سطور من الذاكرة\العدد الثالث والسبعون رجب 1430ه
جلال الدين أكبر وإفساده العقيدة الإسلامية في الهند
السبت 27 يونيو 2009

 هيثم الكسواني

 

سُلطت الأضواء في الآونة الأخيرة على حياة "جلال الدين أكبر" أحد أشهر السلاطين المغول المسلمين في الهند، بعد أن عرضت إحدى القنوات الفضائية العربية فيلما مدبلجا عن حياته، وزواجه من أميرة هندوسية، والفيلم الذي حمل اسم "جودا أكبر" تم تقديمه كمثال للتسامح بين أتباع الديانات والمذاهب، لا سيما بين الهندوسية والإسلام، وهما أكبر دينين لهما أتباع في الهند.

تستحق شخصية "أكبر" وعصره ومعاصروه أن يُتوقف عندها بعض الشيء، فهذا السلطان المنتمي إلى الأسرة التيمورية المغولية، يعتبر أحد أعظم السلاطين المنتمين إلى الإسلام (بالمعنى العام) في القارة الهندية، وهو في الوقت ذاته أكثر من أفسد العقيدة الإسلامية في الهند بما أدخل عليها من بدع وشركيات وانحرافات، وصلت إلى حد تأسيس دين جديد عرف باسم: الدين الإلهي، والدعوة الإلهية، والمذهب الأكبري، وغير ذلك من الأسماء.

ولد جلال الدين أكبر في سنة 949 هـ (1542م) وتولى الحكم بعد وفاة أبيه همايون بن بابر، وهو صبي صغير في الثالثة عشرة من العمر، فوقع في هذه الفترة تحت وصاية بيرم خان، وهو أمير شيعي كان مقربا من والد جلال الدين(]) كما خضع لتأثير نساء القصر، وخاصة أمه ومرضعته، لكن ذلك التأثير سرعان ما بدأ يزول ببلوغه العشرين من العمر، وتسلمه مقاليد الأمور بنفسه، فدب الخلاف بينه وبين بيرم، فعزله ثم نفاه.

وفي هذه المرحلة كان "أكبر" يظهر الالتزام بالإسلام السائد في ذلك العصر، وهو إسلام الصوفية، فعلى الرغم من التزامه بشرائع الإسلام، ومنها صلاة الجماعة، إلا أنه كان يؤمن بالبدع والخرافات التي أشاعتها الصوفية في المجتمعات الإسلامية، لا سيما وأنه كان أميا أو شبه أمي، لم تتح له ظروف والده فرصة للتعلم.

لم يطل هذا الطور في حياة "أكبر" وحياة المسلمين في الهند، إذ أن المقام انتهى به إلى أن يخرج للناس دينا جديدا، هزّ القارة الهندية هزا عنيفا، ولم يكن هذا الدين وليد يوم أو ليلة، بل حصيلة تأثيرات عديدة خضع لها "أكبر"، وأهواء ورغبات مكنونة في صدره، ورغبته بتوحيد الهند في دين واحد من أجل تثبيت حكمه وتوسيعه.

ومن جملة ما تأثر به "أكبر" لتأسيس دين جديد وإضلال المسلمين في الهند، هو علماء السوء، الذين ابتليت بهم الهند في تلك الفترة، والذين كانوا يتسابقون لكسب مودة الملك، وتبرير سياساته مقابل حطام الدنيا، ولا يزال لليوم لعلماء السوء والمستشاريين الفاسدين الدور الأكبر في ترويج العقائد والمذاهب المنحرفة إما لسذاجة وغباء وانخداع بدعاوى الإنفتاح والتواصل مع الاخرين، وإما عن دهاء ومكر لترويج نحلته ومعتقده الفاسد عمداً.

أحد هؤلاء هو عبدالنبي الكنكوهي، الملقب بـ "صدر الصدور"(]) الذي ما إن تولى منصبه حتى تطاول على العمال والموظفين، وسبّبت سياساته فشو الفساد والرشوة في أوساط الدوائر الدينية.

أما الثاني فهو الملا عبدالله السلطانبوري، الملقب بـ "مخدوم الملك"، والذي أفتى ذات مرة بسقوط فريضة الحج، لئلا يقول الناس أنه لم يقم بأدائها(3]). واشتهر السلطانبوري بحب المال وكنزه، والتهرب من أداء الزكاة، فكان يهب أمواله لزوجته قبل حلول الحول، وكانت هي تهبه الأموال نفسها بعد مضي ستة أشهر.

ومنهم: مبارك الناكوري الشيعي، الذي وضع للملك "مرسوم العصمة والاجتهاد" والمستمد من عقائد الشيعة، والذي منح فيه الملك "أكبر" المرجعية النهائية في أمور الدين، وحق الاختيار والترجيح في المسائل التي اختلف فيها الأئمة المجتهدون، باعتبار أن االسلطان العادل (يقصد أكبر) أرفع درجة عند الله من العالم المجتهد!

 ومنهم: أبو الفضل بن مبارك الناكوري، الذي أقنع الملكَ أكبر بـ "العقيدة الألفية"(]) التي تعني باختصار أنه قد مضى على الإسلام ألف سنة، وأن الدنيا مع دخول الألف الهجري الثاني، لا بد أن تستأنف عهدا جديدا، ولذا فإنه لا بد لها من شريعة جديدة، ومشرع جديد، وحاكم جديد، وليس في هذا العالم لهذا المنصب الجديد، إلا الملك جلال الدين أكبر، صاحب التاج والعرش، والإمام العادل والعاقل!

ومنهم كذلك: أحمد بن نصر الله السندي، وهو أحد كبار علماء الشيعة آنذاك، الذي كُلف بكتابة "التاريخ الألفي" ليكون ناسخا للتاريخ الهجري الإسلامي.

ومنهم أيضا: محمد يزدي الشيعي، الذي قدم من إيران، وكان كثير السب للصحابة والسلف الصالح، والذي جعل أهل السنة أمام الملك أذلاء حقيرين، وتمكن من إفهام الملك "أكبر" أن الفرق كلها باطلة باستثناء الشيعة.

 ومع قلة تحصيله العلمي وما نتج عنها من انبهار بالأفكار الجديدة، أدى علماء السوء بالملك أكبر، (إضافة إلى مؤثرات أخرى) إلى أن ينسلخ من عقيدة الإسلام، ويسقط فرائضه، ويتبنى مذهبا جديدا حوى مختلف أنواع البدع والمنكرات مثل عقيدة وحدة الوجود، ووحدة الأديان، وعبادة الشمس والنار، وتقديس الخنازير والأبقار، واستحسان التقاليد الهندوسية، وإباحة الردة والخمر والقمار، وإباحة نكاح المتعة، المعمول به عند الشيعة، ومنع استعمال اللغة العربية.

 للاستزادة:

الدكتور محمد كبير شودري: فرق الهند المنتسبة للإسلام في القرن العاشر الهجري، ص 445- 518.

 

 

 

 


[1]- يعود تأثر الملك همايون بالشيعة إلى أنه عندما تعرض للهزيمة على يد الأفغان، هاجر من الهند إلى إيران بناء على نصيحة بيرم خان، وهناك وجد الترحيب من الشاه طهماسب، حاكم الدولة الصفوية الشيعية آنذاك، وتمكن همايون، بمساعدة الصفويين، من هزيمة الأفغان والعودة إلى بلاده، ولم يقدّم طهماسب المساعدة إليه إلا بعد أن أخذ عليه العهود بمؤازرة التشيع وتسهيل نشره في الهند. واختلف الباحثون إن كان همايون نفسه قد تشيع أم لا.

[2]- أعلى منصب ديني في الدولة المغولية في الهند، ويشابه منصب "شيخ الإسلام" في الدولة العثمانية.

[3]- كانت حُجته في ذلك أن الذي يرغب بالسفر إلى الحج عن طريق البحر، لا بد له من الحصول على جواز سفر من البرتغال، وهي دولة نصرانية تضع الصلبان على جوازاتها وصور المسيح وأمه مريم عليهما السلام، أما الراغب بالسفر عن طريق البر، فيلزمه المرور بأراضي الدولة الصفوية، وهي دولة شيعية، يسمع فيها المسلمون ما يسوؤهم، وفي الحالتين يسقط الحج عن أهل الهند!!

[4]- اقرأ المزيد عنها على الرابط: http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=121

 

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: