سطور من الذاكرة\العدد الحادي والثمانين - ربيع الأول 1431 هـ
يقيمون لخازن النار مرقداً!
السبت 13 فبراير 2010

هيثم الكسواني

 

ما أكثر ما اتخذ المنحرفون والدجالون القبورَ والمقامات وسيلة للتكسّب، و أخذِ أموال الناس بالباطل، وطرُقهم في إقامة المراقد والمقامات، ومحاولةُ جذب البسطاء لها لا تكاد تنتهي، ومن ذلك الادّعاء بوجود إمام أو وليٍّ في هذا المكان أو ذاك، وإقامة بناء عليه، ليقصده الناس طالبين منه قضاء حاجاتهم وإزالة ما بِهم من همٍّ وضيق، مما سيعود بالنفع على القائمين على هذه المقامات أو السَدَنَة، من خلال ما سينفقه الناس من أموال على شكل نقود أو ذبائح أو نذور أو قرابين لصاحب الضريح ستصب في آخر المقام في جيب السادن.

وصارت المقامات في بعض البلدان تنمو كالفطر وتنتشر، بل وأصبح للشخص الواحد أكثر من قبر أو مرقد، كالخضر عليه السلام، صاحب القصة الشهيرة مع موسى عليه السلام، الواردة في سورة الكهف، والذي أقيم له، في العراق وحدها على سبيل المثال، أكثر من 40 مرقداً، رغم أنه ليس ثمة ما يثبت أنه عاش في العراق أو مرّ فيها، والغريب أن هؤلاء المنتفعين من المقامات، والذين يتسابقون لإقامة المراقد للخضر، يؤمنون بأنه ما زال حيّاً، وأنه ينتقل بيننا وإن كنّا لا نراه، وأنه يقيم قرب الأنهار والبحار، وله حصان يرمي إليه الناس بالشعير في المياه.

وإذا بقينا في العراق، فإننا نجد العجب فيما يتعلق بالمقامات والمراقد، فبقايا دار مهدّمة، كان المارة يقضون فيها حاجتهم، تحوّلت إلى مزار يقصده الناس، يدعونه ويتبركون به!

وفي العراق أيضاً مقام للنبي شعيب عليه السلام، في ناحية "الدغارة" التابعة لمحافظة الديوانية، رغم أنه أُرسل إلى قومه في الشام، ويوجد مقام اسموه "مقام النبي مدين" بين مدينتي الديوانية والسماوة في جنوب العراق، مع أن "مدين" هم القوم الذين أرسل الله إليهم شعيباً عليه السلام، وليس اسماً لنبي.

وأقام الشيعة في العراق مقاماً لمحمد بن علي الباقر، خامس الأئمة عند الشيعة الاثنى عشرية، رغم أنه عاش ومات في المدينة، ودُفن فيها. كما أقاموا مقاماً أو مقامات لجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعروف بجعفر الطيّار، رغم أن جعفر رضي الله عنه  لم يرَ في حياته أرض العراق، فقد عاش في مكة ثم هاجر إلى الحبشة، فالمدينة، ليموت في نهاية الأمر شهيداً في معركة مؤتة، في جنوب بلاد الشام في أرض الأردن اليوم.

ويذكر الدكتور طه الدليمي في كتابه "التوحيد والشرك في ضوء القرآن الكريم" أن المشرف على المراقد التابعة لوزارة الأوقاف في العراق، نبيل الطبقجلي، مرّ في إحدى جولاته التفتيشية بمرقد منسوب لجعفر الطيّار، فوجد عنده امرأة تقوم على شؤونه، فقال لها: إن جعفر قُتل ودفن في بلاد الشام، فما الذي جاء به إلى هنا؟ فأجابته المرأة (سادنة المقام) مستنكرة: ألا تعرف أن الإمام جعفر سُمي بالطيار لأنه طار من هناك وجاء إلى هنا؟!

ولعلّ أغرب ما يكشف عنه الطبقجلي من أمر المقامات والمراقد في العراق، أنه عثر ذات مرة على مرقد لخازن النار، مالِك عليه السلام، فقد وصل الانحراف بهؤلاء المتكسبين من المقامات إلى أن يقيموا قبراً لأحد الملائكة، أوكله الله سبحانه وتعالى بأمر النار. 

يقول د. الدليمي: "ولقد أراني (أي الطبقجلي) كتاب الكشف الذي كان ينوي تقديمه إلى وزير الأوقاف، وقد كتب في نهايته: سيادة الوزير أرجو أن تبشروا العُصاة وتعلنوا لهم أنه لا خوف من النار بعد اليوم، فقد مات خازنُها الملَك مالِك"!

 

للاستزادة:

1-  التوحيد والشرك في ضوء القرآن الكريم ـ الدكتور طه حامد الدليمي.

2-  سياحة في عالم التشيع ـ محب الدين الكاظمي.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: