سطور من الذاكرة\العدد الخامس والسبعون - رمضان 1430هـ
سفارات وهدايا بين الفاطميين والصليبيين
الأحد 23 أغسطس 2009
 

 

 

 

 
خاص بالراصد - هيثم الكسواني

تعتبر فترة الحروب الصليبية من أصعب الفترات التي مرت على العالم الإسلامي، فمنذ أواخر القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) بدأت تتقاطر على العالم الإسلامي، وخاصة بلاد الشام وما جاورها، الحملات تلو الحملات التي قتلت المسلمين، وخرّبت ديارهم، ونهبت خيراتهم، ونشرت في بلادهم الذعر والقلق.

كانت القوى الإسلامية في ذلك الوقت موزّعه بين الخلافة العباسية الضعيفة، المعتمِدة على قوة الدولة السلجوقية المناصرة للعباسيين، لكن السلاجقة، وهم من الأتراك السنة، بدأ الخلاف يدب في دولتهم في أعقاب مقتل وزيرهم الفذ، نظام الملك، ثم سلطانهم القوي، ملكشاه، في سنة 485هـ (1092م).
أما القوة الأخرى فكانت ممثلة بالدولة العبيدية الفاطمية، صاحبة المذهب الشيعي الإسماعيلي، التي كانت تسيطر حينها على مصر، وأجزاء من شمال أفريقيا وبلاد الشام وغيرها.
وفي الوقت الذي تصدى فيه السلاجقة للحملات الصليبية([1]) منذ بداياتها رغم الخلافات التي أصابت دولتهم ومظاهر الضعف، جاء موقف الدولة الفاطمية مغايراً لذلك، غابت فيه نجدتهم للمسلمين، أو الدفاع عن الإمارات الإسلامية رغم القوة التي كانت تمتلكها، والاستقرار الذي كانت تنعم به، مقارنة بغيرها.
ويكاد المؤرخون يجمعون، على أن العبيديين الفاطميين، ووزيرهم القوي آنذاك، الأفضل بن بدر الجمالي، وجدوا في الحروب الصليبية على بلاد المسلمين فرصة سانحة للقضاء على دولة السلاجقة السنة، وتوسيع نفوذ العبيديين على حسابها، ولم يكن في بال العبيديين محاربة الصليبيين أو نجدة المسلمين.
يقول الأستاذ جمال بدوي: "جاءت الحملة الصليبية الأولى في ختام القرن الحادي عشر (الميلادي)، فدقّت آخر مسمار في نعش الدولة الفاطمية، وتسببت في ضياع هيبتها، وأسقطت القناع عن وجهها الحقيقي، فظهرت نواياها المعادية للإسلام والمسلمين في العالم السني، وفقد الفاطميون اعتبارهم الأدبي والمعنوي، ليس فقط لأنهم عجزوا عن التصدي للصليبيين، ولكن لأنهم تواطئوا معهم، وشجّعوهم على التوغل في بلاد الشام للقضاء على عدوهم المشترك، وهم الأتراك السلاجقة، وعقد الفاطميون اتفاقاً مع الصليبيين لاقتسام الشام بينهما، ولكن الفرنجة خدعوهم وشقوا طريقهم نحو الأماكن المقدسة في فلسطين وهي الهدف الرئيسي للحملة"([2]).
وفي سنة 491هـ (1098م) استطاع الصليبيون تأسيس أول إمارة لهم في الشرق الأدنى الإسلامي، وهي إمارة الرّها (بين الموصل والشام)، وفي العام نفسه، أسسوا ثاني إماراتهم، وهي إمارة أنطاكية (شمال بلاد الشام، تتبع حاليا لتركيا)، وبدأ الصليبيون يلتهمون المدن الإسلامية تلو الأخرى، والسلاجقة، والإمارات والأتابكيات التابعة لهم، يحاولون صدّ الاعتداءات والحملات الصليبية، و"في هذا الوقت العصيب لم تقف الخلافة الفاطمية صامتة متفرجة على الزحف الصليبي فحسب، بل كان موقفها مريباً غامضاً مثيراً للشكوك والدهشة، مما حدا بالمؤرخين المسلمين المعاصرين إلى اتهام أمير الجيوش الأفضل بالتقصير والتفريط، فيعجب ابن تغري بردي من هذا الموقف المريب، وهو أكثر المؤرخين تسامحاً ووصف موقف الأفضل فقال: ولم ينهض الأفضل إلى إخراج عساكر مصر، وما أدري ما كان السبب في عدم إخراجه مع قدرته على المال والرجال"([3]).
ليت الفاطميين ووزيرهم الأفضل، اقتصر موقفهم على الصمت وعدم المساندة، بل إنه اتسم بالتآمر الصريح، إذ أن الوزير الأفضل عندما رأى اشتباك الصليبيين مع السلاجقة، فكر في عقد تحالف مع الصليبيين و "بعث بسفارة دبلوماسية محملة بالهدايا والنفائس إلى قادة الحملة الصليبيية تعبيراً عن مشاعر الود"([4]).
أما بنود التحالف الذي عرضه الأفضل على الصليبيين، فتضمنت ما يلي:
1ـ ينفرد الصليبيون بحكم أنطاكية وشمال بلاد الشام.
2ـ تحتفظ مصر (الدولة الفاطمية) ببيت المقدس وجنوب بلاد الشام.
3ـ يسمح للصليبيين بزيارة الأماكن المقدسة في فلسطين، وتكون لهم الحرية الكاملة في أداء شعائرهم الدينية، على ألاّ تزيد مدة إقامتهم فيها عن شهر واحد، وألا يدخلوها بسيوفهم.
4ـ يتعاون الطرفان في القضاء على السلاجقة([5])
يظهر من البنود السابقة "أن الأفضل قرَر أن يعمل ضد السلاجقة، لا ضد الصليبيين"([6]). أما الصليبيون فقد تلقوا سفارة الفاطميين بالمودة والترحيب([7]) "ومكث الوفد الفاطمي في المعسكر الصليبي عدة أسابيع عادوا بعدها إلى بلادهم تتقدمهم سفارة صليبية تحمل الهدايا الوفيرة للتباحث مع الأفضل في الأمور التي اتفقوا عليها. والجدير بالذكر أن السفارة الفاطمية قبل إبحارها إلى مصر، أرسل إليها الصليبيون حمولة أربعة جياد من رؤوس القتلى السلاجقة السنيّين هدية لخليفة مصر (الفاطمي)، فأبدى أفراد السفارة سرورهم البالغ لذلك المشهد"([8]).
"أما عن العرض الفاطمي باقتسام الشام، فإن الصليبيين لم يرفضوه، ولم يقبلوه، وتركوا البتّ فيه لمجرى الأحداث التي سوف تقع، مما يعطيك فكرة عن مهارة الصليبيين في المناورة والتمويه والخداع، فهم لم يلتزموا بشيء يعوقهم عن الوصول إلى هدفهم الأخير، الذي من أجله غادروا ديارهم في غرب أوربا، وتحملوا المشاق والضنك والجوع طوال رحلتهم المضنية، وهو الوصول إلى الأماكن المقدسة في فلسطين"([9]).
ويبين الأستاذ يوسف إبراهيم بأن هذا لم يكن الاتصال الأول بين الفاطميين العبيديين، والصليبيين، إذ أن عدداً من الأمراء النُبلاء الأوروبيين الراغبين بزيارة القدس كانوا يتوجهون من أوروبا إلى الإسكندرية، ومنها يصحبهم الفاطميون إلى ميناء يافا ثم إلى القدس، وكان الهدف من ذلك حماية هؤلاء الأمراء من خطر السلاجقة إبان رحلة الذهاب والعودة من الإسكندرية إلى بيت المقدس([10]).
استغل الوزير الأفضل الجمالي انشغال السلاجقة بمقاتلة الفرنج الصليبيين، وأضاف إلى خياناته خيانة جديدة تمثلت بقيامه بأخذ صُور وبيت المقدس من أيدي السلاجقة بعد حصارهما أسابيع عديدة، الأمر الذي يدل على مقدار القوة التي كانت تمتلكها الدولة العبيدية الفاطمية، التي اختارت أن تستعمل هذه القوة ضد السلاجقة السنة، لا ضد الصليبيين المعتدين.                                             يقول د. طقوش: "والواقع أنه تحقق ظن الوزير الفاطمي، فالسلاجقة كانوا منهمكين بالغزو الصليبي لصدّ الهجوم الفاطمي، كما أن تهديده لفلسطين وبيت المقدس، خدم القضية الصليبية، لأنه سبّب ارتباكاً للسلاجقة في أشد الأوقات حرجاً"([11]).
وقد ذكر بعض المؤرخين أن بيت المقدس لو بقي في يد السلاجقة لكان أصلح للمسلمين من أن يتم احتلاله من قبل الفاطميين، إذ سرعان ما قام الصليبيون باحتلال القدس، ليضيفوها إلى ممالكهم، وبعد أن ارتكبوا فيها مذبحة مروّعه سقط فيها سبعون ألفاً من المسلمين، ولم ينج من المذبحة المروّعة سوى حاكم المدينة الفاطمي، افتخار الدولة، الذي احتمى مع طائفة من جنده بمحراب داود لمدة ثلاثة أيام، وأطلق الصليبيون سراحهم، وسمحوا لهم بالخروج إلى عسقلان([12]).
يقول الباحثون والمؤرخون إن الأفضل أصيب "بخيبة أمل" بعد احتلال الصليبيين للقدس، إذ كان يظن أن الصليبيين سيوافقون على صداقة الفاطميين، باعتبارهم أعداء السلاجقة السنة، وسيقتنعون بالاتفاق الذي عرضه الأفضل عليهم سابقاً بأن يأخذ الصليبيون ممتلكات السلاجقة في شمال بلاد الشام، ويتركوا للفاطميين القدس وجنوب بلاد الشام.
وعندما كان الصليبيون يتجهون نحو القدس، اختار الأفضل الجمالي طريق الود والمحبة معهم "وأرسل عندئذ سفارة فاطمية قابلت قادتهم قرب طرابلس.. تحمل الهدايا النفيسة والأموال الضخمة، وعرضاً بالسماح لحجاج الصليبيين بالحج وزيارة كنيسة القيامة في بيت المقدس على شكل مجموعات من مائتي أو ثلاثمائة حاج بشرط ألاّ يكونوا مسلحين"([13]). "رفض الصليبيون الاقتراح وردّوا على السفارة الفاطمية بأنهم سيتمكنون من الحج فعلاً كجيش واحد وليس كجماعة بإذن الله، وليس بإذن الخليفة الفاطمي"([14]).
وبعد احتلالهم للقدس، احتل الصليبيون عسقلان، آخر مدينة كانت بيد الفاطميين في بلاد الشام، ولم يأبه الصليبيون لاقتراحات الأفضل وسفاراته، ولم تنجح كل محاولاته فيما بعد لإعادة أملاك الدولة الفاطمية في بلاد الشام، فالخيانة ومعاونة الصليبيين ضد المسلمين، لن تثمر سوى الألم والشوك، واغتيل الأفضل في رمضان من سنة 515هـ، ومات يكلله العار، لكن الخيانات العبيدية لم تنتهِ بموت الوزير الأفضل، ذلك أن خيانة المسلمين ومعاونة الصليبيين نهج ثابت لدى العبيديين الفاطميين، الذين كانوا في داخل بلادهم يعلون من شأن اليهود والنصارى، ويفضلونهم على المسلمين من أهل السنة، وقد جاءت سياستهم الخارجية منسجمة مع الداخلية.
أما علاقات الفاطميين بالصليبيين بعد موت الأفضل الجمالي، فنفصلها في مقال قادم في هذه الزاوية إن شاء الله.
 
للاستزادة:
1ـ أثر الحركات الباطنية في عرقلة الجهاد ضد الصليبيين ـ يوسف إبراهيم الشيخ عيد.
2 ـ تاريخ الفاطميين في شمالي إفريقية ومصر وبلاد الشام ـ د. محمد سهيل طقوش.
3 ـ الفاطمية دولة التفاريح والتباريح ـ جمال بدوي.

 


[1]) ) ـ يعتبر المؤرخون أن الحركة الصليبية ولدت على يد البابا أوربان الثاني في أواخر عام 488هـ (1095م) إثر خطابه التحريضي وجولاته في بلدان أوروبا الغربية، ودعاته الذين بثهم، لتشجيع الأوروبيين النصارى لمهاجمة البلاد الإسلامية، وفلسطين على وجه الخصوص.
وقد درج المؤرخون على الاهتمام بثماني حملات صليبية، اتجهت أربع منها نحو فلسطين، وهي الأولى والثانية والثالثة والسادسة، واثنتان نحو مصر وهما الخامسة والسابعة، وواحدة إلى القسطنطينية (تركيا) وهي الرابعة، أما الثامنة فنزلت في شمال إفريقية.
وكان يتخلل هذه الحملات، تنظيم مجموعات من قبل العامة يفوق بعضها في الإعداد والأهمية، الحملات المعروفة (تاريخ الفاطميين للدكتور طقوش ص 422 وما بعدها).
[2]) ) ـ الفاطمية دولة التفاريح والتباريح ص 138.
[3]) ) ـ أثر الحركات الباطنية ص 140.
[4]) ) ـ الفاطمية لجمال بدوي ص 139.
[5]) ) ـ تاريخ الفاطميين للدكتور طقوش ص 427 ـ 428.
[6]) ) ـ المصدر السابق ص 429.
[7]) ) ـ الفاطمية لبدوي ص 139.
[8]) ) ـ أثر الحركات الباطنية ص 140 ـ 141.
[9]) ) ـ الفاطمية ص 139.
[10])) ـ أثر الحركات الباطنية ص 141 ـ 142.
[11])) ـ تاريخ الفاطميين ص 430.
[12])) ـ تحدثنا في عدد سابق من هذه الزاوية بتفصيل أكبر عن إضاعة الفاطميين للقدس في سنة 492هـ، ويمكن قراءة المقال على الرابط: http://alrased.net/site/topics/view/1349.
[13]) ) ـ تاريخ الفاطميين ص 431.
[14]) ) ـ المصدر السابق ص 431. 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: