سطور من الذاكرة\العدد الرابع والثمانون - جمادى الآخرة 1431 هـ
المولوية تحتفي بالمعتمد البريطاني
الأحد 16 مايو 2010

هيثم الكسواني

 

تعتبر المولوية من أشهر الطرق الصوفية، وتنتشر بشكل خاص في تركيا وسوريا، وتنسب إلى جلال الدين الرومي، المولود في سنة 604هـ، (1207م)، والمعروف عند أصحابه باسم "مولانا" أو "مولوي"، وقد توفي الرومي في سنة 672هـ (1273م).

وتشتهر هذه الطريقة بالرقص والغناء واستعمال الناي، بحيث يدور الراقصون لمدة ساعات طويلة حول مركز الدائرة التي يقف فيها الشيخ، زاعمين أن رقصهم وعزفهم هذا يرتقي بنفوسهم ويوصلهم إلى الله، بل والاندماج معه سبحانه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً([1]).

ولم يستطع المولويون التخلي عن رقصهم وعزفهم، حتى في الظروف الصعبة والحالكة التي تواجهها الأمة، فعندما احتلت بريطانيا وفرنسا الكثير بلاد المسلمين في العصر الحديث، ومنها بلاد الشام، كانت بعض فرق الصوفية غارقة في أذكارها وكأن شيئاً لم يحدث, وظلت المولوية على رقصها وعزفها، لكن الرقص الذي زعموا أنه يقربهم إلى الله تحول إلى احتفاء بالاحتلال ورجالاته، بدلا من محاربته.

فقد أقام الصوفيون للمعتمد البريطاني لدى سورية الجنرال (سبيرس) حفلة (ذكر) على طريقة المولوية دعاه إليها الشيخ هاشم العيطة، شيخ الطريقتين السعيدية والبدرية في دمشق، حيث أنشدت الأناشيد وفتلت المولوية, ثم خطب صاحب الدار باسمه واسم إخوانه مثنياً على رئيس الجمهورية والملك جورج السادس، ملك بريطانيا، والمستر تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا، والجنرال سبيرس, فأجاب الجنرال شاكراً([2]).

لم يكن احتفاء المولويين بالاحتلال ورموزه في دمشق حادثا معزولاً أو فردياً، بل كانت تلك سنّتهم منذ عهود مبكرة، وتحديدا منذ عهد مؤسسهم، جلال الدين الرومي، الذي عاش في فترة حرجة ودقيقة من التاريخ الإسلامي تمثلت باجتياح المغول للعالم الإسلامي، وتدمير عدد من بلدانه وقتل الملايين من أهله المسلمين، وإسقاط الخلافة العباسية في سنة 656 هـ، وتدمير عاصمتها بغداد.

ولم يقف الرومي  ـ وهو يعيش يومئذ هذه الأحداث الجسام ـ في صف المسلمين الذين لحقهم من أذى وبطش المغول الشيء الكثير، بل اختار أن يقف في صف أعداء الأمة ويحتفي بهم، وتذكر المصادر التاريخية أن العلاقة بين المغول وبين الصوفية بشكل عام كانت طيبة، وعندما استولى المغول على بلاد المسلمين لم يتعرضوا لتكايا الصوفية أو علمائهم بسوء، ذلك أنهم كانوا قد عرضوا خدماتهم على المغول مسبقا([3]).

وتوطدت علاقة المولويين بالمغول بعد لقاء جلال الدين الرومي بالقائد المغولي بايجو نويان في قونية([4])، وكان المغول يصادرون من الناس بيادر القمح، ويستثنون ما كان للرومي أو لأقربائه وأتباعه([5]). وفي عهد الاحتلال المغولي لبلاد المسلمين، برزت عدة شخصيات مولوية من أمثال معين الدين سليمان البروانة، وتاج الدين المعتز، ونور الدين جاجا، والأتابك مجد الدين، وفخر الدين علي "كلهم يأتمرون بأمر المغول ويوالونهم الولاء الكامل"([6]).

وصدرت من زعيم المولوية، جلال الدين الرومي، عدة عبارات تثني على المغول وصنيعهم باحتلال بلاد المسلمين وإسقاط دولة الخلافة، بسبب الكره الذي كان يكنّه للخلافة، ولدولة السلاجقة الموالية لها، شأنه في ذلك شأن الشيعة الذين شجعوا المغول على غزو بلاد المسلمين، وهوّنوا للخليفة العباسي أمرهم، ونصحوه بالاستسلام، وتعاونوا على قتله، بعد أن كانوا قد أضعفوا جيش المسلمين، وسرّحوا معظمه([7]).

يقول جلال الدين الرومي: "كان المغول يوم جاؤوا هذه البلاد عراة، مراكبهم الثيران، وأسلحتهم من خشب، أما اليوم فقد تعالوا ، يملكون أعرق الخيول العربية، وخير الأسلحة لديهم.. قد أعانهم الله يوم كانوا في حالة من الضعف، يوم كانت قلوبهم منكسرة وأجسامهم هزلى، فتقبل الله تضرعاتهم(!).. لم ينصرهم الله ويُعلي أمرهم لقوتهم في أنفسهم، بل بعون منه ما جعلهم الأعلين،.."([8]).

وبلغ من مودة الرومي للمغول أنه كان يسمي عساكر المغول بعساكرنا، كما صلّى حفيده عارف جلبي بمريديه صلاة الغائب على سلطان المغول، غازان خان، وكان لا يستحي أن يسميه سلطانا عادلاً([9]).

وكان عارف هذا يبرر مودته للمغول بعقيدته الجبرية المنحرفة بقوله: "نحن دراوشة، نظرنا مربوط بإرادة الله، فمن أراده الله وأعطى المملكة له، فنحن معه ونرغب فيه، ويريد الله الآن عساكر المغول"([10]).

 

للاستزادة:

1-     محمد العبدة وطارق عبدالحليم، الصوفية نشأتها وتطورها، ط 4، (نسخة الكترونية).

2-     أبو الفضل القونوي، أخبار جلال الدين الرومي ووقفات مع ترجمته في كتاب رجال الفكر والدعوة في الإسلام، ط 1، 2000.

3-     مقال: الطريقة المولوية، الراصد نت، على الرابط: http://alrased.net/site/topics/view/575/المولوية

 



[1] - انظر المزيد عن المولوية وعقائدها وطقوسها: مقال "الطريقة المولوية"، الراصد نت، على الرابط:  http://alrased.net/site/topics/view/575/المولوية

[2]- الصوفية نشأتها وتطورها، لمحمد العبدة وطارق عبدالحليم، نقلا عن: يوميات الخليل، لخليل مردم بك.

[3] - أخبار جلال الدين الرومي لأبي الفضل القونوي، ص 81.

[4] - مدينة في جنوب غرب تركيا. وكانت فيما مضى عاصمة السلاجقة قبل الغزو المغولي.

[5] -  أخبار جلال الدين الرومي للقونوي، ص 83.

[6] - المصدر السابق ص 84.

[7] - للمزيد عن دور الشيعة في إسقاط الخلافة العباسية ومساعدة المغول: أصول مذهب الشيعة للشيخ الدكتور ناصر القفاري، ج3، ص 1469، أو الرابط التالي:

http://saaid.net/Doat/Zugail/336.htm

[8] -  أخبار جلال الدين الرومي، ص 102، نقلا عن كتاب "فيه ما فيه" للرومي.

[9] -  أخبار جلال الدين الرومي، ص 123.

[10] -  المصدر السابق ص 121.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: