سطور من الذاكرة\العدد التاسع والسبعون - محرم 1431 هـ
المختار الثقفي ينصّب ابن الحنفية إماماً
الثلاثاء 15 ديسمبر 2009

هيثم الكسواني

 

يعتبر المختار بن أبي عبيد الثقفي من أهم الشخصيات التاريخية الشيعية وأقدمها، وواضع بعض عقائدهم، وبالرغم من أنه في أفكاره وتصوراته يصادم أسس عقائد الإمامية الإثنى عشرية التي تبلورت فيما بعد، خاصة فيما يتعلق بتنصيبه محمد بن الحنفية إماما للشيعة، ثم اعتباره المهدي المنتظر، وبعدها ادعائه نزول الوحي عليه، إلاّ أن الشيعة يوقرون المختار ويبجلونه لقيامه بمحاربة الأمويين، والانتقام من قتلة الحسين بن علي رضي الله عنهما، وفي هذا انتهازية مقيتة.

أبوه هو أبو عبيد بن مسعود الثقفي‏، الذي أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان عمر بن الخطاب بعثه قائدا على جيش كبير لقتال الفرس سنة ثلاث عشرة للهجرة، فقُتل أبو عبيد يومئذ، وقتل معه نحو أربعة آلاف من المسلمين، في معركة الجسر.‏   

أما المختار فسيرته كانت على خلاف سيرة أبيه، وقد مرّ بأطوار عديدة، وأفكار شتى، وانتهى به المطاف إلى ادّعاء النبوة، وصدق عليه الحديث الذي روته أسماء بنت أبي بكر وغيرها من أنه سيظهر من ثقيف كذاب.

يقول ابن كثير عنه بأنه "كان أولاً ناصبياً يبغض علياً بغضاً شديداً"، لكن المختار، الذي كان من أمراء الكوفة، اتخذ بعد ذلك موقفا بنصرة الحسن بن علي لما خذله أهل العراق وهو سائر إلى الشام لقتال معاوية بعد مقتل أبيه،‏ فبلغ الوالي الأموي عبيد الله بن زياد ذلك، فحبسه بعد ضربه مائة جلدة، وهناك في السجن التقى بِميثم التمّار، خطيب الشيعة بالكوفة ومتكلِّمها، فبشّره قائلاً: إنك تفلتُ وتخرج ثائراً بدم الحسين عليه السّلام، فتقتل هذا الجبّارَ الذي نحن في سجنه (أي ابن زياد)، وتطأ بقدمك هذا على جبهته وخَدَّيه.

وكان ابن زياد ينوي قتل المختار، لكن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، أرسل إلى يزيد بن معاوية، خليفة المسلمين آنذاك، يتشفع فيه لأنّ أخت المختار كانت زوجة لعبد الله بن عمر، فأرسل يزيد إلى ابن زياد فأطلقه وسيّره إلى الحجاز، فانضم المختار إلى عبد الله بن الزبير بمكة فقاتل معه حين حاصره أهل الشام، زمن يزيد.

ثم حدثت جفوة بين المختار وابن الزبير، خاصة لما ظهر لابن الزبير فساد معتقده وأطماعه، وحين أعجبته نفسه، فأخذ يسجع كسجع الكهان، ويلمح لأناس ويصرح لآخرين أنه يوحى إليه، فانفض عنه كثير من أصحابه.

وتوجه المختار إلى الكوفة بمن بقي معه، وانتصر على واليها المعيّن من قبل ابن الزبير، وطلب النصرة من أهلها، للانتقام من قتلة الحسين، الذين كانوا بالكوفة، ثم جهز جيشا بقيادة إبراهيم بن مالك الأشتر لقتال الأمويين، واستطاع هذا الجيش إلحاق الهزيمة بالجيش الأموي الذي قاده عبيد الله بن زياد، وقُتل ابن زياد نفسه وعدد كبير من أفراد الجيش، في وقعة الخازر بأرض الموصل في نهاية سنة 66 هـ، وقيل في بداية سنة 67 هـ.

وفي الكوفة، دعا المختار الثقفي الشيعةَ إلى إمامة محمد بن الحنفية([1])، وزعم أن ابن الحنفية استخلفه، وأمرهم بطاعته. وكان المختار قد خلّص ابن الحنفية وعددا من بني هاشم من أسر ابن الزبير لهم، لمّا رفض ابن الحنفية مبايعته بالخلافة.

 ولما علم المختار بعزم ابن الحنفية القدوم إلى العراق، خشي ذهاب زعامته ورياسته، فقال لجنده: إنّا على بيعة المهدي، ولكن للمهدي علامة، وهي أن يضرب بالسيف ضربة فإن لم يقطع السيف جلده فهو المهدي، ووصل قول المختار هذا إلى ابن الحنفية، فعلم ما يخطط له المختار من القضاء عليه، فأقام بمكة خوفا من أن يقتله المختار بالكوفة.

ويذكر العلماء والمؤرخون بأن المختار أظهر العقائد الفاسدة، فقد زعم أن الوحي يتنزل عليه على يد جبريل، وادّعى النبوة. ولما استشرى أمره بالكوفة، بعث ابن الزبير أخاه مصعباً أميراً على العراق، وكلّفه بقتال المختار، فقاتله وتمكن من قتله في سنة 67 هـ.

وقد لقب المختار بكيسان، وذكر في ذلك أسباب، هي([2]):

- أنه نسبة إلى الغدر، لأن كيسان في اللغة العربية اسم للغدر، وكان المختار كذلك.

- أنه أطلق عليه هذا اللقب، باسم مدير شرطته المسمى بكيسان، والملقب بأبي عمرة الذي أفرط في قتل كل من شارك ولو بالإشارة في قتل الحسين، فكان يهدم البيت على من فيه، حتى قيل في المثل: "دخل أبو عمرة بيته" كناية عن الفقر والخراب.

- أنه أطلق على المختار هذا اللقب باسم كيسان الذي هو مولى علي بن أبي طالب.

- وذهب بعض الشيعة ومنهم النوبختي إلى أن هذا اللقب أطلقه عليه محمد بن الحنفية على سبيل المدح، أي لكيسه، ولما عرف عنه من مذهبه في آل البيت؛ لأن الكيسانية زعموا أن محمد بن الحنفية هو الذي كلف المختار بالثورة في العراق لأخذ الثأر للحسين.

ويعتقد الشيعة من أتباع المختار، الذين عرفوا باسم: الكيسانية، بأن ابن الحنفية لم يمت، بل حبسه الله في جبل رضوى قرب المدينة. وقد اختلف الكيسانية في سبب حبس ابن الحنفية بذلك الجبل، فذهب بعضهم إلى القول بأن سبب حبسه سر من الله، لا يعلمه أحد غيره، وبعضهم قال: إنه عقاب من الله له بسبب خروجه بعد قتل الحسين إلى يزيد بن معاوية، وطلبه الأمان له، وأخذه عطاءه. وبعضهم قال: إنه بسبب خروجه من مكة قاصداً عبد الملك بن مروان هارباً من ابن الزبير ولم يقاتله.

وبعد وفاة ابن الحنفية اختلف الشيعة فيما بينهم: فذهب بعضهم إلى أنه مات وسيرجع. وذهب آخرون إلى أنه لا زال حياً بجبل رضوى، عنده عينان نضاختان، إحداهما تفيض عسلاً، والأخرى تفيض ماءً، عن يمينه أسد يحرسه، وعن يساره نمرٌ يحرسه، والملائكة تراجعه الكلام، وأنه المهدي المنتظر، وأن الله حبسه هناك إلى أن يؤذن له في الخروج، فيخرج ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.

ويعتبر الشاعر المشهور كثير عزة (ت 107 هـ) من أتباع هذه الفرقة، وقد قال أبياتا عديدة تؤيد مذهبه، منها:

ألا إن الأئمة من قريشٍ                  ولاة الحق أربعة سواءُ

علي والثلاثة من بنيه                    هم الأسباط ليس بهم خفاءُ

فسبط سبط إيمان وبر([3])                 وسبط غيبته كربلاءُ ([4] )

وسبط لا تراه العين حتى                 تعود الخيل يقدمها اللواءُ

تغيب لا يرى فيهم زمانا                 برضوى عنده عسل وماء

وقال أيضا:

ألا قل للوصي فدتك نفسي                       أطلْت بذلك الجبل المقاما

أضرّ بمعشر والوْكَ منا                          وسموك الخليفة والإماما

وعادوا فيك أهل الأرض طراً                     مقامك عندهم ستين عاما

وما ذاق ابن خولة طعم موت                    ولا وارتْ له أرض عظاما

لقد أمسى بمجرى شعب رضوى         تراجعه الملائكة الكلاما

وإن له لرزقا كل يوم                             وأشربة يُعلّ بها الطعاما

 

 البداء

وإضافة إلى القول بإمامة ابن الحنفية، فقد قالت الكيسانية بجواز "البداء" على الله تعالى، ويعني البداء ظهور أو نشأة رأي جديد لم يكن ظهر من قبل، ويستلزم القول به نسبة الجهل إلى الله تعالى.

 

أهم المراجع:

1-   عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، دار المعرفة، بيروت (ص 38 ـ 53).

2-   الإمام ابن كثير، البداية والنهاية، نسخة الكترونية، الجزء الثامن.

3-   الحافظ الذهبي، سير أعلام النبلاء، نسخة الكترونية، الجزء الرابع.

 



[1] - محمد بن الحنفية هو: محمد بن علي بن أبي طالب، وأمه خولة، وهي من سبْي اليمامة في حروب الردة، صارت إلى علي. وقيل: إنها سندية وكانت أمَة لبني حنيفة فنسبت إليهم. ولد ابن الحنفية سنة 16هـ في عهد عمر بن الخطاب، ونشأ شجاعاً فاضلاً عالماً، دفع إليه أبوه الراية يوم الجمل وعمره 21 سنة، وشهد معه معركة النهروان، وقد تنقل بعد وفاة والده وتوفي سنة 81 هـ بالمدينة، ودفن بالبقيع.

 

[2] - موقع الدرر السنية.

[3] - أي الحسن بن علي.

[4] - أي الحسين بن علي.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: