فرق ومذاهب\العدد الثامن والسبعون - ذو الحجة 1430 هـ
سلسلة الأديان الشرقية 3 السيخية
الأثنين 16 نوفمبر 2009

تمهيد:

تنتشر في قارة آسيا أديان كثيرة، يطلق عليها أحيانا اسم الأديان الشرقية ومنها: الهندوسية والبوذية والسيخية والكونفوشيوسية وغيرها. وقد رأينا أن نتحدث عن أهم هذه الأديان وأكثرها انتشارا لعدة أسباب، منها:

1- أن كثيرا من أتباع هذه الأديان انتشروا في البلاد العربية والإسلامية، وخاصة في دول الخليج العربي، التي قدموا إليها للعمل والتجارة، فأثّروا في أبنائها، لا سيّما وأن جزءا منهم يعملون في المنازل، كخدم وسائقين ومزارعين، الأمر الذي جعلهم دائمي الاحتكاك بمن يخدمونهم ويعملون لديهم، وخاصة فئة الأطفال، حيث تهمل الكثير من الأسر المسلمة تربية أولادها، وتوكل ذلك إلى الخدم، وكثير منهم من غير المسلمين. كما شهدت السنوات الأخيرة قدوم عدد كبير من العمال الصينيين إلى الدول العربية والإسلامية، بالإضافة إلى تزايد توجه المسلمين نحو الصين ودول آسيا الأخرى كتايلند والهند وكوريا للتجارة والسياحة والدراسة.

2-   أن عددا من عقائد هذه الأديان تسربت إلى بعض الفرق المنتسبة للإسلام كالصوفية، كما بين ذلك الدكتور عبدالله نومسوك، في كتاب له عن البوذية وتأثر الصوفية بها. كما تسربت بعض هذه الأفكار إلى المسلمين عبر بعض مدربي التنمية البشرية، وعبر نشر رياضة اليوغا التي تزعم الوصول بالإنسان للرقي والسمو.

3-   أنه رُصدت بعض الحالات لمسلمين تركوا دينهم واتبعوا هذه الأديان بزعم أن فيها الطهارة والصفاء والتأمل.

4- أن بعض هذه الأديان أصبحت تنتشر في أوروبا وفي الولايات المتحدة، ودول أخرى، وتجد هناك التأييد، بل وأصبح اعتناق البوذية على سبيل المثال "موضة" بين مشاهير الفن وغيرهم في الغرب، ولعل من أسباب ذلك حالة الخواء التي يعيشها الغربيون، وكذلك الإعجاب الذي يبديه العالم للدلاي لاما، القائد الديني الأعلى للبوذيين التبتيين، والمعارض للاحتلال الصيني لبلاده، وأصبحت رموز البوذية وتماثيل بوذا تقدم للعالم على أنها "إرث إنساني" لا بد من المحافظة عليه ودعمه، ولعلنا لم ننسَ الضجة الكبيرة التي قامت في العالم كله في عام 2001، عندما أعلنت حركة طالبان عزمها على تدمير تمثالين عملاقين لبوذا في أفغانستان.

5-   امتلاك بعض المسلمين معلومات خاطئة حول هذه الأديان من قبيل اعتقاد البعض بأن بوذا نبي، أو أن بعضها أديان سماوية.

6- تحفيز المسلمين على الدعوة إلى الله في أوساط أتباع هذه الديانات، وبذل الجهود لإنقاذهم مما هم فيه من وثنية وخرافة وشرك وعبادة غير الله.

 

3- السـيخيـة

 

تعريف:

السيخ جماعة دينية من الهنود، ولد مؤسسها من أبوين هندوسيين، وتأسست هذه الجماعة في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، ويتميز أتباعها بارتداء العمامة، وعدم حلق شعر الرأس واللحية، ويعتبر إقليم البنجاب في شمال الهند، موطنهم التاريخي ومركزهم الحالي، وقد شهدت علاقاتهم بالمسلمين وبغيرهم فيما مضى فترات من التوتر والصدام.

أما كلمة سيخ "Sikh" فتعني: المريد أو التابع باللغة السنسكريتية([1]) وبغيرها من اللغات. والسيخية هي آخر دين كبير نشأ في الهند، بعكس الهندوسية والبوذية، اللتين قامتا قبل الميلاد بعدة قرون([2]).

 

المؤسس:

يعتبر ناناك (Nanak) المولود في سنة 1469م هو مؤسس الديانة السيخية، وكان ينتمي بالأساس إلى أسرة هندوسية من طبقة الأكشتريا([3]) لكنه نشأ في محيط إسلامي، إذ وُلد ناناك الملقب بغورو، أي المعلم، بالقرب من مدينة لاهور([4]). وكان من صغره محباً للخلوة والعزلة، وفي شبابه عمل محاسبا لزعيم أفغاني في سلطانبور، وزار بعض البلدان الإسلامية، وتأثر بالشاعر الصوفي كبير (Kabir)([5]) كما تأثر بغيره من المتصوفة أمثال: حسين درويش وإسماعيل البخاري وعلي هجويري وبابا فريد كنج.

ويروى عن المعلم ناناك أنه اختفى في عام 1500م على نحو غامض لمدة ثلاثة أيام، عندما كان يسبح في أحد الأنهار، وبعدها ظهر ليعلن أنه خلال غيابه انتقل إلى الحضرة الإلهية، وأن الله أعطاه كوبا من الرحيق الإلهي، أو الشراب المقدس (أمريت)([6]) وقال له: "هذا هو قدح عبادة اسم الله، اشربه. أنا معك، أباركك وأرفعك للعلو. كل من يذكرك ينال فضلي ويتمتع بنعمتي. اذهب وابتهج باسمي وعلِّم الآخرين أن يفعلوا ذلك، ولتكن هذه دعوتك".

وبدأ ناناك دعوته برفع شعار "لا هندوس ولا مسلمين" إذ كان يرغب بعمل توليفة من هذين الدينين، فانتهى الأمر به إلى إنشاء دين ثالث، مزج عقائد الهندوسية بالإسلام وبغيرهما من الديانات الموجودة في الهند، كالنصرانية.

انطلق ناناك يبشر بمذهبه الجديد، يساعده في ذلك صديق له مسلم، اسمه ماردانا، وكانا يستعملان الغناء والعزف وترتيل الأناشيد، أملاً في كسب الناس لدينهم الجديد، وقد مات ماردانا في حياة ناناك، فاختار هذا الأخير، أحد تلاميذه، واسمه آنغاد (Angad)، لخلافته، ثم ما لبث ناناك أن مات في سنة 1539م، بعد أن وضع لبنة أحد الأديان في الهند.

 

خلفاء ناناك

اعتبر المؤسس ناناك المعلم الأول للسيخية، ثم خلفه تسعة معلمين، حمل كل واحد منهم لقب غورو (Guru)، فحمل آنغاد لقب الغورو الثاني، أما الثالث Amar Das (1479- 1574م) فقد حدد لأتباعه بعض الطقوس الخاصة بالزواج والموت، واعتمد الاغتسال في طقوسهم في الأعياد، وركز على زيارة الأنهار على طريقة الهندوس، وانتقل بالدعوة إلى الريف، بعد أن كانت محصورة في عهد من قبله بسكان المدن.

وفي عهد الغورو الثالث هذا، منح الامبراطور "أكبر" السيخ قطعة أرض، في أمريتسار، ليبنوا عليها معبدا لهم.

وتتابع المعلمون السيخ بعد ذلك، إلى سنة 1676م، وهو العام الذي تولى فيه غوبند سينغ قيادة الجماعة، وهو ابن عشر سنين، ثم يكون آخر "غورو" لها، إذ اعتبر غوبند سينغ نفسه آخر معلم، وأن عهده هو نهاية "المعلمية" Guruship، وطلب من السيخ اتباع كتابهم المقدس (Guru Granth Saheb)([7]) واعتباره الغورو من بعده. وأوجد ذلك القرار الخلافات بين السيخ، بين من التزم بوصية الغورو، وبين من أباح استمرار "المعلمية".

وفي عهد الغورو الأخير هذا، أصبح للسيخ تنظيم عسكري، إذ كان سنغ يسعى للانفصال عن المسلمين، وتكوين دولة خاصة بالسيخ، وأخذ يعد أتباعه عسكريا ويتحين الفرصة للحرب، وراح يكتب الشعر على هيئة تراتيل قتالية، وجُمعت تلك التراتيل في كتاب سُمي: غرانث غورو العاشر، وأُلحق بالغرانث الأول. ويقال أن سنغ وضعه ليلعب السيخ على القتال، بعدما أدرك أن قراءة الغرانث الأصلي تجعل منهم أناسا مسالمين.

 

الخالصة:

ابتكر غوبند سنغ نظام الخالصة [8])(Khalsa)) الذي يهدف إلى ان يتوحد السيخ في الدفاع عن دينهم وعن أنفسهم، وهو مفتوح للرجال والنساء على حد سواء، ويُطلب ممن ينضم إليه الامتناع عن المسكرات والتدخين وأكل لحم الخنزير، والالتزام بالكافات الخمسة (سيأتي بيانها).

وبالتزامن مع تأسيس الخالصة، أعطى الغورو العاشر، اسم "سنغ" singh الذي يعني حرفيا: الأسد، ومجازيا: الشخص راسخ الإيمان، لجميع رجال السيخ، في حين أعطى النساء اسم: "كور" kaur، أي اللبؤة أو الأميرة.

 

الكافات الخمسة:

في عقيدة السيخ خمس شعائر لا بد أن يحافظ عليها الواحد منهم، وهي خمسة أشياء يبدأ اسم كل واحد منها، باللغة البنجابية، بحرف الكاف:

1-   الكيسا: وتعني إطالة شعر الرأس واللحية، وعدم حلقهما.

2-   كانغ: وهو المشط الذي يستعمله السيخي لتمشيط شعر الرأس واللحية.

3-   كارا: سوار معدني يضعه الواحد منهم في معصم يده اليمنى، وهو أشبه بتعويذة يظنون أنها تبعد الشر، وتذكرهم بالله.

4-   الكاشا: سروال قصير لا يتجاوز الركبة، يرمز إلى أن الإنسان يكون مستعدا لأجل العمل.

5- كربال: أو كيربان، وهو خنجر من الفولاذ، يتمنطق به كل رجل من السيخ، كوسيلة للدفاع عن النفس، ومحارب أعدائه، ومنحه قوة واعتدادا.

 

من عقائد السيخ:

سبق القول أن السخية كانت مزيجا من الأديان السائدة في الهند، وفي الوقت الذي رفض السيخ الوثنية الموجودة في الهندوسية، أخذوا منها بعض العقائد كالتناسخ، وفيما يلي بيان بأهم هذه العقائد:

1- الاعتقاد بخالق واحد، ومنع تمثيله بصنم أو صورة كما يفعل الهندوس. لكن هذا الإله يتساوى فيه لفظ الجلالة عند المسلمين، وفشنو الإله الحافظ عند الهندوس، إذ كان يرى ناناك أنه لا فرق بينهما.

2- هذا الإله، يعتقد السيخ أنه موجود في كل مكان من خلال حلوله في جميع الكائنات، بحيث يراه المبصرون روحيا، والرؤيا لديهم تكون بالقلب عند التمكن من تحقيق درجة معينة من السمو الروحي بعد استغراق طويل في التعبد والتأمل.

3- الاعتقاد بتناسخ الأرواح على نحو ما يؤمن به الهندوس، والتناسخ يعني انتقال روح الميت إلى شخص أو كائن آخر ، وبالتالي فلا مكان في هذه الحالة للاعتقاد بالبعث والنشور والحساب واليوم الآخر.

4-   تحريم الرهبنة.

 

الواقع السكاني:

يشكل السيخ 2% من سكان الهند، أي أن عددهم حوالي 20 مليون شخص، ويتركزون في إقليم البنجاب، المقسم بين الهند وباكستان، حيث يعيش فيه 85% من إجمالي السيخ. والباقي يتوزعون في بقية المدن الهندية ومختلف دول العالم. وتركّزهم في البنجاب هو الذي يجعلهم يفكرون من حين لآخر بالانفصال عن الهند، وجعْل البنجاب دولة مستقلة.

 

علاقتهم مع المسلمين

توترت علاقة السيخ بالمسلمين في فترات كثيرة، واستطاع السيخ أن ينتصروا في بعض الحروب، حيث قاموا في عام 1710م بمهاجمة مدينة سرهند، وقتل الآلاف من أهلها المسلمين، وتقويض الحكم الإسلامي في الهند. كما تكررت اعتداءاتهم على المسلمين.

اتسم حكم السيخ بالتعسف والظلم والجور والغلظة على المسلمين بمنعهم من أداء الفرائض الدينية، والأذان، وبناء المساجد في القرى التي يكونون فيها أكثرية، وذلك فضلاً عن المصادمات المسلحة بينهما، والتي يقتل فيها كثير من المسلمين الأبرياء، ومن الذين قُتل على أيديهم العالِم القائد شاه محمد إسماعيل الدهلوي، وهو المعروف بـ "إسماعيل الشهيد"، وذلك في معركة "بالاكوت" سنة 1246هـ (1831 م )، رحمه الله.

ووقف السيخ ضد إنشاء دولة للمسلمين في القارة الهندية (باكستان) في عام 1947 في أعقاب تقسيم الهند بين المسلمين والهندوس، وحدثت صدامات بينهم وبين المسلمين، فضلوا على إثر ذلك، الانتقال إلى الجزء الهندي من البنجاب، وانتقل بالفعل حوالي مليونان ونصف من السيخ.

كما اصطدم السيخ بالبريطانيين الذين احتلوا الهند ثم اختاروا مهادنتهم والتحالف معهم، وصار السيخ يشكلون نسبة مهمة من الجيش البريطاني، الأمر الذي يفسر انتشار السيخ في البلدان التي احتلتها بريطانيا.

واصطدم السيخ بالهندوس أيضا، واشتدت مطالباتهم بالانفصال عن الهند، الأمر الذي جعل رئيسة وزراء الهند السابقة، إنديرا غاندي، تشن حربا عليهم، في يونيو/ حزيران 1948، ونتج عن ذلك تدمير معبدهم، الذي تحصنوا به، وقتل عدد من السيخ، ومنهم زعيمهم، فما كان من السيخ إلا أن انتقموا من غاندي في نفس العام، فلقيت حتفها على يد اثنين من حراسها السيخ، الأمر الذي أدى إلى أن ينتقم الهندوس من السيخ وارتكبوا بحقهم عدة مجازر.

 

للاستزادة:

1-   السيخ في الهند: صراع الجغرافية والعقيدة ـ همام الآلوسي.

2-   دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند ـ د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي.

3-   موسوعة عالم الأديان، الجزء الرابع ـ إشراف: ط. مفرج.

4-   الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، المجلد الثاني ـ إصدار: الندوة العالمية للشباب الإسلامي.

5-   موسوعة الأديان (الميسرة) ـ إصدار: دار النفائس.

أديان العالم ـ د. هوستن سميث، تعريب سعد رستم.



[1] - السنسكريتية لغة قديمة في الهند، وهي لغة طقوسية للهندوسية والبوذية وغيرهما.

[2] - تم التعريف بهاتين الديانتين في العددين الماضيين من هذه الزاوية.

[3] - إحدى الطبقات ذات الشأن في المجتمع الهندوسي، وتتولى القيادة السياسية والعسكرية.

[4] - تقع في شمال شرق الهند، في إقليم البنجاب، وكانت فيما سبق عاصمة للدولة الغزنوية، وملوك المغول، وهي اليوم ضمن حدود دولة الباكستان.

[5] - 1440 – 1518م، وكان هذا الشاعر يحاول التوفيق بين الإسلام والهندوسية، بحسب ما تنادي به الصوفية من وحدة الأديان ووحدة الوجود. وقد فعل ناناك الشيء ذاته عندما اخترع دينا جديدا حاول من خلاله التوفيق بين الهندوسية والإسلام، اللذين هما أكبر الأديان في الهند.

 

[6] - اشتق من هذا الشراب اسم (أمريتسار)، مدينة السيخ المقدسة، والواقعة في الجانب الهندي من إقليم البنجاب، وفيها معبد السيخ الرئيس، المسمى بالمعبد الذهبي. وهو مبنى رخامي مربع ذو قبة نحاسية مذهبة, وأبواب قائمة في جوانبه الأربعة. تم تشييده في العام 1604م.

[7] - يعني هذا الاسم: مجموعة الحكمة المقدسة، وهو مجموعة أناشيد دينية ألفها المعلمون السابقون، وتبلغ حوالي ستة آلاف نشيد، كما تحتوي على أناشيد نظمها بعض المتصوفة المسلمين كابن الفارض.

[8] - معناها: المخلصون للسيخية، أو الأخوية، أو الأطهار الأنقياء.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: