فرق ومذاهب\العدد الثالث والسبعون رجب 1430ه
"الشيعة المغاربة": السؤال المؤرق
السبت 27 يونيو 2009
"الشيعة المغاربة": السؤال المؤرق

  هذا جزء من بحث لسليم حمينات بعنوان" كرنولوجية المشهد الإسلامي بالمغرب" نشر في كتاب "حالة المغرب 2008 – 2009"، وهو من منشورات "وجهة نظر"- الرباط 2009، وقد وضعنا بعض العبارات التوضيحية للقارئ في الدول المشرقية، مع تصويب لبعض ما ورد فيه من أخطاء مطبعية أو لغوية مع اختصار وتصرف يسير، ويلزم التنبيه أن هذا البحث كتب في نهاية سنة 2008م قبل تصاعد الخلافات بين المغرب وإيران وقطع العلاقات (الراصد).

   
     التشيع بالمغرب من الملفات الشائكة، فالحديث عن التشيع مسألة حديثة جدا بالمغرب لم تطرح إلا في بداية الثمانينات مع نجاح الثورة الإيرانية، يستلزم التناول العلمي لهذا الموضوع الكثير من الحيطة والحذر لكونه من المواضيع التي مازالت الدراسات المعرفية والأبحاث الأكاديمية حوله ضعيفة جدا إن لم تكن منعدمة بالمرة، وذلك مقابل بعض تنامي الاهتمام الإعلامي به. إلا أن ما يؤخذ على الكتابات الصحفية التي عالجته إلى حد الساعة هو سقوط بعضها في مطبّات الإثارة و معطيات غير دقيقة(])، كما أن البعض الآخر نحّى أسلوب التضخيم والمبالغة وتكرار كليشهات بعينها نكاد نجدها في أغلب الملفات الصحفية مما تفسر ذلك السيل من ردود الفعل والتعقيبات الكثيرة التي تلي نشر أي ملف صحفي حول هذا الموضوع(]).
فضبط الحالة الشيعية من الناحية العلمية هو في الحقيقة طموح صعب جدا، وذلك بالنظر لاعتبارات ذاتية وموضوعية عديدة، تخص الحالة نفسها. لكن الاهتمام بمثل هذه المستجدات الميدانية، قد يشكل مدخلا جيدا لتوسيع قاعدة المعطيات الموثقة حول الحالة التي على أساسها يمكن بناء تراكم من الأفكار والوقائع، التي قد تساعد مع مرور الوقت في بناء معرفة موضوعية هادئة حول هذه الحالة الغامضة.
التشيع بالمغرب المعاصر: معطيات أولية
ينبغي أن يستحضر منذ البداية أننا على العموم أمام نمط تدين فردي يمارس بشكل خفي وغير منظم. وبالرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة حول أشكال وطبيعة هذا التدين وبؤر انتشاره، فمن المؤكد أن حضوره مازال ضعيفاً جدا ولا يرقى إلى الطائفية كما هو الأمر عند بعض الدول المشرقية والخليجية.
ارتبط الحديث عن التشيع أساسا بنجاح الثورة الإيرانية التي كان لها صدى قوي على جل الحركات الإسلامية التي ناصرت الخميني وسعت إلى استلهام نموذجه الثوري في إستراتيجيتها الاحتجاجية ضد الحكم. وإذا كان الاعتقاد السائد بأن الأمر كان "تشيعا سياسيا" وانبهارا عاطفيا بالثورة الإيرانية أكثر مما كان "تشيعا عقديا" لها، فمن الثابت أيضا أن أوساط معينة داخل الصف الإسلامي ستتشيع بالفعل سياسيا ومذهبيا، وسيظل هذا الانطباع شائعا عنها إلى حدود السنوات الأخيرة رغم كل المحاولات التي بذلتها لتخليص نفسها من هذه الشبهة.
كما سيعاد طرح نفس الإشكال مع الإنجازات التي ستحققها المقاومة اللبنانية من خلال "حزب الله" في مواجهته العسكرية مع إسرائيل، حيث سيكثر الحديث مرة أخرى عن إشكالية التشيع بجانبه السياسي أو العقدي.
وبالإضافة إلى عامل الثورة الإيرانية وإنجازات المقاومة اللبنانية سيشكل المغاربة المقيمون ببعض البلدان الأوربية قناة فعالة لنشر هذا المذهب في الوطن الأم. ففي بلجيكا مثلا التي يمثل فيها المغاربة أكبر جالية أجنبية بحوالي 264,974 فرد بحسب آخر إحصائيات قامت بها وزارة الاقتصاد البلجيكية، توجد نسبة كبيرة من المتشيعين من أصول مغربية يقدر عددهم بعشرات الآلاف، ينشط جلهم في عدد من المراكز الشيعية لاسيما تلك التي يشرف على تسييرها أفراد من جنسية مغربية ومن أهمها: مسجد الرحمان، مؤسسة ثاني الثقلين، حسينية الرضا وحسينية الهادي. والجدير بالانتباه أنه في داخل الجالية المغربية هناك جيل صاعد تربى ونشأ على المذهب الشيعي، سيترسخ لديه كجزء لا يتجزأ من هويته وشخصيته الأصلية حتى بعد عودته إلى أرض الوطن.
وعلى العموم، تشكل مدن الجهة الشرقية والشمالية وبعض مدن الوسط بالملكة أهم الأماكن التي يتركز فيها الحضور الشيعي. ففي بعض أحياء طنجة مثلا، يشاع بأن مجموعة من الأسر قد تشيّعت بالكامل، حيث تحافظ بانتظام على ممارسة طقوسها التعبدية مثل حرصها على إحياء ليلة "العزاء الحسيني" كل سنة بمناسبة ذكرى عاشوراء(3]).
وبالرغم من كون هذه المجالس قد تستقطب مئات الأفراد، فيمكن القول أن هذا النمط من التدين مازال تعبيرا عن حالات فردية معزولة تعكس حالة عاطفية وانفعالية سيكولوجية (نفسية) أكثر من كونها ظاهرة سوسيولوجية (اجتماعية) لها عمق في الحركية المجتمعية، كما أنه تدين لا يستند إلى قيم وأنماط وروابط اجتماعية موحدة ومتوافق عليها، بل يتجاذبه عدة تناقضات ومنظومات ومرجعيات(]).
الحالة الشيعية وإن كانت ما تزال مشتتة ويكتنفها الغموض ويصعب تحديد ملامحها بدقة، إلا أن جزءا منها يخضع تقريبا لنفس المدارس أو الخطوط المرجعية الكبرى التي تمثل الظاهرة الشيعية بشكل عام. فبالإضافة إلى خط ولاية الفقيه الذي يشكل الإيديولوجية الإيرانية الرسمية المهيمنة على شيعة العالم، يمكن الحديث عن ثلاث مرجعيات أخرى قد نجد لها إلى حد ما "مقلديها" وممثليها بالمغرب:
ـ مرجعية الشيرازي، وهي خط إيراني أيضا، تجسده إعلاميا قناة الأنوار الفضائية، ومن أهم الانتقادات التي توجه لهذا الخط من طرف المرجعيات الشيعية الأخرى، غلبة الطابع الخرافي والطائفي عليه.
ـ مرجعية السيستاني، ويتركز وجودها في النجف بالعراق، وهي المرجعية الشيعية الأكثر تقليدا في العالم حيث يتركز اهتمامها على الفقه والعبادات فقط.
ـ مرجعية محمد حسين فضل الله، وهي مرجعية لبنانية معروفة باهتمامها وتنظيراتها الفكرية التي لا تستقطب سوى بعض الفئات النخبوية.
وفضلا عن هذا التعدد في المرجعيات، تعاني الحالة الشيعية بالمغرب من انقسام داخلي على مستوى من يحق له تمثيلها والتحدث باسمها، وإن كان التركيز يسلط في الغالب على "إدريس هاني" كأحد أبرز الوجوه الشيعية التي لا يتردد البعض في نعته بـ "أمير الشيعة" أو "المنظر" أو "المرشد الروحي" لهم بالمغرب، فذلك لا ينبغي أن يخفي من جهة أخرى حالات التنازع والتنافس حول مواقع الزعامة التي قد تصل أحيانا إلى استعمال أساليب التخوين والتشكيك في المصداقية.. الخ.
الحالة الشيعية بالمغرب وإن كانت غير منظمة فإن ذلك لم يمنع من الاجتهاد للبحث عن مواقع أو إطارات جمعوية لتنظيم صفوفها وتأطير أتباعها. ويمكن الاستشهاد هنا بأسماء عدد من الجمعيات التي توجه اهتمامها للنشاط الثقافي والاجتماعي على المستوى الجهوي والمحلي مثل "الغدير" بمكناس، "التواصل" بالمحمدية، "الانبعاث" بأكادير...الخ.
والجدير بالذكر أن السلطات إلى حدود الساعة تتعامل مع الأمر بشكل عادي، فدورها يقتصر فيما يبدو على المتابعة والمراقبة عن بعد ولم تجر أي متابعات أو مضايقات تذكر في هذا الخصوص(]). فالمعرض الدولي للكتاب الذي تنظمه وزارة الثقافة منذ إنشائه سنة 1994 إلى حد الآن يشهد حضورا قويا لدور نشر لبنانية وإيرانية تقوم بعرض وترويج كتبها ذات التوجه الشيعي الواضح، كما تسمح السلطات بدخول وتوزيع عدد من الدوريات والمجلات المشرقية الشيعية المعروفة مثل: المنهاج، البصائر، فقه آل البيت، المستقبلية، قضايا إسلامية معاصرة، النبأ، الوعي المعاصر.. الخ.
من جهة أخرى، فبالرغم من كل الضجيج الذي يثار حول هذا الملف والتلميح الضمني أو الصريح لجهات خارجية معينة تتواطأ مع أطراف في الداخل للتمكين لهذا المذهب، فالملاحظ أن العلاقات المغربية الإيرانية تشهد تحسنا ملحوظا منذ مطلع التسعينات، حيث أصبح البلدان ينسجان علاقات تعاون مهمة في جميع المجالات. فعلى المستوى الاقتصادي، وقع الوزير الأول (رئيس ا

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: