فرق ومذاهب\العدد التاسع والسبعون - محرم 1431 هـ
سلسلة الأديان الشرقية: 4- الجينيـة
الثلاثاء 15 ديسمبر 2009

تمهيد:

تنتشر في قارة آسيا أديان كثيرة، يطلق عليها أحيانا اسم الأديان الشرقية ومنها: الهندوسية والبوذية والسيخية والكونفوشيوسية وغيرها. وقد رأينا أن نتحدث عن أهم هذه الأديان وأكثرها انتشارا لعدة أسباب، منها:

     1- أن كثيرا من أتباع هذه الأديان انتشروا في البلاد العربية والإسلامية، وخاصة في دول الخليج العربي، التي قدموا إليها للعمل والتجارة، فأثّروا في أبنائها، لا سيّما وأن جزءا منهم يعملون في المنازل، كخدم وسائقين ومزارعين، الأمر الذي جعلهم دائمي الاحتكاك بمن يخدمونهم ويعملون لديهم، وخاصة فئة الأطفال، حيث تهمل الكثير من الأسر المسلمة تربية أولادها، وتوكل ذلك إلى الخدم، وكثير منهم من غير المسلمين. كما شهدت السنوات الأخيرة قدوم عدد كبير من العمال الصينيين إلى الدول العربية والإسلامية، بالإضافة إلى تزايد توجه المسلمين نحو الصين ودول آسيا الأخرى كتايلند والهند وكوريا للتجارة والسياحة والدراسة.

     2- أن عددا من عقائد هذه الأديان تسربت إلى بعض الفرق المنتسبة للإسلام كالصوفية، كما بين ذلك الدكتور عبدالله نومسوك، في كتاب له عن البوذية وتأثر الصوفية بها. كما تسربت بعض هذه الأفكار إلى المسلمين عبر بعض مدربي التنمية البشرية، وعبر نشر رياضة اليوغا التي تزعم الوصول بالإنسان للرقي والسمو.

     3-   أنه رُصدت بعض الحالات لمسلمين تركوا دينهم واتبعوا هذه الأديان بزعم أن فيها الطهارة والصفاء والتأمل.

     4- أن بعض هذه الأديان أصبحت تنتشر في أوروبا وفي الولايات المتحدة، ودول أخرى، وتجد هناك التأييد، بل وأصبح اعتناق البوذية على سبيل المثال "موضة" بين مشاهير الفن وغيرهم في الغرب، ولعل من أسباب ذلك حالة الخواء التي يعيشها الغربيون، وكذلك الإعجاب الذي يبديه العالم للدلاي لاما، القائد الديني الأعلى للبوذيين التبتيين، والمعارض للاحتلال الصيني لبلاده، وأصبحت رموز البوذية وتماثيل بوذا تقدم للعالم على أنها "إرث إنساني" لا بد من المحافظة عليه ودعمه، ولعلنا لم ننسَ الضجة الكبيرة التي قامت في العالم كله في عام 2001، عندما أعلنت حركة طالبان عزمها على تدمير تمثالين عملاقين لبوذا في أفغانستان.

   5- امتلاك بعض المسلمين معلومات خاطئة حول هذه الأديان من قبيل اعتقاد البعض بأن بوذا أو كونفوشيوس، نبيان، أو أن بعض هذه الأديان سماوية.

   6- تحفيز المسلمين على الدعوة إلى الله في أوساط أتباع هذه الديانات، وبذل الجهود لإنقاذهم مما هم فيه من وثنية وخرافة وشرك وعبادة غير الله.

4- الجينيـة

 

الجينية هي إحدى الديانات التي يُعتقد أنها ظهرت في القرن السادس قبل الميلاد في الهند، وما يزال لها أتباع إلى اليوم، وقد ظهرت كردة فعل على الهندوسية، ومثلت انشقاقا عليها، كما أن ظهورها تزامن مع ظهور البوذية. ويتميز بعض أتباع هذه الديانة بالعري، وبالرغم من قلة عدد "الجينيين" قياسا بالهندوس والبوذيين والسيخ، إلاّ أن الباحثين يرصدون مظاهر تأثير عديدة للجينية على هذه الأديان وغيرها، ومنها النصرانية.

 

المؤسس:

تنسب هذه الديانة إلى مهاويرا([1]) المنتمي إلى طبقة الأكشتريا([2]) والمولود في سنة 599 قبل الميلاد، وقد ترهبن في سن الثلاثين، وعلى يديه تبلورت معتقداتها، التي ما تزال قائمة إلى يومنا هذا، وقد سار بدعوته حتى وفاته في سنة 527 ق.م عن 72 عاما.

ويعتقد الجينيون أن اسم "مهاويرا" اختارته الآلهة لزعيمهم، ومعناه: البطل العظيم أو الرجل العظيم، ويدعى مهاويرا أيضا: "جينا" أي القاهر أو المتغلب، وبهذا الوصف سُميت الفرقة التي اتبعت تعاليمه وسميت الديانة الجينية لأن مؤسسيها عُرفوا بقهر شهواتهم والتغلب على رغباتهم المادية.

ويعتبر الجينيون دينهم "أزليا" لا بداية له ولا نهاية، وأنه يرجع إلى بلايين بلايين السنين، وأن مهاويرا لم يكن وحده مؤسس دينهم، بل يعتقدون بأن هذه العقيدة أسسها في الحقيقة 24 "جينا" أي فاتحاً، يعتبر مهاويرا الأخير منهم، وأنه الذي جدد أصولها ونشرها. وهؤلاء الجينات أو الجينوات([3]) ظهروا على فترات متباعدة ليبشروا الناس، ويهدوا شعب الهند إلى الطريق المستقيم.

ويقول الجينيون بأن هؤلاء "الرسل" لم يكن لهم من فضل إلاّ انهم رفعوا الحجب عن هذا الدين، وأطلعوا أتباعهم على أسراره.

ومثلما أحاط الجينيون مولد مهاويرا بالأساطير، أحاطوا موته كذلك، فقالوا بأنه عندما رقد إلى فراش الموت، اجتمع حوله كل ملوك العالم وحكامه، وراح مهاويرا، طيلة ستة أيام، يتحدث إليهم ويعظهم، حتى كان اليوم السابع، فتحرك في بطء شديد، ثم نهض ليصعد على عرشٍ من ماس كان يتوسط قاعة رائعة، وعندما اقترب الفجر، غشي النور كلَّ من كان في القاعة، بينما ودع مهاويرا الحياة واختفى دون أن يراه أحد، ومضت لحظات وفتح الجميع عيونهم، وكأنهم يستيقظون من سبات عميق.

وتقول أسطورة أخرى بأن جثمان مهاويرا حُرق في "بافا" بإقليم بيهار الهندي، حيث لا تزال إلى اليوم المكان المقدس للجينيين. وحرق الجثمان من الطقوس التي وافقت فيها الجينيةُ الهندوسية.

 

كتبهم المقدسة:

يقول الجينيون أن مهاويرا ـ قبل موته ـ نزل مدينة بنايوري في ولاية بَتْنا، فالقى على الناس 55 خطبة، وأجاب عن 36 سؤالاً، فأصبحت هذه الخطب والأسئلة كتابا مقدسا لهم.

يضاف إلى خطب مهاويرا ووصاياه، الخطب والوصايا المنسوبة للرهبان والنساك الجينيين، وقد انتقل هذا التراث من جيل إلى جيل مشافهة، وعندما خافوا عليه من الضياع، رأوا جمعه وكتابته، وكان ذلك في القرن الرابع قبل الميلاد، لكنهم تدخلوا فيما أرادوا جمعه، فأسقطوا منه ما لا يتناسب مع وجهات نظرهم ولا يكرس سلطانهم، الأمر الذي جعلهم يفشلون في جمع كلمة أتباعهم حول ما كتبوه، فتأجلت كتابته إلى سنة 57م، فدوّنوا آنذاك ما استطاعوا الحصول عليه.

وفي سنة 453م أي بعد عشرة قرون من موت زعيمهم مهاويرا، عقد نحو 500 من علماء الجينيين مجلسا بمدينة بلهيي، دونوا فيه تراثهم، باللغة السنسكريتية، في حين أن لغته الأصلية "أردها مجدى". وللفرقة الدجامبرية كتاب مقدس يسمى "تتوارت سوترا" Totwarath Sotra، معتبرين أنه المصدر الوحيد لتعاليم مهاويرا.

 

انتشارها وعدد منسبيها:

بحسب إحصاءات سنة 1951م، في الهند، بلغ عدد الجينيين مليونا و 600 ألف شخص، ولم يكتب لهذه الديانة الانتشار خارج الهند، بعكس البوذية، التي اضمحلت في الهند، لكنها انتشرت انتشارا كبيرا خارجها. ويعتقد أن العدد الحالي للجينيين هو بحدود 3-4 ملايين شخص، ولذا فإنهم يشكلون أقلية صغيرة جدا مقارنة بالعدد الكلي للسكان (مليار و 148 مليون شخص تقريبا في عام 2008)

وينحصر وجود الجينيين في الهند في منطقة "كجرات"، ولهم معابد ضخمة تعتبر من العجائب زينة وزخرفة في كلكتا ودلوارا وكهجورا وجبل آبو.

 

أهم عقائدها وأفكارها:

1- لا تعترف الجينية بإله واحد للكون، خالق ومدبر له، إذ كانت بدايتها نوعا من المقاومة للهندوسية، التي تعددت فيها الآلهة، وثورة على سلطان رجال الدين الهندوس، المعروفين بالبراهمة. ويعتقد الجينيون بأن الكون نشأ نتيجة العلاقات التي تولدت بين الروح والمادة، فهو (أي الكون) قديم قدم الروح والمادة، ولم يكن معدوما ليوجده موجد (يقول الجينيون إنهم لا ينكرون وجود الخالق، لكنهم ينفون عنه صفة الخلق والتدبير).

 وبسبب عدم اعتقاد مهاوير بإله، فقد حدث فراغ كبير في الجينية، إذ أن البشر يميلون إلى الاعتقاد بإله، الأمر الذي جعل أتباعه يعتبرونه إلها، بل اعتبروا الجينوات الأربعة والعشرين آلهة لهم، ولعلهم بذلك تاثروا بالفكر الهندي الذي يميل إلى تعدد الآلهة.

يقول أحد علمائهم (بي آر كين): "إن الجينيين لا يعتقدون بمعبود أزلي قديم، موجود في كل زمان ومكان، عالمٍ بكل صغيرة وكبيرة، قادر على كل شيء، وخالق الكون والحياة، بل يعتقدون بالأرواح الناجية التي خلصت من العودة وحصلت على (النرفانا)([4]) فبلغت درجة الإله".

2-  الجينيون أصحاب مسالمة ومجاملة، الأمر الذي دفعهم  للإعتراف بآلهة الهندوس، عدا آلهتهم الثلاثة (برهما، فشنو، سيفا). كما دفعتهم المسالمة إلى عدم أكل لحوم الحيوانات، فهم نباتيون، لذلك يعتقد أن النصارى أخذوا صيامهم بتجنب أكل ما له روح من الجينية. ودفعت المسالمة الجينيين أيضا إلى تجنب العمل في الزراعة حذرا من قتل الديدان والحشرات الصغيرة الموجودة في التربة، وبطبيعة الحال عدم الاشتراك في معركة أو الدخول في قتال.

3-  اشتهر عن نُسّاك إحدى فرقتي الجينية، المسماة بالدجامبرية، العري وتجنب ارتداء الثياب، بزعم أن المعرفة الكاملة والنجاة الدائمة لا تحصل إلا إذا قطع الإنسان علاقته بالدنيا تماما، بحيث يتجنب الملابس وستر العورة، وهذا بخلاف الفرقة الأخرى، المسماة بالسوتامبرية.

4-  وإضافة إلى تخلي هذه الفرقة عن الثياب، فإنهم ينحتون معبوداتهم عراة، وياكلون مرة واحدة فقط في اليوم، ولا يستعملون الأواني، بل يضعون الطعام في أيديهم ثم يأكلونه.

5-    ليس عند الجينيين صلاة، ولا تقديم للقرابين، ولا يعترفون بنظام الطبقات الموجود عند الهندوس.

 

للاستزادة:

1-   د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي ـ دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند، ط2، 2003، ص 661 ـ 671.

2-   ط. مفرج ـ موسوعة عالم الأديان، الجزء الرابع، ط2، 2005، ص 85 ـ 114.

الندوة العالمية للشباب الإسلامي ـ الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، المجلد الثاني، ط3، 1418هـ، ص 751 ـ 757.



[1] - تكتب عند البعض: مهافيرا، أو مهابير سوامي.

[2] - إحدى الطبقات ذات الشأن في المجتمع الهندوسي، وتتولى القيادة السياسية والعسكرية.

[3] - الجينوات بالنسبة للجينيين كالرسل، يعتقدون فيهم الألوهية، ويطلقون عليهم اسم "تيرشنكر".

[4] - لكلمة "نرفانا" معانٍ عديدة، منها: السكينة التي لا يشوبها ألم، والتي يثاب بها المرء على إعدام أو قتل نفسه، أي الانتحار، لكن النرفاثا الكاملة تقتضي العدم، فثواب التقوى في أسمى منازلها هو ألا يعود التقي إلى الحياة. ويقصد بها أيضا: النجاة، أي نجاة الروح التي ظلت على صلاحها أثناء دورتها التناسخية المتعاقبة بحيث لم تعد بحاجة إلى تناسخ جديد، والنرفانا تشكل أعلى درجات الصفاء الروحي التي يبلغها الجيني، وكذلك الهندوسي والبوذي، بعد مصارعاته وقمع جميع الشهوات والرغبات لديه، والهدف الأسمى لديه.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: