سطور من الذاكرة\العدد الرابع والسبعون شعبان 1430هـ
سعيد بن الحداد يناظر العبيديين الفاطميين
السبت 18 يوليو 2009

 هيثم الكسواني

المناظرات هي إحدى الوسائل التي اتبعها أهل السنة، وعلماؤهم على وجه الخصوص، للدفاع عن العقيدة الإسلامية، والرد على الفرق المنحرفة، وبيان باطلها، وهي من الوسائل الدعوية التي تركت أثرا إيجابيا في الماضي، وفي الوقت الحاضر على حدٍّ سواء.

أحد العلماء البارزين في هذا المجال هو أبو عثمان سعيد بن الحداد، الذي عاش في المغرب العربي، في القرن الثالث الهجري، وتوفي في سنة  302 هـ، عن ثلاث وثمانين سنة، وقد عاصر الحداد رحمه الله تأسيس الدولة العبيدية الفاطمية، صاحبة المذهب الشيعي الإسماعيلي، وقبل ذلك الدعوة الإسماعيلية في المغرب، وما كان يلقيه دعاتها وحكامها من شبهات وأباطيل، لنشر مذهبهم، الأمر الذي جعل الحداد يتصدى لهم ولأباطيلهم، ويعمل ـ هو وغيره من العلماء ـ على تثبيت أهل السنة على مذهبهم، الذي سعى العبيديون الفاطميون إلى طمسه ومحاربته بكل ما أوتوا من قوة.

أما الحداد فيقول عنه الإمام الذهبي: "ابن الحداد الإمام شيخ المالكية... أحد المجتهدين وكان بحرا في الفروع ورأسا في لسان العرب بصيرا بالسنن.. وكان من رؤوس السنة، قال ابن حارث: له مقامات كريمة ومواقف محمودة في الدفع عن الإسلام والذب عن السنة، ناظر فيها أبا العباس المعجوقي أخا أبي عبدالله الشيعي)[2]).

 

وقد تناظر ابن الحداد وعبيدالله المهدي ذات مرة حول حديث غدير خم)[4]) فما لم يكن لنبي الله لم يكن لغيره.

 

وسأل أبو عبدالله الشيعي ابن الحداد مرة: أنتم تفضلون على الخمسة أصحاب الكساء غيَرهم؟ يعني بأصحاب الكساء: محمداً صلى الله عليه وسلم وعلياً وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، ويعني بغيرهم: أبا بكر رضي الله عنه - فقال أبو عثمان: أيهما أفضل؟ خمسة سادسهم جبريل عليه السلام؟ أو اثنان الله ثالثهما؟ فبهت الشيعي.

 

وقال موسى بن عبد الرحمن القطان: لو سمعتم سعيد بن الحداد في تلك المحافل يعني مناظرته للشيعي وقد اجتمع له جهارة الصوت وفخامة المنطق وفصاحة اللسان وصواب المعاني لتمنيتم أن لا يسكت. 

وادّعى أبو عبدالله الشيعي مرة أن القرآن يقول أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس خاتم النبيين! مستندا على الآية (ولكن رسول الله وخاتم النبيين)([6]) فهل أحد يوصف بهذه الصفات غير الله عزوجل؟!

 وخرج الحداد مرة للقاء أبي عبد الله الشيعي في قصر إبراهيم بن أحمد، وكان حوله جماعة من أصحابه، فالتفت الشيعي إلى إبراهيم بن يونس، وكان فيما سبق قاضيا، وقال له: يا شيخ بم كنت تقضي؟ فقال إبراهيم بن يونس: بالكتاب والسنة.

قال الشيعي: فما السنة؟ قال إبراهيم : السنة السنة.

قال ابن الحداد وقد وجّه كلامه للشيعي: أصل السنة في كلام العرب المثال، قال الشاعر:

تريك سنة وجه غير مقرفة                ملساء ليس بها خال ولا ندب

أي صورة وجه ومثاله. والسنة محصورة في ثلاث: الائتمار بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، والانتهاء عما نهى عنه، والائتساء بما فعل.

فقال الشيعي: فإن اختلف عليك النقل وجاءت السنة من طرق

قال: أنظر إلى أصح الخبرين كشهود عدول اختلفوا في شهادة.

 قال: فلو استووا في الثبات؟

 قال الحداد: يكون أحدهما ناسخا للآخر.

قال: فمن أين قلتم بالقياس؟

 قال: من كتاب الله عزوجل. قال: فأين تجد ذلك؟

قال: قال الله عزوجل في كتابه العزيز (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم)([8]) ومثل ذلك في تثبيت القياس قوله عزوجل (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)([1] - أبو عبدالله بالشيعي، من أهل صنعاء، وأحد دعاة الإسماعيلية الكبار، والمؤسس الفعلي للدولة العبيدية الفاطمية، فهو الذي نشر الدعوة الإسماعيلية ومهّد لقيام الدولة بالمغرب في سنة 298 هـ (911م) ، ودعا عبيدالله المهدي، أول حكامها، لاستلام الحكم على اعتبار أنه الإمام الإسماعيلي الواجب الاتباع، ثم ما كان من عبيدالله ـ بعد أن استلم الحكم ـ إلا أن قتل أبا عبدالله الشيعي وأخاه أبا العباس. 

[3] - حديث "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، رواه الإمام أحمد في المسند، لكن الشيعة حرفوا معنى الحديث وجعلوه دليلا على أن عليا هو الأحق بالخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

[5] -  سورة الأحزاب 40.

[7] - سورة المائدة 95.

[9] - سورة النساء 83

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: