فرق ومذاهب\العدد الحادي والثمانين - ربيع الأول 1431 هـ
سلسلة الأديان الشرقية 6- الشنتوية
السبت 13 فبراير 2010

 


تمهيد:
تنتشر في قارة آسيا أديان كثيرة، يطلق عليها أحيانا اسم الأديان الشرقية ومنها: الهندوسية والبوذية والسيخية والكونفوشيوسية وغيرها. وقد رأينا أن نتحدث عن أهم هذه الأديان وأكثرها انتشارا لعدة أسباب، منها:
1- أن كثيرا من أتباع هذه الأديان انتشروا في البلاد العربية والإسلامية، وخاصة في دول الخليج العربي، التي قدموا إليها للعمل أو للتجارة، فأثّروا في أبنائها، لا سيّما وأن جزءا منهم يعملون في المنازل، كخدم وسائقين ومزارعين، الأمر الذي جعلهم دائمي الاحتكاك بمن يخدمونهم ويعملون لديهم، وخاصة فئة الأطفال، حيث تهمل الكثير من الأسر المسلمة تربية أولادها، وتوكل ذلك إلى الخدم، والذين هم في الغالب من غير المسلمين.  هذا من جانب ومن جانب آخر شهدت السنوات الأخيرة قدوم عدد كبير من العمال الصينيين إلى الدول العربية والإسلامية، بالإضافة إلى تزايد توجه المسلمين نحو الصين ودول آسيا الأخرى كتايلند والهند وكوريا للتجارة والسياحة والدراسة.
2-   أن عددا من عقائد هذه الأديان تسربت إلى بعض الفرق المنتسبة للإسلام كالصوفية، كما بيّن ذلك الدكتور عبدالله نومسوك، في كتاب له عن البوذية وتأثر الصوفية بها. كما  تغلغلت بعض هذه الأفكار إلى المسلمين عبر بعض مدربي التنمية البشرية، وعبر نشر رياضة اليوغا التي تزعم الوصول بالإنسان للرقي والسمو.
3-   أنه رُصدت بعض الحالات لمسلمين تركوا دينهم واتبعوا هذه الأديان بزعم أن فيها الطهارة والصفاء والتأمل.
4- أن بعض هذه الأديان أصبحت تنتشر في أوروبا وفي الولايات المتحدة، ودول أخرى، وتجد هناك التأييد، بل وأصبح اعتناق البوذية على سبيل المثال "موضة" بين مشاهير الفن وغيرهم في الغرب، ولعل من أسباب ذلك حالة الخواء التي يعيشها الغربيون، وكذلك الإعجاب الذي يبديه العَالم للدلاي لاما، القائد الديني الأعلى للبوذيين التبتيين، والمعارض للاحتلال الصيني لبلاده، وأصبحت رموز البوذية وتماثيل بوذا تُقَدم للعالم على أنها "إرث إنساني" لا بد من المحافظة عليه ودعمه، ولعله مازال في الذاكرة القريبة شيء من ذلك فإننا لم ننسَ الضجة الكبيرة التي قامت في العالم كله في عام 2001، عندما أعلنت حركة طالبان عزمها على تدمير تمثالين عملاقين لبوذا في أفغانستان.
5- امتلاك بعض المسلمين معلومات خاطئة حول هذه الأديان من قبيل اعتقاد البعض بأن بوذا أو كونفوشيوس، نبيّان، أو أن بعض هذه الأديان سماوية.
6- تحفيز المسلمين على الدعوة إلى الله في أوساط أتباع هذه الديانات، وبذل الجهود لإنقاذهم مما هم فيه من وثنية وخرافة وشرك وعبادة غير الله.
 
6- الشنتوية
الشنتو أو الشنتوية ديانة ظهرت في اليابان منذ قرون طويلة، وما زالت إلى الآن ديانة اليابانيين، ولم تنتشر في بلد آخر. ولا يُعرف شخص مؤسس لهذه الديانة، فقد مرت بأطوار عديدة إلى أن وصلت من ضمن ما وصلت إليه تقديس إمبراطور اليابان باعتباره سليل الآلهة! أما كلمة "شنتو" فتعني: طريق الله، أو الطريق إلى الأرواح الخيّرة.
ويرى الباحثون في الأديان: أن الشنتو عبارة عن تراث اليابان وتقاليد وعادات متوارثة ، وأسلوب حياة وفيها قدر من الصرامة أكثر منها ديانة، ولها معتقداتها وتشريعاتها.
 
أهم العقائد والأفكار:
1- يُعَظِم الشنتو الشمس، وتحتل إلهة الشمس "أماتير اسو" المكانة الأرفع من بين الآلهة الأخرى التي يعظمها الشنتو، كإله القمر وإله الزراعة ... وقد أقام اليابانيون لإلهة الشمس معبداً ضخماً اعتبروه أقدس مكان في البلاد، ويقع في مدينةIse  التي تقع على المحيط الهادي، على بعد 300 كلم جنوب غرب العاصمة طوكيو.
ومن شدة تعظيم الشنتو للشمس، فقد حمل علم اليابان صورة الشمس الحمراء، للتأكيد بأن إلهة الشمس "أماتير اسو" كانت تقيم في هذه الأرض.
2- يعظم اليابانيون الشنتو إمبراطور اليابان، وهذا التعظيم نابع من تعظيمهم للشمس، إذ يعتقد الشنتو أن الامبراطور والسلالة الحاكمة في اليابان هم من نسل إلهة الشمس. وتقول الأسطورة بأن إلهة الشمس أرسلت ابنها أو حفيدها نينيجي ليحكم بلاد اليابان ويعيد إليها الأمن والسلام، ثم تزوج نينيجي من ابنة جبل فوجي  Fuji، وحفيد هذين الزوجين أصبح أول امبراطور على اليابان في سنة 660 قبل الميلاد، وعرف باسم "الميكادو" المقدس والمنزه من العيوب، وهو كائن كالآلهة لا بد أن يعبد، وشمل التقديس والتعظيم أحفاده الأباطرة إلى اليوم؛ باعتبارهم من سلالة إلهة الشمس.
وقد جاء في منشور صدر عن وزارة المعارف اليابانية في سنة 1937م القول: بأن "أرضنا بلد إلهية، يحكمها الإمبراطور، وهو إله". ومن جملة التوقير والاحترام للإمبراطور عند الشنتو أن لا تقع عين أحد على عينه، ومن يفعل ذلك يكون آثماً، وكفارة ذنبه الانتحار، وعندما يمر موكب الإمبراطور في الشوارع، فالكل ينحني والعين مقفلة، أما صوته فهو سر لا يسمعه إلاّ الصفوة من رجال البلاط.
والمرّة الوحيدة التي سمع فيها الشعب صوت الإمبراطور كانت في سنة 1945م، يوم أن أعلن الإمبراطور هيروهيتو استسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية، في أعقاب ضرب الولايات المتحدة مدينتي هيروشيما ونجازاكي بالقنبلة الذرية.
ويعتبر الشنتو أن الإمبراطور هيروهيتو، المولود في سنة 1901م، هو الحفيد رقم 124 لإلهة الشمس "أماتيراسو"، وبدأ هيروهيتو الحكم سنة 1926م، وشهدت فترة حكمه الغزو العسكري الياباني لآسيا، وهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، وازدهار اليابان كواحدة من أغنى دول العالم.
وظل هيروهيتو يُقَدس كإله حتى هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية سنة 1945م، إذ أن اليابان شهدت في فترة ما بعد الحرب تغييرات جذرية، منها إقامة نظام حكم ملكي دستوري، وانتقال السلطة المطلقة من الإمبراطور إلى الشعب الياباني، و أعلن هيرو هيتو بأنه ليس مقدساً.
وبعد موت هيروهيتو في سنة 1989م، خلفه ابنه الإمبرطور أكيهيتو، وحتى الآن، ورقمه من حيث التعداد التقليدي المعروف لأباطرة اليابان هو 125. 
3- يقدس الشنتو شيئاً يطلق عليه اسم كامي "Kami" وتترجم أحياناً إلى كلمة "إله" ويعترف علماؤهم بأن "كامي" كلمة غامضة، ولكنهم يرجحون أنها: "جميع الأشياء أياَّ كانت، التي تستحق التبجيل، وتبعث على الرهبة، لأنها فوق المألوف، وكذلك القوى الفائقة التي تملكها"، ويدخل تحت مسمى كامي: السماء والإمبراطور والوحوش والجبال والعواصف والبحار وأجداد العشيرة المحاربين... الخ.
 
4- تقديس اليابان واعتبارها أرضاً إلهية، ولذلك بقيت هذه الديانة في اليابان، ولم تنتشر خارجها، ثم الاعتزاز بالانتماء إليها، والموت في سبيلها، ولعلّ هذا هو ما جعل الطيارين اليابانيين أول من قام بالعمليات الانتحارية في الحرب العالمية الثانية، ثم أخذها الآخرون عنهم.
 
5- لا يؤمن الشنتو بحياة أخرى غير الحياة الدنيا، والموت عندهم ينتهي بجسم المتوفى إلى منطقة ملوثة، أما روح الميت فقد أطلق سراحها من قيودها المادية لتصبح مرة أخرى  جزءاً من قوى تكوين الطبيعة.
 
6- تتضمن العبادة عند الشنتو عناصر هي:
أ- التطهر، المسمّى: Harai، وهو يشمل، إضافة إلى الاغتسال، أن يلوح الكاهن بفرع من شجرة السكاكي، أو بورقة منها على رأس المتعبد.
ب- القربان: المسمّى: Shinsen، والذي يكون من الحبوب أو الشراب، أو شيئاً رمزياً في صورة غصن من شجرة السكاكي، وقد جرت العادة الآن أن يكون القربان من المال.
ج_ طقوس الصلاة: Norito، وهي تنحصر بالمطالب الدنيوية، مثل طلب مباركة محصول الأرز، الغداء الرئيسي لليابانيين، والذي يحظى بنوع من التعظيم.
د- الوليمة الرمزية: Neorai دلالة على تناول الطعام مع "كامي" إذ تتبع طقوس العبادة "وليمة رمزية" يتم خلالها تناول شرابMiki  المقدس، المصنوع من شراب الأرز المخمّر.
ويطلب بعض المتعبدين أداء الرقصة المقدسة للمعبد Kagura التي يوجد منها 35 رقصة مستمدة من أساطيرهم القديمة.
 
بين الشنتو والبوذية:
في منتصف القرن السادس الميلادي، هاجر بعض الكهنة البوذيين من كوريا والصين إلى اليابان، وحاولوا أن ينشروا البوذية فيها، وبالرغم من أنهم كان لهم تأثير في البلاط الملكي ، إلاّ أنهم فشلوا على مستوى الشعب؛ لتمسك اليابانيين بالشنتوية. وفي القرن الثامن الميلادي، استطاع راهب بوذي أن يؤثر في الشنتوية على اعتبار أن آلهتها مظاهر مجسّدة لبوذا.
لكن سنة 1868م كانت قاسية على البوذية في اليابان، ففي تلك السنة استيقظ الشعور القومي في اليابان، وبادر الامبراطور ميكي، بإصدار الدستور الإصلاحي، ثم تم إعلان الشنتو ديناً رسمياً للدولة، ثم محاولة تخليصها من التأثيرات البوذية؛ فأزيلت تماثيل بوذا من المعابد، وأوقف الكهنة البوذيون عن ممارسة وظائفهم، وكان الهدف من هذه الإجراءات توطيد الشنتوية في البلاد للاحتفاظ بعبادة الإمبراطور الميكادو.
لكن في  سنة 1877م، أعيد الاعتبار الرسمي إلى البوذية، ومنح دستور سنة 1889م المواطنين الحرية الدينية المطلقة، لكن تأثير البوذية على الشنتوية لم يكن من السهل محوه، وما تزال للآن ديانة الشنتو مزيجاً من الشنتوية والبوذية والكونفوشيوسية.
 
 
للاستزادة:
1-   ط. مفرج ـ موسوعة عالم الأديان، الجزء الرابع، ط2، 2005.
2-   موسوعة الأديان (الميسرة) إصدار دار النفائس، ط2، بيروت 2002.
3- الندوة العالمية للشباب الإسلامي ـ الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، المجلد الثاني، ط3، 1418هـ.
 
 
 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: