فرق ومذاهب\العدد الثمانون - صفر 1431 هـ
سلسلة الأديان الشرقية 5- الزرادشتية
السبت 16 يناير 2010
سلسلة الأديان الشرقية 5- الزرادشتية

 

تمهيد:

 

تنتشر في قارة آسيا أديان كثيرة، يطلق عليها أحيانا اسم الأديان الشرقية ومنها: الهندوسية والبوذية والسيخية والكونفوشيوسية والزرادشتية وغيرها. وقد رأينا أن نتحدث عن أهم هذه الأديان وأكثرها انتشارا لعدة أسباب، منها:

1- أن كثيرا من أتباع هذه الأديان انتشروا في البلاد العربية والإسلامية، وخاصة في دول الخليج العربي، التي قدموا إليها للعمل والتجارة، فأثّروا في أبنائها، لا سيّما وأن جزءا منهم يعملون في المنازل، كخدم وسائقين ومزارعين، الأمر الذي جعلهم دائمي الاحتكاك بمن يخدمونهم ويعملون لديهم، وخاصة فئة الأطفال، حيث تهمل الكثير من الأسر المسلمة تربية أولادها، وتوكل ذلك إلى الخدم، وكثير منهم من غير المسلمين. كما شهدت السنوات الأخيرة قدوم عدد كبير من العمال الصينيين إلى الدول العربية والإسلامية، بالإضافة إلى تزايد توجه المسلمين نحو الصين ودول آسيا الأخرى كتايلند والهند وكوريا للتجارة والسياحة والدراسة.

2-   أن عددا من عقائد هذه الأديان تسربت إلى بعض الفرق المنتسبة للإسلام كالصوفية، كما بين ذلك الدكتور عبدالله نومسوك، في كتاب له عن البوذية وتأثر الصوفية بها. كما تسربت بعض هذه الأفكار إلى المسلمين عبر بعض مدربي التنمية البشرية، وعبر نشر رياضة اليوغا التي تزعم الوصول بالإنسان للرقي والسمو.

3-   أنه رُصدت بعض الحالات لمسلمين تركوا دينهم واتبعوا هذه الأديان بزعم أن فيها الطهارة والصفاء والتأمل.

4- أن بعض هذه الأديان أصبحت تنتشر في أوروبا وفي الولايات المتحدة، ودول أخرى، وتجد هناك التأييد، بل وأصبح اعتناق البوذية على سبيل المثال "موضة" بين مشاهير الفن وغيرهم في الغرب، ولعل من أسباب ذلك حالة الخواء التي يعيشها الغربيون، وكذلك الإعجاب الذي يبديه العالم للدلاي لاما، القائد الديني الأعلى للبوذيين التبتيين، والمعارض للاحتلال الصيني لبلاده، وأصبحت رموز البوذية وتماثيل بوذا تقدم للعالم على أنها "إرث إنساني" لا بد من المحافظة عليه ودعمه، ولعلنا لم ننسَ الضجة الكبيرة التي قامت في العالم كله في عام 2001، عندما أعلنت حركة طالبان عزمها على تدمير تمثالين عملاقين لبوذا في أفغانستان.

5- امتلاك بعض المسلمين معلومات خاطئة حول هذه الأديان من قبيل اعتقاد البعض بأن بوذا أو كونفوشيوس، نبيان، أو أن بعض هذه الأديان سماوية.

تحفيز المسلمين على الدعوة إلى الله في أوساط أتباع هذه الديانات، وبذل الجهود لإنقاذهم مما هم فيه من وثنية وخرافة وشرك وعبادة غير الله.

5- الزرادشتية

 

الزرادشتية هي إحدى الديانات التي انتشرت في إيران قبل الفتح الإسلامي، وما يزال لأتباعها وجود هناك، إضافة إلى الهند وباكستان وبعض البلدان الغربية، وهي من الديانات "الثنوية" التي تقول بإلهين اثنين، أحدهما للخير والآخر للشر. وتقدّس هذه الديانة النار باعتبار أنها قبس أو مظهر من مظاهر إله الخير.

 

المؤسس:

 تنسب الزرادشتية إلى زرادشت بن يورشب، الذي يُعتقد أنه ولد في مدينة أذربيجان، غربي بحر قزوين، في سنة 660 قبل الميلاد ، وقيل قبل الميلاد بألف سنة، ويعتبره أتباعه نبياً، وقد أحاطوا مولده بجملة من الأساطير، منها أن "شبحين نوريين" اقتربا من والده، وقدّما له غصناً، وأمراه أن يقدمه لزوجته، لأنه يحمل كيان الطفل الروحاني، ومزج الأب الغصن باللبن وشربه هو وزوجته، فحملت الزوجة وليداً هو "زرادشت"، وقالوا بأن مخلوقات بشعة هبطت من السحابة بعد مرور خمسة أشهر من الحمل، وحاولت انتزاع هذا الجنين من رحم أمه، لكن شعاعاً من نور هبط من السماء ومزّق السحابة السوداء.

وتقول أسطورة أخرى عند الولادة، بأن هذا المولود لم يبكِ مثل سائر الأطفال، وإنما ضحك بصوت عالٍ اهتزت له أركان البيت الذي غمره نور إلهي، وهربت الأرواح الشريرة كلها إلى عالمها السفلي.

 

ديانة ثنوية:

وكغيرها من الأديان التي ظهرت في بلاد فارس قديماً كالمانوية والمزدكية، تعتبر الزرادشتية ديانة ثنوية، أي تعتقد بإلهين اثنين: أحدهما للخير والآخر للشر، وبينهما صراع دائم إلى قيام الساعة، التي تقوم – بحسب معتقداتهم – نتيجة لانتصار إله الخير على إله الشر.

أما إله الخير عندهم فاسمه: أهورا مزدا (ومعناه: أنا خالق الكون) ويقولون إنه إله النور والسماء، ويمثل قوة الخير، وهو خالق الأرض والسماوات. وإله الشر يسمونه: "آهرمان" وتعني هذه الكلمة: الخبيث أو القوى الخبيثة. ويعتبرونه إله الظلمة، ومصدر الشر، وهو ليس بمستوى "أهورامزدا".

 

عبادة النار والشمس :

تعتبر النار عاملاً رئيسياً في عبادة الزرادشتيين، إضافة إلى الشمس، على اعتبار أنهما رمزان ماديّان على الإله "أهورامزدا" الذي تعجز العقول عن إدراكه، فالشمس في السماء تمثل روح "أهورامزدا" في صورة يستطيع الناس إدراكها، فهي كائن مشرق متلألئ يفيض الخير على كل الكائنات، ويبعث فيها الدفء والنشاط.

أما النار في الأرض فهي العنصر الذي يمثل للناس تلك القوة العليا، ويقول الزرادشتيون أنهم يقدسون النار ولا يعبدونها، وفهي عندهم تمثل النور الذي يعتقدون أنه قبس أو مظهر من مظاهر الله. يقول مرجعهم الديني الأعلى في إيران، رستم شهزادي: "في الحقيقة ، وعندما نتوجه لعبادة الله، نتجه إلى النور بأي شكل كان، ففي النهار تكون قبلتنا الشمس، وفي الليل القمر أو النجوم، أو أي ضياء كان، ومنها النار طبعاً حيث نعتقد أن نور جميع هذه الأشياء يمثل النور الإلهي، فالمهم إذن أن نتجه لأي مصدر للنور مهما كان شكله أو حجمه كقبلة لنا نقدسها ولا نعبدها".

والنار – كمصدر صناعي للنور لجؤوا إليه عند غياب المصادر الطبيعية – لها احترامها وقدسيتها وطقوسها، إذ أن من أوجب الواجبات على الكهنة ورجال الدين إبقاء النار مشتعلة، وتحتل النار وسط غرفة خاصة، ويوقدها الكهنة ليلاً و نهاراً، ويلقون فيها كميات من البخور، ويضع الكاهن كمامة على فمه كي لا يدنس النار.

ويدخل الزرادشتيون إلى موضع النار باحترام بعد الاغتسال وخلع الأحذية، ويتلون صلاة بلغة "الغاثا" القديمة التي لا يعرفون معناها عموماً، ويناولون الكاهن تقدماتهم من البخور والمال، وهو يناولهم كمية من رماد النار.

ولا يزال لليوم يستخدم الشيعة النار في طقوسهم الشيعية، كما في موسم عاشوراء والزيارات، حيث تشعل النيران فيها بدون مبرر إسلامي !!

 

عيد النيروز

وتعتبر أهم زيارة لمعبد النار، تلك التي تحصل في بداية السنة الفارسية، في 21 مارس/ آذار، وهو عيد النيروز، إذ يستيقظ الزرادشتيون في ذلك اليوم باكراً، فيستحمون، ويلبسون الثياب الجديدة، ويقصدون المعبد حيث يقدمون النذور ويؤدون الصلاة، ويقضون بقية اليوم في المعايدة والولائم.

وما تزال إيران الخمينية لليوم تعظم هذا اليوم وتشعل فيه النيران ابتهاجاً ، وتمنح فيه الموظفين إجازة لعدة أيام، في مقابل إهمال الأعياد الإسلامية: الفطر والأضحى.

 

صراع الخير والشر:

يعتقد الزرادشتيون أن العالم له نهاية محتومة، إذ سينتصر إله الخير "أهورا مزدا" على آهرمان وسيهلكه هو وكل قوى الشر، وعندها سيعمّ الأمان والخير، وفي ذلك اليوم يُبعث الموتى ويقع النجم المذنب على الأرض، وتشتعل الأرض وتلتهب – بحسب اعتقاد الزرادشتيين – ويمر الصالحون بهذا السيل الملتهب وكأنه بالنسبة لهم لبن دافئ، ليمضوا إلى الجنة، أما الأرواح الشريرة فتظل تحترق إلى الأبد في هذا اللهب.

 

زرادشت عند أتباعه نبي:  

يعتقد الزرادشتيون أن "زرادشت" نبي مرسل من "أهورامزدا" الاله الخالق عندهم، وتروي الأسطورة أن كبير الملائكة "فوهو مانا" جاء إلى زرادشت وقاده إلى السماء "ليحظى بشرف المثول بين يدي رب السماء نفسه"..، وهناك تلقى زرادشت كلمات الحق والحقيقة، وتعلم أسرار الوحي المقدسة واستمع إلى أمر النبوة، فقد علّمه "أهورامزداً" العقائد والواجبات المتعلقة بالدين الذي أوكل إليه نشره بين الناس.

ويذكر الزرادشتيون أن نبيهم زرادشت كان في صراع مع الكهنة الوثنيين الذين رفضوا اتّباع دينه الجديد، وهؤلاء الكهنة الذين عُرف عنهم السحر والجشع إلى المال والسلطة أثّروا على بعض الحكام، فأعاقوا انتشار دين زرادشت، لكن المصاهرة التي قامت فيما بعد بين زرادشت وإحدى الأسر الملكية، إضافة إلى ظهور المعجزات على يديه! جعلت هذ الدين ينتشر انتشاراً كبيراً في إيران، وكان لإيران شعب مجاور هم "الطورانيون" رفضوا دين زرادشت، وحاربوا أتباعه، كما استطاعوا قتل "زرادشت" نفسه في مدينة بلخ وهو راكع أمام النار، مع ثمانين من كبار الكهنة عندما كانوا يدعون "أهورامزدا" أن يناصر شعبهم في حربه ضد الطورانيين، ومات زرادشت عن 77 سنة.

 

الموت في الزرادشتية

يؤمن الزرادشت أن الروح تهيم لمدة ثلاثة أيام بعد الوفاة قبل أن تنتقل إلى العالم الآخر، ولديهم طقوس خاصة للدفن، إذ يكرهون اختلاط الجسد المادي بعناصر الحياة؛ الماء والتراب والهواء والنار حتى لا يلوثها، لذا فهم يتركون جثامين الموتى للطيور الجارحة على أبراج خاصة تسمى أبراج الصمت أو (دخنه) باللغة الفارسية حيث يقوم بهذه الطقوس رجال دين معينون ثم بعد أن تاكل الطيور جثة الميت توضع العظام في فجوة خاصة في هذا البرج دون دفنها.

إلا أن الزرادشتيين الذين يعيشون في مجتمعات لا يمكنهم فيها ممارسة شعيرة الدفن هذه يقومون بوضع جثمان الميت في صندوق معدني محكم الإغلاق، ويدفن في قبر عادي مما يضمن عدم تلويثه لعناصر الحياة الثلاثة.

 

كتابهم المقدس:

انتقلت تعاليم زرادشت على شكل ترنيمات تدعى الواحدة منها : جاتا "Gathas" وتعني هذه الكلمة الغناء أو الإنشاد. وفي هذه الترنيمات أشياء عن حياة زرادشت وفكره وبعض الطقوس والأدعية، وقد جمعت في القرن الخامس الميلادي في كتاب اسمه  الأفستا أو الأبستا "Avesta"، وتعني هذه الكلمة في الفارسية: المتن أو النص الأصلي.

ثم أضيف إلى الأفستا شروح وتفسيرات وتفصيلات وفق شرعهم، وأصبح الأفستا مع الشروحات يسمى "زند آفستا" أي شرح الآفستا.

 

الفتح الإسلامي لإيران وأثره على الزرادشتية: 

دخلت إيران في الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ومثلما دخل كثير من الفرس في الإسلام، آثر البعض البقاء على دينه، فبعضهم أخفى اعتقاده،  في حين رحل عدد منهم إلى الهند التي تنتشر فيها العقائد والأديان والمذاهب، وعُرف الزرادشتيون في الهند باسم

الفارسيين "PARSIS".

وفي المقابل فإن بعض الحركات التي ظهرت من بلاد فارس في نهاية عصر الخلفاء الراشدين وفي العصرين الأموي والعباسي كحركات التشيع والتمرد والحركات الباطنية والشعوبية والزندقة تسترت بالإسلام، وأبطنت بعض معتقدات بلاد فارس، ومنها الزرادشتية، وحاولت نشرها بين المسلمين.

 

العدد والانتشار:

تعتبر الزرادشتية دعوة مغلقة، لا تقبل أن ينضم إليها إنسان من خارجها، كما أنهم يمارسون طقوسهم على نحو سري، ولا يسمحون للآخرين بالاقتراب من أمكنة العبادة حيث النار التي يقدسونها. ولا يوجد إحصاء دقيق يبين أعداد الزرادشتيين في العالم، لكن يعتقد أن عددهم في إيران هو 91 ألف نسمة (البعض يصل بهم إلى 300 ألف) حالياً موزعين بشكل رئيسي على مدن: طهران وكرمان وأصفهان وشيراز.

وإضافة إلى إيران، فإن لهم تجمعاً كبيراً في الهند، وخاصة في بومباي، ويصل عددهم هناك إلى مائة ألف نسمة، أما أعدادهم في الدول الأخرى فهي على النحو التالي: في باكستان 50 ألفاً، في أوروبا 50 ألفاً، في أميركا 20 ألفاً، وفي أفريقيا الجنوبية 20 ألفاً.

وضعهم في إيران:

وبالرغم من أن الزرادشتية تقوم على الوثنية والشرك، إلاّ أن إيران تعتز بهذه الديانة وتمنحها التسهيلات وتنتشر معابدها فيها، وتمنح مقاعد في مجلس الشورى كما ينص الدستور الإيراني، ولليهود الإيرانيين كذلك، في الوقت الذي يُمنع فيه أهل السنة من أن يبنوا مسجدا في العاصمة طهران، التي يصل عددهم فيها إلى نحو مليون شخص، فيما تهدم مساجدهم ومدارسهم في المحافظات الأخرى، ويتعرض أبناؤهم وشيوخهم للقتل والاعتقال، الأمر الذي جعل الكثير من أهل السنة في إيران يتمنون أن يتم مساواتهم باليهود أو الزرادشت!

 

هل الزرادشتية هي المجوسية؟

يذهب البعض إلى أن الزرادشتية هي المجوسية الوارد ذكرها في القرآن الكريم، وسميت بذلك لأن قبيلة المجوس الفارسية هي أول من اتبع الزرادشتية. وقال آخرون إن المجوسية أسبق من الزرادشتية، وأما زرادشت فجدّدها وأظهرها وزاد فيها.

 

للاستزادة:

1-   ط. مفرج ـ موسوعة عالم الأديان، الجزء الرابع، ط2، 2005.

2-   موسوعة الأديان (الميسرة) إصدار دار النفائس، ط2، بيروت 2002.

3- الندوة العالمية للشباب الإسلامي ـ الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، المجلد الثاني، ط3، 1418هـ.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: