فرق ومذاهب\العدد الثاني والثمانون - ربيع الثاني 1431 هـ
سلسلة الأديان الشرقية -7 الطاوية
الأربعاء 17 مارس 2010

تمهيد:

تنتشر في قارة آسيا أديانٌ كثيرة، يطلق عليها أحياناً اسم الأديان الشرقية ومنها: الهندوسية والبوذية والسيخية والكونفوشيوسية وغيرها. وقد رأينا أن نتحدث عن أهم هذه الأديان وأكثرها انتشاراً لعدة أسباب، منها:

1- أن كثيراً من أتْباع هذه الأديان انتشروا في البلاد العربية والإسلامية، وخاصة في دول الخليج العربي، التي قدموا إليها للعمل والتجارة؛ فأثّروا في أبنائها، لا سيّما وأن جزءًا منهم يعملون في المنازل، كخدم وسائقين ومزارعين، الأمر الذي جعلهم دائمي الاحتكاك بمن يخدمونهم ويعملون لديهم، وخاصة فئة الأطفال، حيث تُهمل الكثير من الأسر المسلمة تربية أولادها، وتوكِل ذلك إلى الخدم، وكثير منهم من غير المسلمين. كما شهدت السنوات الأخيرة قدوم عدد كبير من العمال الصينيين إلى الدول العربية والإسلامية، بالإضافة إلى تزايد توجّه المسلمين نحو الصين ودول آسيا الأخرى كتايلند والهند وكوريا للتجارة والسياحة والدراسة.

2-   أن عدداً من عقائد هذه الأديان تسربت إلى بعض الفِرق المنتسبة للإسلام كالصوفية، كما بيّن ذلك الدكتور عبدالله نومسوك، في كتاب له عن البوذية وتأثر الصوفية بها. كما تسربت بعض هذه الأفكار إلى المسلمين عبر بعض مدربي التنمية البشرية، وعبر نشر رياضة اليوغا؛ التي تزعم الوصول بالإنسان للرقي والسمو.

3- أنه في الآونة الأخيرة؛ رُصدت بعض الحالات لمسلمين تركوا دينهم واتبعوا هذه الأديان؛ بزعم أن فيها الطهارة والصفاء والتأمل !!

4- يلاحظ أنّ بعض هذه الأديان أصبحت تنتشر في أوروبا وفي الولايات المتحدة، ودول أخرى، وتجد هناك التأييد؛ بل وأصبح اعتناق البوذية ـ على سبيل المثال ـ "موضة" بين مشاهير الفنّ وغيرهم في الغرب، ولعل من أسباب ذلك حالة الخواء التي يعيشها الغربيون، وكذلك تسليط الأضواء والإعجاب الذي يبديه العالم (للدلاي لاما) القائد الديني الأعلى للبوذيين التبتيين، والمعارض للاحتلال الصيني لبلاده، وأصبحت رموز البوذية وتماثيل بوذا تقدم للعالم على أنها "إرث إنساني" لا بدّ من المحافظة عليه ودعمه، ولعلنا لم ننسَ الضجة الكبيرة التي قامت في العالم كله في عام 2001؛ عندما أعلنت حركة طالبان عزمها على تدمير تمثالين عملاقين لبوذا في أفغانستان.

5- امتلاك بعض المسلمين معلومات خاطئة حول هذه الأديان من قَبيل اعتقاد البعض بأنّ بوذا أو كونفوشيوس، نبيّان، أو أن بعض هذه الأديان سماوية.

والواجب علينا تحفيز المسلمين للدعوة إلى الله في أوساط أتْباع هذه الديانات، وبذل الجهود لإنقاذهم مما هم فيه من وثنية وخرافة وشرك وعبادة لغير الله.

7- الطاوية

الطاوية إحدى أكبر الديانات الصينية القديمة، التي ما يزال لأتباعها وجود إلى اليوم، إضافة إلى تايوان، وبعض دول آسيا، ويُعتقد أنها ظهرت في القرن السادس قبل الميلاد، وهو القرن الذي شهد ظهور ديانات عديدة كالجينية والكونفوشيوسية، أما الطاوية (وتكتب أيضاً: التاوية أو الداوية) فمعناها: المنهج أو الطريق، وكثيراً ما ارتبطت هذه الديانة بالسحر والشعوذة.

 

المؤسس:

تنسب الطاوية إلى لاو تسو (Lao tzu) الذي يعتقد أنه ولد سنة 604 قبل الميلاد، ويعني اسمه: المعلم العجوز أو الفيلسوف العجوز، وقد أحيط مولده بأسطورة تقول: إن أمه حملت به حملاً سماويّاً، وأنه ظلّ في بطنها مدة ثمانين عاماً، أو أكثر قليلاً، ثم ولدته رجلاً مسنّاً مكتملاً أشيب حكيماً.

ويتفق الباحثون أن (لاو تسو) شخصية غامضة، إن لم تكن خيالية، إذ لا يُعرف عنه إلاّ أسطورة مولده، وأنه عمل مسؤولاً في حفظ السجلات أو الأرشيف في ولايته، وأنّه قرّر ترك عمله هذا، والاتجاه نحو العزلة في منطقة التيبت، لكن البوّاب أو حارس الحدود منَعه من المغادرة في بادئ الأمر؛ بزعم أن رحيله من وطنه سيضيّع على الناس معرفة تعاليمه، وطلب منه الحارس أن يُدوّن تعاليمه ومعتقداته، فوافق (لاو تسو)، وكتب كتاباً في خمسة آلاف حرف، أو 25 صفحة، جزء كبير منها عسير الفهم !! ويسمّى هذا الكتاب "الطريق وقوته" ويترجم أيضاً إلى: كتاب العقل والفضيلة، أو: مقالة في الطاو وسلطانه، وظلّ هذا الكتاب النص الرئيسي للفكر الطاوي حتى اليوم.

 

أهم العقائد والأفكار:

كانت الطاوية في عهد (لاو تسو)، عبارة عن فلسفة؛ لكنها تحولت بعد موته إلى دين وعقيدة لها نظام عبادات، وعقيدة تؤمن بمعبودات لم يذكرها المؤسس أيام حياته قط، وفيما يلي بيان بأهم العقائد والأفكار التي تدين بها الطاوية اليوم:

1- اعتبار أن الطبيعة كلّ شيء، وأنها غير مخلوقة، إنما تلقائية أو ذاتية النشأة؛ لذا يتعلق الطاويون بالطبيعة تعلقاً كبيراً ويجعلونها النظام الذي تتبعه الفصول، وهي قانون الأشياء العادل الذي يجب أن يخضع له الناس إذا أرادوا العيش في حكمة وسلام.

2-  الوصول إلى الطريقة (الطاو) يكون بنبذ العقل وجميع مشاغله، والالتجاء إلى حياة العزلة والتقشف، والتأمل الهادئ في الطبيعة على النحو الذي يقوم به (الصوفيون) في هذه الأيام، وقلّل الطاويون من شأن العمل، لأن الفضيلة لديهم تكمن في عدم العمل، والاقتصار على التأمل، وخاصة على الجبال المقدسة عندهم، وقرب الجُزر النائية.

3- الانعزال والسلبية، وعدم الانشغال بإصلاح أوضاع الناس والمجتمع، وكان (لاو تسو) يرى أنه إذا كانت الدولة مضطربة مختلة النظم؛ فخير ما يُفعل لها ألاّ يحاول الإنسان إصلاح أمورها؛ بل أن يجعل حياته أداء منظماً للواجب الذي عليه أن يؤديه، وأن الإنسان ينال من الفوز والنصر، بالصبر والسكون؛ أكثر مما يناله بالجهد والعمل.

4- تطور اعتقاد الطاويين في مؤسسهم عبر قرون عديدة ، فقالوا بأنه معلم سماوي، واعتبروه إلهاً وعبدوه، وزعموا أنه خلّف لهم "إكسيراً" يهب صاحبه الخلود. وأقبلوا بإسراف على تناول هذا الشراب الذي ظنوا أنه يمنحهم الخلود، فأدّى إلى موت كثيرين منهم.

5- شُغلت الصينيين منذ القدم فكرةُ إطالة العمر، واعتبرها الطاويون دليلاً على القداسة، وذهب بعضهم إلى ادّعاء إمكانية إطالة العمر لمئات السنين، وأفضل الخالدين - في نظرهم – هم الذين يصعدون إلى السماء في وضح النهار، وهذا الخلود يمكن أن يتم بوساطة تدريبات رياضية وجسدية وروحية.

6- لا يؤمن الطاويون بالبعث والحساب، إنما يكافأ المحسن بالصحة وبطول العمر، بينما يجازى المسيء بالمرض والموت المبكر.

7- ارتبطت الطاوية بممارسة السحر والشعوذة، إذ كان بعض رجال الدِّين يعرضون على الناس أن يشفوهم من الأمراض بطلسم صغير، يعطونهم إياه مقابل خمس حفنات من الأرز، ومن لم يُشف من هذه الأمراض، ولم يستفد من الطلسم؛ يقال له: إن ذلك بسبب ضعف إيمانه، ومع مرور الزمن؛ صار الطاويون يخافون السحر والكهان الذين ادّعوا أن لهم سلطاناً على الأرواح الشريرة، ثم عبد الطاويون الفئران والثعابين والتنين ومصاصي الدماء، وزاد اعتقادهم بالشياطين والجنّ وكلّ أرواح الشرّ، واعتقدوا أنّ أسوأ أرواح الشرّ موجودة في الجبال.

8- لا يستطيع المرء أن يدخل بيوت الطاويين في الصين؛ إلاّ إذا مرّ في ممرات ملتوية متعرجة، أو إذا صادف أشجاراً كثيفة؛ لاعتقادهم بأن الأشجار أو الممرات المتعرجة هي التي تصدّ الشياطين والجنّ والأرواح الشريرة عن دخول البيت.

9- كان للطاويين دور في تطور علم الكيمياء؛ بسبب بحثهم الدائم عن إكسير الحياة، ومعرفة سر الخلود وإطالة العمر، ومحاولاتهم – التي أرضت الإمبراطور – لتحويل المعادن إلى ذهب.

10-       تمجيد الحياة البسيطة والبدائية، وعدم مواكبة التطورات، ففي قول (لاو تسو): "إن الطبيعة قد جعلت حياة الناس في الأيام الخالية بسيطة آمنة، فكان العالم كله هنيئاً سعيداً، ثم حصل الناس المعرفة؛ فعقّدوا الحياة بالمخترعات، وخسروا كلّ طهارتهم الذهنية والخلقية"، وفي قول آخر له: "ليكن لدينا بلد صغير، فيه عدد قليل من السكان، ودع الناس يعودن لاستخدام حبال العقد .. دعمهم يحصلون على طعامهم الحلو، ولباسهم الجميل، وبيوتهم المريحة، وأعمالهم الريفية المبهجة".

11-       ثمة من يرى أن الطاويين يعتبرون الموت والحياة بمثابة دورات يكمّل أحدهما الآخر، وأنّ الذي يموت إنما يذهب ليرتاح بين الأرض والسماء، وأنّ البكاء والعويل على الميت؛ إنكار لقانون الطبيعة السائد، يقول تشوانغ تسو (Chuang Tzu):

ها هي الكرة الأرضية

أساس وجودي المادي

أثقلتني بالعمل والواجبات

وستعطيني الراحة في آخر العمر

وتعطيني السلام في الموت

لأنّ الذي منحني ما أحتاجه في الحياة

سيعطيني ما أحتاجه في الموت.

 

12-                     نبذ الحرب والعنف، لذلك جعل الطاويون الجندي في قاع المجتمع.

13-       يرى البعض أن نظرة الطاويين للإله تقوم على أنه ليس بصوت ولا صورة ، أبدي لا يفنى، ووجوده سابق وجود غيره، وهو أصل الموجودات، وروحه تجري فيها. ويؤمن الطاويون بوحدة الوجود، أي أن الخالق والمخلوق شيء واحد لا تنفصل أجزاؤه؛ وإلاّ لاقى الفناء، كما أن نظرتهم للإله قريبة جداً من مذهب الحلولية الذي يقول: إن الإله يحلّ في كلّ الموجودات، وأن الخالق لا يستطيع أن يتصرف أو يعمل إلاّ بحلوله في الأشياء.

 

 

 

بين الطاوية والكونفوشيوسية:

شهدت الطاوية فترات من الإزدهار، وظلّت ناشطة في الصين مدة ألف عام؛ لكنها واجهت منافسة من البوذية، وفي العصر الحديث، وجدت الطاوية تضييقاً من الثورة الشيوعية التي قامت في الصين في سنة 1949م، شأنها شأن الديانات الأخرى، فهاجر الكثير من معتنقيها إلى تايوان، وقد كان بعض أسلافهم هاجر إليها في القرنين السابع عشر والثامن عشر؛ فانبعثت هذه الديانة من جديد، وظهرت المعابد الطاوية الضخمة في تايوان، كمعبد (شهنان) قرب العاصمة تايبيه، والذي يضم تمثال (لو يونغ ين) الذي تقمصته روح إله الطاو كما يزعمون، وإضافة على الصين وتايوان، وتوجد فئات طاوية في بعض مناطق ماليزيا وسنغافورة وتايلند.

كما واجهت الطاوية منافسة من الكونفوشيوسية، التي أصبحت ـ وللآن ـ الديانة الرئيسة للصينيين، والتي سنتحدث عنها في العدد القادم من هذه الزاوية؛ إن شاء الله.

 

للاستزادة:

1-   ط. مفرج ـ موسوعة عالم الأديان، الجزء الرابع، ط2، 2005.

2-   موسوعة الأديان (الميسرة) إصدار دار النفائس، ط2، بيروت 2002.

3-  الندوة العالمية للشباب الإسلامي ـ الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، المجلد الثاني، ط3، 1418هـ.

4-   د. هوستن سميث، أديان العالم ـ تعريب سعد رستم.

 

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: