سطور من الذاكرة\العدد الثمانون - صفر 1431 هـ
الفاطميون يمنعون الإفتاء على مذهب مالك
السبت 16 يناير 2010

هيثم الكسواني

 

لم يدع العبيديون الفاطميون، أصحابُ المذهب الشيعي الإسماعيلي، شيئاً من مذهب أهل السنة إلاّ عادوه، فقد حاربوا المنهج والمؤلفات والأفراد والشيوخ والرموز والمؤسسات، ومن جملة ما حاربه الفاطميون مذهب الإمام مالك بن أنس، رحمه الله، إمام دار الهجرة، وصاحب أحد المذاهب الفقهية الأربعة، وقد كان المذهب المالكي ـ وللآن ـ هو المذهب المنتشر في شمال أفريقيا، التي أقام فيها العبيديون الفاطميون دولتهم في سنة 297 هـ (909 م) ثم ما لبثوا أن قاموا بتوسيعها باتجاه المشرق باحتلال مصر وأجزاء من بلاد الشام والحجاز واليمن.

ومن ضمن ما اتخذه الفاطميون أنهم لم يبيحوا الفتوى إلا لمن كان على مذهبهم، وحرّموا على الفقهاء الفتوى بمذهب الإمام مالك، واعتبروا ذلك جريمة يعاقب عليها بالضرب والسجن أو القتل أحياناً، ويعقب ذلك نوع من الإرهاب النفسي، حيث يدار بالمقتول في أسواق القيروان وينادى عليه: هذا جزاء من يذهب مذهب مالك، كما فعلوا بالفقيه أبي عبد الله محمد بن العباس بن الوليد، المعروف بالهزئي، والمتوفى في سنة 329 هـ، فقد ضُرب الهذلي عريانا حتى سال الدم من رأسه، ثمّ أركب على حمار عريانا وطيف به في أسواق القيروان، ثمّ حبس وتـرك بعد ذلك، وحدث لـه هذا بعد وشـاية مفادها أنّه يفتي بمذهب المالكية ويطعن على المهدي، خليفة العبيديين الفاطميين.

ومنع الفاطميون علماء أهل السنة من التدريس في المساجد، ونشر العلم، والاجتماع بالطلاب، فكانت كتب السنة لا تقرأ إلا في البيوت، فكان أبو محمد بن أبي زيد، وأبو محمد بن التبان وغيرهما، يأتيان إلى أبي بكر بن اللباد، شيخ السنة بالقيروان، في خفية، ويجعلان الكتب في أوساطهما حتى تبتل بالعرق.

كما قام الفاطميون بإتلاف مصنفات أهل السنة، ومنعوا الناس من تداولها، كما فعلوا بكتب أبي محمد بن أبي هاشم التُّجبي (ت 346?) فقد توفي وترك سبعة قناطير من الكتب، كلها بخط يده، فرفعت إلى خليفة الفاطميين، فأخذها ومنع الناس منها كيداً للإسلام وبغضاً فيه، وفي أهل السنة.

ومن الغريب والمؤسف أن ينبري البعض مطالبا بإحياء الدولة العبيدية الفاطمية بزعم أنها كانت دولة متسامحة مع الديانات الأخرى كاليهودية والنصرانية، ونسوا أنها لم تكن متسامحة بالمرة مع مذهب أهل السنة.

سبق بغضُ الشيعة للإمام مالك قيامَ الدولة العبيدية الفاطمية بسنوات كثيرة، فقد ذكر القاضي عياض أن رجلاً سأل مالكاً رحمه الله: مَن خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال مالك: أبو بكر. قال: ثم من؟ قال: عمر. قال: ثم من؟ قال: الخليفة المقتول ظلماً عثمان. فما كان من هذا السائل إلاّ أن قال لمالك: "والله لا أجالسك أبداً".

وإذا كان الفاطميون قد حاربوا المذهب المالكي لأنه كان المنتشر في البلدان التي أقاموا عليها  دولتهم، فإن بغض الشيعة للإمام مالك امتدّ ليشمل عظماء الإسلام وأئمته على مر العصور، ومنه الكره للأئمة الأربعة جميعهم (أبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد بن حنبل)، ومن ذلك ما جاء على لسان بعض شعرائهم:

إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهباً                ينجيك يوم البعث من ألم النار

فدع عنك قول الشافعي ومالـكٍ           وأحمد والنعمان أو كعب أحبار

ووال أناساً قَولُهُم وحَدِيثُـهُم                        روى جَدُّنا عن جبرائيل عن الباري      

 

ويقول محمد الرضي الرضوي: "ولو أن أدعياء الإسلام والسنة أحبوا أهل البيت عليهم السلام لاتّبعوهم، ولما أخذوا أحكام دينهم عن المنحرفين عنهم كأبي حنيفة والشافعي ومالك وابن حنبل..".

وما يزال موقف الشيعة من الأئمة الأربعة ومذاهبهم موقفا عدائيا إقصائيا تكفيريا، بالرغم من ادّعاء الشيعة الدائم بأنهم يشكلون المذهب الخامس جنبا إلى جنب مع المذاهب السنية الفقهية الأربعة. وقد سئل المرجع الشيعي اللبناني محمد حسين فضل الله ، الذي يعتبره الكثير من معتدلي الشيعة وعقلائهم:

هل يجوز التعبد في فروع الدين بالمذاهب السنية الأربعة وكذلك بقية المذاهب غير الشيعية؟

فأجاب: لا يجوز التعبد بأي مذهب إسلامي غير مذهب أهل البيت عليهم السلام لأنه المذهب الذي قامت عليه الحجة القاطعة (كتاب مسائل عقدية ص 110).

وإذا كانت هذه هي نظرة معتدلي الشيعة إلى الأئمة الأربعة ومذاهبهم الفقهية، فكيف هي إذاً نظرة المتعصبين والمتشددين منهم؟!

 

للاستزادة:

1- صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس ـ د. علي بن محمد الصلابي.

2- موقف الشيعة الاثني عشرية من الأئمة الأربعة ـ خالد بن أحمد الزهراني.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: