عن الله سبحانه وتعالى, وعبثهم كثير جدا نختار منه قول حسن حنفي:" لا يوجد فرق بين كلام الله وكلام البشر" ومن عبثهم قول أدونيس: "ومن هنا كان بناء عالم جديد يقتضي قتل الله نفسه مبدأ العلم القديم، وقتل الله نفسه مبدأ هذه الصورة هو الذي يسمح لنا بخلق عالم آخر، ذلك أن الإنسان لايقدر بأن يخلق إلا إذا كانت له سلطته الكاملة، ولا تكون له هذه السلطة، إلا إذا قتل الكائن الذي سلبه إياها، أعني الله".
 
3- عقيدة القضاء والقدر:
ينكر الحداثيون القدر, يقول الإباحي الحداثي نزار قباني: "مشيئة الأقدار لا تراني.. أنا الذي أغير الأقدار". الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني1/954. ويصرح الشيوعي الحداثي سميح القاسم بقوله: "ومشيئة الرحمن والأقدار بعض نفايات القرون" ديوان سميح القاسم 323.
 
4- عدم الإيمان بالغيبيات والجن والملائكة وإنكار يوم القيامة والبعث والحساب:
يجمع الحداثي الملحد المصري علاء حامد في روايته "مسافر في عقل رجل" شتات عقائد الحداثيين بقوله:" الإنسان ليس سوى نظرية مادية بحتة, وجد بالصدفة, وسيموت بالصدفة, وبموته يصبح مجرد ذكرى في أروقة الحياة, فلا إله ولا ثواب ولا عقاب, ولا جنة ولا نار, ولا جن أزرق ولا أحمر, ولاملائكة بيضاء أو خضراء تهفهف بأجنحتها, الرسل ليسوا سوى مجموعة من الدجالين والأديان صناعة بشرية ذكية, والإنسان ابن الطبيعة, خالق نفسه, هو الأوحد الأقوى والأفضل والجبار والمتكبر, وبالتالي فقد وجد بالصدفة, وسيفنى جنسه البشري أيضا بالصدفة, وعلى البشرية في هذه الحالة الأخيرة أن تبدأ للمرة الثانية من نقطة الصفر أي من نقطة البداية, وقد يختلف شكل المخلوق القادم من الإنسان المندثر بعد فناء العالم" ص 125.
 
5-رفض الشريعة وأحكامها:
يأبي الحداثيون إلا أن يثوروا على كل موروث، حتى أن الفقه وأصوله وأحكامه لم تسلم من تمردهم وثورتهم، ولكنهم كعادتهم يبدأون في التدرج في النفي والإلغاء، فحقيقة أمرهم رفض الشريعة نهائيا, ويجعلونه شرطا للتقدم والتحضر, ويؤيدون كل من يساعد في ذلك حيث يؤيدون منكري السنة, في الوقت الذي يترحمون على صاحب الفكر الجمهوري محمود محمد طه, ويدعون انطلاقا من نظريتهم التاريخية في تفسير النصوص بخصوص السبب لا بعموم اللفظ على عكس القاعدة الأصولية في ذلك, فدعوا إلى تغيير أحكام الغسل والطهارة على أنها نزلت للبيئة الصحراوية حيث ندرة المياه, والماء الآن متوفر, وكذلك احكام الصلاة والصيام مع ظروف العمل والانتاج في العصر الحديث, وكذلك أحكام الزكاة بزعم تعارضها مع قوانين الضرائب, وإنكار مشروعية تعدد الزوجات, وحق المرأة في الميراث والدعوة إلى إلغاء كل الحدود الشرعية على زعم أنها أوضاع اجتماعية, ودعوة المجتمعات إلى سن قوانين وضعية تتناسب مع ظروفها وتتطور مع أوضاعها التاريخية, وسن قوانين اجتماعية بمعزل عن الدين وخارجه, ونزع صفة القداسة عن الفقه بدعوى أنه عمل بشري, من خلال الأصل الذي أصّلوه ُثم أرادوا محاكمة النصوص عليه بقولهم ببشرية النص الديني ومن هنا كان مدخلهم لتحريف ورفض الأحكام الشرعية.
 
    6-الثورة على السلطات الحاكمة:
من الأسس الرئيسة للحداثة: الثورة والتمرد على كل الأنظمة والحكومات العربية التي لا تدين بالحداثة مذهبا, وبخاصة تلك السلطات التي تحكم النص الديني, يقول أدونيس: "إن نقد الوحي هو شرط لكل تقدم, وقبل أن يتحرر الإنسان في الدولة الدينية, لابد أن تتحرر الدولة ذاتها من الدين... والازدهار لايقتصر على الدولة, أو على الدين العام, بل يجب أن يزال الدين الخاص أيضا, أي دين الفرد ذاته "الثابت والمتحول 1/89-90. وتعد الحكومات الماركسية والبعثية أقرب الحكومات إليهم للتقارب الفكري الكبير بينهم.
 
7- الدعوة إلى تحرير المرأة:
يبذل الحداثيون جهدا كبيرا في الدعوة لخروج المرأة عن عفافها تحت دعوى تحريرها من أحكام الشريعة وقيد النصوص الشرعية, ورفض كل الأحكام المتعلقة بها, تمهيدا لتفكيك الأسرة كنواة ضامنة لقوة تماسك وسلامة المجتمع من الفوضى والاضطراب التي قامت عليها الحداثة, وتخلصا من الأحكام التي تطاردهم جراء فجورهم وانحلالهم.
 ويربط حسن حنفي بين نجاح عملية تحرير المرأة- حسب مفهومهم- وبين الالتزام بقواعد الحداثة الأخرى من ضرورة التخلص من المفهوم الإسلامي للعقيدة في الله تعالى بقوله في ندوة "الإسلام والحداثة" بلندن عام 1989م: "إن العالم مقسوم إلى قسمين: الله والعالم, فينعكس ذلك حتما في المجتمع, على السلطان على الحاكم والمحكوم, وسينعكس في الأسرة على الرجل والمرأة, والسؤال الموجه لك هو: أن هناك ثلاثة اختيارات, اختيار حركة تحرير المرأة. في البداية لتحرير المرأة من الرجل, وهناك المثقف العلماني الذي يبدأ بتغيير النظام السياسي, وهناك الذي يحاول تثوير الدين, ومالم نقضِ على هذا التصور الثنائي للعالم ورؤية العالم بين حاكم ومحكوم, وعلى المستوى الديني بين خالق ومخلوق, فلن تستطيع حركات تحرير المرأة أن تفعل شيئا, ولن يستطيع المثقف العلماني أن يؤدي دوره مالم نقض على هذا التصور, هذا السؤال الأول في آليات التغيير".
 
8-إلغاء اللغة العربية ومحاربتها :
جعل الحداثيون من أهم أولوياتهم القضاء على اللغة العربية واستبدالها إما بالحرف اللاتيني, أو بالعامية المحكية، مع تدمير النحو والإعراب والعبث باللغة وألفاظها لأنها أوعية تحمل مضامين تخالف مذهبهم, ولذلك يعتبرونها من أكبر معوقات تمكين وانتشار الحداثة في المجتمعات الإسلامية, ولذا يصفونها بأنها لغة نائمة منغلقة متخشبة على حد قول أركون الذي يطالب بتفجيرها, ومن هنا يعودون بشعوبية جديدة تمجد اشخاص الشعوبية القديمة, يقول نزار قباني:
إياك أن تقرأ حرفا من كتابات العرب
فحربهم إشاعة وسيفهم خشب
وعشقهم خيانة ووعدهم كذب
إياك أن تسمع حرفا من خطابات العرب
فكلها نحو وصرف وأدب
ليس في معاجم الأقوام
قوم اسمهم عرب
 
والخلاصة:  يقدم الدكتور محمد مصطفى هداره – رحمه الله - خلاصة القول في الحداثة وهو الخبير بأغوارها ورموزها بقوله: "الحداثة اتجاه فكري أشد خطورة من الليبرالية والعلمانية والماركسية, وكل ماعرفته البشرية من مذاهب واتجاهات هدامة, وذلك لأنها تتضمن كل هذه المذاهب والاتجاهات, وهي لا تخص مجالات الإبداع الفني أو النقد الأدبي, ولكنها تعم الحياة الإنسانية في كل مجالاتها المادية والفكرية على السواء.."
وهذه حقيقة فالمتأمل في الأسماء السابق ذكرها واتجاهاتهم الفكرية يجد أنها جمعت بين العقلاني الذي يؤله العقل, والعلماني الذي يحجم دور الدين, والمادي الذي لايؤمن إلا بالمحسوس, والوجودي الذي يؤله الإنسان, فقد اختلفوا في مشاربهم الفكرية ولكنهم اتفقوا جميعا على بغض الإسلام والعمل على حربه: عقيدة وشريعة ومنهاجا وأخلاقا, وإذا ما دققت في رموز الحداثيين وجدت أن أكثرهم من الفرس أو الديلم أو اليهود أو الأقليات الأخرى, وأن عقدة الأقلية وراء محاولة تدميرهم وتفجيرهم اللغة العربية, ودعوتهم لاعتماد اللهجة العامية واللهجة المحكية بدلا منها, لأن اللغة العربية انتماء وهوية قبل كل شيء. 
وإن كانت السلفية بمعناها العام هي عدوهم التقليدي, فإن السلفية بمعناها الخاص الذي يعبرون عنه دائما بمدرسة ابن تيمية هي عدوهم الأول وحجر العثرة في طريق تحقيق حلمهم، يقول الحداثي حسن طلب في مجلة إبداع :
هجموا وقد أحفوا شواربهم
وزادوا في اللحى طولا
فزادتهم نكالا
إنهم يستبدلون الآن:عاهات
وآمالا موظفة, ووجها كالحا وغبار تاريخ
وجيش منقبات خلف دجال مسيه
وآلهة مسيسة ونهرا مالحا - يقصد الشريعة الإسلامية -
أقسمت بالملك
وبالنور والحلك
وبدورة الفلك أن أستعيد لك يا نيل منزلك
 
ولذلك جعلوا جل اهتمامهم القبض على زمام الأمور السياسية والثقافية والتعليمية والإعلامية كوسائل للتأثير فعن طريقها استطاعوا التغلغل في المجتمعات الإسلامية, وإدارة دفة السلطة حسب توجهاتهم, ففي إندونيسيا تم تقرير تدريس الفكر الحداثي ضمن المقررات الدراسية في 511 جامعة إسلامية حكومية من خلال كتابات نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري وغيرهم.
والمراقب يجد من آثار ذلك أيضا انتفاش وسعار الحركات والدعوات النسوية وبخاصة في الدول العربية حيث السباق المحموم بينها في تنفيذ تلك الدعوات الحداثية من سن قوانين لتدمير الأسرة تحت دعوى تحرير المرأة, أو قانون الطفل, كما حدث في المدونة المغربية أو قانون الأحوال الشخصية التونسي أو محاولة إشاعة الزواج المدني في لبنان, أو المحاولة الأخيرة لدق المسمار الأخير في نعش أحكام الشريعة الإسلامية في مصر من خلال التعديل الأخير المرتقب للأحوال الشخصية.
 
للاستزادة :
ـ الموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان والحركات المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي .
ـ الحداثة في العالم العربي..دراسة عقدية, محمد بن عبد العزيز بن أحمد العلي "مخطوط".
ـ الحداثة في ميزان الإسلام ، الشيخ عوض القرني .
ـ الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها.. دراسة نقدية شرعية, د. ناصر بن سعيد الغامدي.
ـ الحداثة والتراث , د. محمد مصطفى هدارة, مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات.
ـ الحداثة عبر التاريخ , حنا عبود .
ـ ثقافة الضرار، جمال سلطان.
 
 
 
 
 
 
 
 


 
 


[1] - باحث مصري في الفرق والمذاهب المعاصرة.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: