سطور من الذاكرة\العدد الثاني والثمانون - ربيع الثاني 1431 هـ
إخوان الصفاء يُظهرون رسائلهم
الأربعاء 17 مارس 2010

هيثم الكسواني

 

"إخوان الصفاء" جماعة سريّة باطنية، ظهرت في البصرة في القرن الرابع الهجري، وعملت على نشر عقائد الشيعة الإسماعيلية، من خلال 52 رسالة ألّفتها هذه الجماعة، وأطلقت عليها اسم: "رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء".

وبالرغم من أن الجماعة كتمت ـ في بادئ الأمر ـ معتقدها ورسائلها على عادة الإسماعيلية، إلاّ أنهم عادوا وأظهروا رسائلهم، وبثّوها في الورّاقين، ولقّنوها للناس، لكنهم كتموا أسماءهم، ويعود السبب في إظهار رسائلهم، إلى أنه في سنة 334هـ دخل البويهيون الشيعة بغداد، وسيطروا على الخلافة العباسية، وتولوا مقاليد السلطة الفعلية في العراق، وفي غيرها من البلدان؛ فتجرأ "إخوان الصفاء" على إظهار ما كان خافياً من أمرهم.

أما إطلاق هذه الجماعة على نفسها اسم "إخوان"؛ فلكون هذه اللفظة غدت في كتاباتهم مرادفاً لكلمة الباطنيين أو الإسماعيليين، وكتعبير عن التلاحم الشخصي الوثيق بينهم، وعلى حد تعبير البعض: إنه حين امتزجت الأهداف والأهواء في نفوسهم، فصاروا إخواناً في المسير والمصير.

واعتبرت "رسائل إخوان الصفا" واحدة من وسائل الدعوة إلى "الإسماعيلية" لاسيّما وأن الإسماعيليين كثيراً ما اعتمدوا على بثّ الدعاة السريين في نشر مبادئهم وأفكارهم، وفي الفترة التي ظهر فيها إخوان الصفا، كان العبيديون الفاطميون، الذين يشكّلون الحركة الإسماعيلية الأصلية، يحصدون ثمرات الدعوة، ويؤسسون دولة لهم، قائمة على مبادئ الإسماعيلية الباطنية.

محتويات الرسائل:

ألّف إخوان الصفاء 52 رسالة، شرحوا وبيّنوا فيها أفكارهم وعقائدهم الإسماعيلية، وانتصروا فيها للفلسفة، وزعموا "أن الشريعة دُنِّسَت بالجهالات، واختلطت بالضلالات، وأنه لا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلاّ بالفلسفة، وذلك لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية، والمصلحة الاجتهادية".

كما ضمّنوا رسائلهم علوماً مختلفة من رياضيات ومنطق وعلوم طبيعية وتنجيم وسحر وتصوّف، وتقوم عقيدتهم في الله، على نظرية الفيض الأفلوطونية، والتي تقول: "إن الله تعالى لمّا كان تامّ الوجود، كامل الفضائل، عالماً بالكائنات قبل كونها، قادراً على إيجادها متى شاء؛ لم يكن من الحكمة أن تُحبس تلك الفضائل في ذاته، فلا يجود بها ولا يفيضها. وقالوا: "بأنّ العقلَ هو أول موجود فاض من وجود الباري عز وجل". ثم قالوا: "بأنه فاض عن العقل: النفس، ثم المادة الأولى ثم عالم الطبائع، ثم الأجسام، ثم عالم الأفلاك، ثم العناصر..".

إذاً قامت نظرة جماعة إخوان الصفا إلى الألوهية والتوحيد على نظرية فلسفية يونانية تخالف التوحيد الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وكل الأنبياء. ولم يكن معتقد "إخوان الصفا" في النّبوة بأحسن حالاً، إذ رأوا أن النّبوة مكتسبة، وليست تكليفاً من الله، ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم خاتماً للأنبياء والمرسلين، فأعلنوا أن ثمّة صفات إذا توفرت في إنسان أصبح نبيًّا.

وأعلى إخوان الصفا من مرتبة الفلاسفة، وجعلوهم مع الأنبياء، واعتبروا كل فيلسوف كبير نبيًّا "ومن أجل ذلك؛ نراهم يجمعون بين موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وزرادشت وسقراط وفيثاغورس وعليّ والحسين في طبقة واحدة".

وأبدت رسائل إخوان الصفاء تسامحاً كبيراً مع عقائد النصرانية المخالفة لصريح القرآن "فنراهم يستشهدون بالأناجيل، وفي الاقتباس منها، مسلِّمين ضمناً بمحتواها، ومع أن القرآن يعتبر صلب المسيح تشبيهاً، نراهم يشيرون إلى هذا الصلب بعبارات توحي بالتصديق والإثبات، أما أسفار المسيح ومعجزاته فأكثر ما يوردونها كما جاءت في الأناجيل، لا كما وردت في القرآن".

وحملت نظرتهم إلى الأمور الغيبية انحرافاً واضحاً، إذ أنهم أنكروا الجنة والنار، وما فيهما من ثواب وعقاب، فاعتبروا الجنة "عالم الأرواح وسعة السماء"، والنارَ "عالم الكون والفساد"، كما أنكروا البعث والنشور والحساب واليوم الآخر، وأوّلوا هذه الغيبيات تأويلاً باطنيّاً أخرجها عن مرادها؛ بل وحقق هدفهم من الزعم بنسخ شريعة الإسلام على يد قائمهم السابع المنتظر.

التأثير الشيعي:

ويبرز التأثير الشيعي واضحاً على الرسائل، ونلمس ذلك عند التصريح بأسماء بعض أئمة الشيعة، والاحتجاج بكلام الحسين، وقد جاء في إحدى الرسائل: "وممّا يجمعنا وإيّاك ـ أيها الأخ البار الرحيم ـ محبّة نبيناعليه السلام، وأهل بيته الطاهرين، وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خير الوصيين".

ولم يحدْ إخوان الصفا عن منهج الإسماعيليين والباطنيين؛ عندما طالبوا أنصارهم بانتهاج أساليب عديدة للدعوة، ومخاطبة الآخرين بما يناسب عقولهم وأهواءهم، وقد جاء في إحدى رسائلهم: ".. ولكل طائفة منهم آراء ومذاهب هم فيها مختلفون .. فنريد أن نذكر كلّ طائفة منهم بألطف ما تقتدر عليه من الرفق والمداراة، وذاكرتهم من علمنا بحسب ما تقبله قلوبهم، وألقيت إليهم من أسرارنا حسبما تحتمله عقولهم وتتسع له نفوسهم..".

رأي الإسماعيليية في رسائل إخوان الصفا:

يطول الحديث عن رسائل إخوان الصفاء، وما حوته من طامّات وعقائد إسماعيلية، تناقض الإسلام وأركانه وأساسياته؛ ولذلك فلا عجب أن ينبري الإسماعيلية وأئمتها ـ قديماً وحديثاً ـ للدفاع عن هذه الرسائل، وتبنيها، والإعلاء من شأنها، والزعم أن من كتبها هو أحد أئمتهم؛ لأنّ من عادتهم أن يردّوا كلّ عِلم إلى أئمتهم، فقد زعم أحدهم أنّ مؤلف هذه الرسائل "أحمد بن عبد الله" خشي أن يزيغ المسلمون عن الشريعة المحمدية إلى علوم الفلسفة؛ فألّف هذه الرسائل، وجمع فيها من العلوم والحكمة والمعارف الإلهية والفلسفة الشرعية.

وزعم آخر ـ وهو زعيم الإسماعيلية الآغاخانية ـ بأنّ الإمام (وفيّ أحمد)، توجّه إليه المسلمون ليعرّفهم الفَرق بين الدِّين والفلسفة، فاستجاب لهم، وألّف رسائل إخوان الصفا في اثنتين وخمسين رسالة، وأخفى اسمه لأسباب سياسية.

ورفع الإسماعيليون من شأن الرسائل وأوصلوها إلى مرتبة القرآن وربما أكثر!! فقد قال أحد دعاتهم: "سمعت بعض العلماء يقولون: إنّ رسائل إخوان الصفاء هي القرآن بعد القرآن، وهي قرآن العلم، كما أن القرآن قرآن الوحي، وهي قرآن الإمامة وذلك قرآن النبوة" !!!

وبالرغم مما دعت إليه الرسائل من عقائد إسماعيلية باطنية، والثناء الذي كاله الإسماعيليون على الرسائل، إلاّ أنّ بعض الباحثين يرفض اعتبار إخوان الصفا جماعة إسماعيلية؛ بدعوى أنهم كانوا أقرب إلى الفلسفة منهم إلى الدِّين، وأن رسائلهم كانت خليطاً من العَلوية والباطنية والإسماعيلية والمعتزلة والنظريات الفلسفية اليونانية والمجوسية والوثنية.

وتوضيحاً لهذا الإشكال؛ يقول د. محمد الخطيب في كتابه " الحركات الباطنية في العالم الإسلامي": "فهذا في الحقيقة يؤكد بأن رسائل إخوان الصفاء إسماعيلية؛ لأنّ هذا الخليط من العقائد والفلسفات هو مصدر العقائد الإسماعيلية... إنّ اتخاذ الفلسفة أداة للدعوة موجود عند الإسماعيلية وعند إخوان الصفاء، فعن طريقها يجذبون الناس نحو ضلالاتهم".

أهم أعلامهم:

بقي القول أنه بالرغم من أن جماعة إخوان الصفا حرصت على كتمان أسماء أعضائها؛ إلاّ أنه قد عُرف منهم: زيد بن رفاعة، وأبو سليمان محمد بن معشر البستي، ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني.

 

للاستزادة:

1.    الحركات الباطنية في العالم الإسلامي ـ د. محمد أحمد الخطيب.

2.    الإسماعيلية تاريخ وعقائد ـ الشيخ إحسان إلهي ظهير.

3.    موسوعة الأديان (الميسرة) ـ إصدار دار النفائس.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: