فرق ومذاهب\العدد الرابع والثمانون - جمادى الآخرة 1431 هـ
البوتشيشية
الأحد 16 مايو 2010

حسني عويدات - الباحث بمركز التنوير للدراسات الإنسانية


أصل تسميتها ونسبتها:

سميت هذه الطريقة بالبوتشيشية نسبة إلى مؤسسها العباس البوتشيشي، والبوتشيشي نسبة إلى التشيش، وهو طعام من القمح المجروش. وتحكى في سبب التسمية قصة عجيبة مفادها: أن المختار والد العباس، زار شيخه أبا مدين الجزائري ضمن مجموعة من المريدين، فقدم لهم الشيخ طعام التشيش في قصعة كبيرة، فجعلوا يأكلون حتى شبعوا، وامتلأت بطونهم، فأمرهم الشيخ بمواصلة الأكل، فلم يمتثل الأمر –حسب زعمهم- إلا المختار الذي استمر يأكل حتى انتهى ما في القصعة من التشيش، ولما كان الصباح، وأرادوا أن يودعوا شيخهم هذا، طلبوا منه دعوة صالحة، فقال لهم: معشر الأبناء: السر الذي كان عندي انتقل إلى المختار بوتشيش! ومن ذلك اليوم عرف بهذا اللقب، وعرفت الطريقة التي أنشأها ابنه بعد ذلك بالطريقة البوتشيشية.


نشأتها ومؤسسها وأشهر علمائها:

نشأت هذه الطريقة في منتصف القرن الماضي، في موقع على مقربة من قرية يطلق عليها: مداع بحوالي أربعة كيلومترات، من جهة الحدود المغربية الجزائرية؛ وترجع هذه الطريقة في أصلها إلى الطريقة العليوية، وهي طريقة في الجزائر، متفرعة عن الطريقة القادرية.

مؤسسها: هو العباس بن المختار القادري البوتشيشي، ولد في بداية القرن الرابع عشر للهجرة تقريباً. وكان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، الأمر الذي يعطي تصوراً واضحاً عن هذه الطريقة التي احتوت على كثير من الجهالات، والضلالات، والحماقات.

عقيدته:  أما عقيدته فهي حلولية، حيث يؤمن بأن الله يحل في بعض خلقه. وأتباعه يعتقدون أن الله – تعالى عما يقولون علواً كبيراً - يحل في شيخهم؛ ويستدلون على هذه العقيدة الكفرية بقصة إبراهيم عليه السلام مع الأفلاك، التي ذكرها الله في القرآن الكريم، فيزعمون أن قوله عليه الصلاة والسلام: (هذا ربِّي)، أي: حل فيه، وقوله تعالى: (فلما أفل)، أي: زال. وعلى هذا فإنهم يعتقدون أن الله يحل في شيخهم في بعض الأوقات، فيخرون عند ذلك للشيخ سجداً، ويقولون: هذا الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيرا.

وفاته، وخليفته: توفي العباس البوتشيشي في منتصف ذي الحجة عام إحدى وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة، عن اثنتين وثمانين سنة كما على اللوحة المكتوبة على ضريحه بزاويته في مداع. وقد خلفه على مشيخة هذه الطريقة: ابنه حمزة، شيخ الطريقة الحالي، المولود في حدود 1329-1330هـ، والذي حمل لواء الصد عن الكتاب والسنة بعد أبيه. قال الدكتور محمد المغراوي: "وما يزال ابنه يحمل راية الضلال، وينهب ويسلب أمول الناس باسم هذا الضلال الذي عشش وفرخ في كثير من البلاد المغربية".

وقد تولى حمزة المذكور مشيخة الطريقة عام: 1971م، وقام بتطوير الطريقة شكلاً، حيث زاد في بعض أورادها الفردية والجماعية، وأخذت الطريقة في عهده نهجاً آخر في التوسع والانتشار خلافاً لما كانت عليه في عهد أبيه، حيث صار جل المريدين المنتسبين إليها شباباً، أكثرهم من الجامعيين. ومن شروط طريقته: الخضوع الكامل للشيخ، واستشارته في كل الأمور، حتى الشرعية منها الثابتة بالنصوص القطعية، فلا يقوم المريد بذكر، أو قراءة قرآن، أو حج، أو عمرة إلا بإذن الشيخ، كما لا يباشر أمراً من أمور دنياه: من زواج، أو طلاق، أو سفر، أو التحاق بوظيفة، أو تركها إلا بإذن من الشيخ أيضاً، والإذن الذي اشترطه حمزة البوتشيشي في طريقته هو بمثابة صلاة الاستخارة عند المسلمين.

ويزعم حمزة أنه شيخ مربٍّ، وأن اتّباع الشيخ المربي أمر محتم واجب، لأن النبوة ختمت بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبقي يحملها أهل الله، ومنهم القطب الرباني، الذي هو الشيخ المربي؛ كما أحدث حمزة اصطلاحاً جديداً يحمل عقيدة جديدة، وهذا الاصطلاح الجديد هو: "الشيخ الحي" ومعناه أنه لا ينكر الطرق الصوفية السابقة كالتجانية، والدرقاوية، وغيرها، لكن لابد من التخلي عنها عند ظهور الشيخ الحي. وقد استخرج حمزة من اسمه المكون من أربعة أحرف أربعة معاني، كل معنى نزله على حرف من تلك الحروف، حتى يتمكن من إحكام القبضة على تلك القطعان من المريدين السذج الذين يتلقون بالقبول كل ما يلقيه إليهم:

فحرف الحاء يعني: احترام.

وحرف الميم: امتثال.

وحرف الزاي يعني: زيارة.

وحرف التاء يعني: ثبات.

ولا يخفى ما في حمل تلك الحروف على تلك المعاني من التكلف، الذي هو السمة الغالبة على الطرقيين المخرفين!

والجدير بالذكر أن المصدر التشريعي الأساس الذي يأخذ منه حمزة شريعته الصوفية هو كتاب الإبريز، الذي أملاه عبدالعزيز الدباغ على تلميذه أحمد بن المبارك؛ وعلى حد وصف الشيخ المغراوي، فهذا الكتاب (هو مخبأة للشرك والبدع، فمن أراد الوقوف على كتاب المشركين فعليه بهذا الكتاب).

 

انتشارها وأبرز انحرافاتها وآثارها:

أما فيما يخص انتشارها؛ فإن عدواها قد عمت كل مناطق المغرب، لكن أكثر كثافتها إنما هي في الرباط وسلا والدار البيضاء ومكناس وفاس، بل إن عدواها انتقلت إلى خارج المغرب أيضاً، حيث يوجد لها مراكز في كل من فرنسا وبلجيكا وألمانيا وكندا وغيرها.

أما أبرز انحرافاتها التي انفردت بها عن بقية الطرق مع موافقتها في غيرها، فمنها:

أ - ضرورة استحضار صورة هذا الشيخ عند قراءة تلك الأذكار والأوراد المخترعة، الأمر الذي أدى بالمريدين البوتشيشيين إلى اتخاذ صور فوتوغرافية لهذا الزنديق، ووضعها أمامهم أثناء الذكر! لأنه –حسب زعمهم - لا يحصل التوجه من المريد إلى الله إلا بوضع صورة الشيخ الفوتوغرافية أمامه.

ب - أن شيخ الطريقة الحالي: حمزة، لا يحضر جمعة ولا جماعة.

ج - القضاء المبرم على عقل المريد المنتسب لهذه الطريقة، وإلغاء التفكير لديه تماماً، وذلك أن الشيخ إذا جاءه شخص جديد يسأله عن الطريقة، فلا يزيد عن أن يقول له: (أن تسلم لما ترى، وأن تبعد عقلك، وأن تلزم ورداً فترى عجباً)، ويصف طريقته هذه بقوله: (هذه طريق الحال، لا تعرف بالمقال، ولا تدرك بالأعمال، هي من فيض الله)!!

د - غلو المريدين في شيخهم، بشكل يختلف عن غلو كل مريدي الطرق الأخرى في أشياخهم، بحيث يتسابقون على شرب الماء الذي يغسل به يديه تبركاً به، أما إذا قص بعض شاربه أو لحيته، فإنهم يتبركون بشعره، بل يضعه بعضهم في محفظته ليحتفظ به، وإذا وقف بدأ الصياح، والعويل، والبكاء، والركوع والاهتزاز، وأحياناً السجود والتلفظ بكلمات مثل قول بعضهم: سيدنا محمد يتجلى في الشيخ. ولهم في إطرائه عبارات؛ كقول بعضهم: رأيت في الشيخ أنواراً قوية. وقول الآخر: لما قبلت يده سمعتها تقول: لا إله إلا الله.

أما عن آثار هذه الانحرافات فهي من الوضوح بمكان، ولو لم يكن فيها إلا القضاء المبرم على العقل الإنساني، لكان ذلك كافياً في الفساد، وما أدري كيف تنهض أمة ودّع أهلها عقولهم وأبانوها بينونة كبرى، وألغوا تفكيرهم، ورضوا بشرب بقايا غسل يدي آدمي لا يحفظ لله حرمة، ولا يقيم له فرضاً ولا نفلاً، بل كيف ترقى أمة آلاف أفرادها إنما يسيرون بعقل رجل واحد؟! فلا يقومون بعبادة، أو زواج، أو سفر، أو مباشرة وظيفة، ولا يضعون لبنة على أختها إلا بإذنه، بل إنهم يتركون وظائفهم تنفيذاً لأوامره وهومتسلط على الرقاب باسم الولاية! ألا تباً لولاية من هذا القبيل، وعلى هذه الشاكلة!! وتباً لتلك العقول التي رضيت بمثل ذلك الاستعباد والاسترقاق والتسلط المشين، وتباً لتلك النفوس التي أخلدت إلى الهوان ورضيت به!

 أشهر رموزها اليوم:

إن أشهر أتباع هذه الطريقة إنما ينتسبون إلى العلم والثقافة بمعناهما العصري البعيد عن العلم والثقافة المبنية على الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح لهما، ومن هؤلاء:

1- عبدالسلام ياسين:  زعيم "جماعة العدل والإحسان"، وقد مر في حياته باضطرابات فكرية وعقائدية، حيث عاش ردحاً يعظم الفكر المادي الملحد، المؤله للعقل: كفكر فرويد وماركس، وفجأة ينتقل إلى نحلة أخرى مناقضة لها تمام المناقضة، وهي التصوف الغالي، الذي لا أثر للعقل فيه البتة!!

والنحلة الأولى بمثابة العدو المكشوف، المعلن للأمة بعداوته، أما النحلة الثانية فإنها بمثابة العدو الذي يلبس لباس الصديق الحميم، وحقده على الأمة أشد من كل حقد، وخطره عليها أشد من كل خطر؛ لأنه يهدد حصونها من الداخل. وقديما قيل: احذر عدوك مرة، واحذر صديقك ألف مرة. ومما يدل على خطورة التصوف الغالي، قول عبد السلام ياسين نفسه: (واطلعت في تجارب اليهود والنصارى الروحية، ثم رجعت   إلى كتب الصوفية أستقصيها، وأنشد المفتاح الذي يفتح باب المعرفة، فوجدت أنهم –يعني الصوفية- مجمعون على أنه: (من لا شيخ له فلا مدخل له في أمرنا هذا).. وكنت أنظر فيما كتبه بعض فطاحل العارفين بالله، فلا أطيق الاستمرار في قراءته لغرابة ما ينطقون.. حتى إذا أراد الله أن يتم علي نعمته، لقيت على غير ميعاد رجلاً لم أكن أعرفه، نطق من دون أن أستنطقه، وأخبرني بأن ما كنت أطلبه موجود، وأن الشيخ المربي في البلاد على قيد أنملة ممن كان يائساً من وجود شاذلي أو جيلي في هذا العصر! كنت قرأت كتباً، وقارفت من هذه الثقافات الأجنبية، وكانت العقلانية الماركسية الفرويدية مرتعاً لنشاطي الفكري منذ أمد بعيد، تعيش بل تعشش في ذهني، ولم تكن العقلية العقلانية تفتت أثناء أزمتي في البحث على الحقيقة، لذا دخلت طريق القوم أحمل معي أوزار عادات جاهلية، وعبء أوهاق ثقافية تأله العقل، وأخذ علي العهد الصوفي مقدم الطريقة).

وقد لخص الشيخ محمد المغراوي - مصادر التلقي عند ياسين في الأمور التالية:

1- الفكر الرافضي الشيعي.

2- فكر الحلاج المقتول على الزندقة.

3- فكر ابن عربي الحاتمي شيخ القائلين بوحدة الوجود.

4- فكر الشعراني صاحب الطبقات التي حشاها بكل تخريف وهذيان.

5- فكر الدباغ ومضحكاته وكفرياته التي حشا بها كتابه الإبريز.

6- فكر التجاني الذي جمع ضلالات المتصوفة الأولين والآخرين، وزاد عليها ما لا يخطر على خيال متخيل.

ولا صحة لترك عبد السلام ياسين الطريقة البوتشيشية. كما جاء في "الإحسان الرجال": ص12، قال ما لفظه: (الآن أعود إلى الموضوع، لا لأتبرأ من الصوفية كما ألح علي بعضهم. ولا لأتحمل تبعات غيري، لكن لأقول كلمة الحق التي لا تترك لك صديقاً)!، وقد كانت كتب ياسين خدمة للبوتشيشيين لم يقدم لهم أحد مثلها.

 

2- د. أحمد لسان الحق: أستاذ جامعي بكلية الآداب بالرباط.

3- د طه عبدالرحمن: أستاذ جامعي بكلية الآداب بالرباط أيضاً.

4- أحمد التوفيق: مدير معهد الدراسات الأفريقية بالرباط أيضاً.

5- بالعكيدة عبدالرحمن: خريج كلية الحقوق بالدار البيضاء، ومقدم إحدى الزوايا البوتشيشية الخمسة بها.

6- أحمد بنيعيش: خريج دار الحديث الحسنية بالرباط!

7- الدكتور أحمد قسطاس: المدير المسؤول عن مجلة المريد.

 



 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: