فرق ومذاهب\العدد الخامس والثمانون - رجب 1431هـ
سلسلة رموز الفكر العلماني المعاصر (1) نصر أبو زيد
الثلاثاء 15 يونيو 2010

أسامة الهتيمي

خاص بالراصد
يعد نصر حامد أبو زيد، الأستاذ السابق بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة، وبجدارة نموذجا فجا للعلماني الذي لم تقتصر مواقفه عند حد معاداة الرؤية الإسلامية فحسب، بل امتد ذلك إلى الانقضاض على الثوابت الإسلامية في محاولة لتشويهها والنيل منها مستغلا في ذلك اعتبارات عديدة منها القصور العلمي لدى قطاع كبير ممن وجه لهم خطابه وهو ما لم يمكنهم من كشف زيفه والرد على مزاعمه ومنها أيضا استعداد البعض من هؤلاء لتصديق وتبني ترهاته التي صادفت داخلهم رغبة وهوى.  
وبنفس القدر فإن نصر أبو زيد وأترابه يجسدون حالة من الانتهازية التي يتسم بها الكثير من المثقفين العلمانيين الذين حاولوا وبشكل مسف أن يستغلوا ظروفا وأوضاعا خاصة خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، إذ  توترت العلاقة فيما بين السلطات المصرية وبعض الجماعات الإسلامية بعد أن تصاعدت حدة العمليات المسلحة بين الطرفين فسعى هؤلاء المغرضون وبكل ما يملكون إلى التكثيف من ترديد افتراءاتهم وأكاذيبهم بدعوى أن ذلك من باب حرية الرأي والتعبير.
النشأة والبداية  
تعود الجذور المكانية لنصر حامد أبوزيد إلى محافظة الغربية – شمال مصر – حيث ولد في إحدى قرى مركز طنطا في العاشر من يوليو عام 1943 لأسرة ريفية فقيرة وهو ما حرمه في بادئ الأمر من استكمال تعليمه الجامعي فلم يحصل إلا على مؤهل متوسط عام 1960 (دبلوم المدارس الثانوية الصناعية قسم اللاسلكي) ليعمل بعد التخرج كعامل فنى لاسلكى بهيئة الاتصالات السلكية واللاسلكية وهو ما أعانه فيما بعد على استئناف تعليمه مرة أخرى والحصول على "ليسانس" اللغة العربية من كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1972م بتقدير ممتاز.
كان التقدير الذي حصل عليه نصر أبوزيد سببا في اختياره معيدا بنفس القسم ودافعا لأن يستكمل دراسته العليا فحصل على درجة الماجستير عام 1976م عن دراسته "الاتجاه العقلي في التفسير.. دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة" ثم حصل على درجة الدكتوراه عام 1982م  عن دراسته "دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي" ليترقى عام 1987 لدرجة أستاذ مساعد.
لفتت مؤلفات وكتابات نصر أبو زيد انتباه الغربيين وأشياعهم من العلمانيين والماركسيين قبل أن يلتفت إليها العلماء والدعاة المسلمون في مصر والعالم العربي، وهو ما دعا هؤلاء إلى تكريم الرجل ومنحه العديد من الأوسمة والشهادات ففي عام 1976 – 1977م حصل نصر أبو زيد على منحة دراسية في الجامعة الأمريكية من مؤسسة فورد كما حصل على منحة دراسية من مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية في الفترة من عام 1978 وحتى 1980م كما حصل على جائزة عبد العزيز الأهواني للعلوم الإنسانية من جامعة القاهرة 1982م.
ضجة أبو زيد
لعل سنوات التسعينات من القرن الماضي تمثل مرحلة جديدة في تاريخ نصر أبو زيد حيث شهدت تلك السنوات ضجة ومعركة ثقافية وفكرية وقضائية كان هو محورها وقد انتهت بنفيه من البلاد والتفريق بينه وبين زوجته عام 1995م وذلك بعدما ثبت لدى المحكمة أن كتاباته تعد خروجا صريحا على الثوابت الإسلامية وتجاوزا  لكل حدود الاجتهاد.
وتعود قضية نصر أبو زيد إلى عام 1993م حينما تقدم إلى لجنة الترقيات بالجامعة ببعض أبحاثه للحصول على درجة "الأستاذية" وهي اللجنة التي كانت تضم عددا من أساتذة اللغة العربية من بينهم الدكتور عبد الصبور شاهين، الداعية الإسلامي المعروف وأستاذ علم اللغة بكلية دار العلوم.
ما إن اطّلع الدكتور شاهين وأعضاء اللجنة على أبحاث نصر أبو زيد حتى صدمتهم صدمة كبيرة حيث رأى الدكتور شاهين أنها تتصبب كفرا وخروجا على الإسلام وهو ما جعله يسرع بكتابة تقريره العلمي الذي يرفض فيه حصول نصر أبو زيد على الدرجة بل ويطالبه بأن يتراجع عن هذه الأفكار وهو ما وافق عليه أغلب أعضاء لجنة الترقيات.  
كان يمكن أن تنتهي فصول القضية عند هذا الحد لكن العلمانيين وجدوا ضالتهم في هذا التقرير الذي اعتبروه فرصة يعبّرون من خلاله عن حقدهم الدفين على الإسلام وتعاليمه فصبوا جام غضبهم على علماء الإسلام ودعاته واصفين إياهم بالإرهابيين والمتطرفين والمكفّرين.
"ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" فالحملة الإعلامية التي أشعلها العلمانيون وبعض السطحيين والجهلاء من الصحفيين استفزت مشاعر الكثير من المسلمين الذين رأوا أنه لابد من اتخاذ موقف حاسم من أصحاب هذه الأفكار الخارجة الذين وصل بهم التحدي إلى تدريسها للطلاب المسلمين في الجامعة فسارعوا إلى مقاضاة نصر أبو زيد والمطالبة بالتفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس من منطلق أنه لا يجوز زواج غير المسلم بامراة مسلمة.
وبعد صراع وسجال فكري دام لسنوات قضت المحكمة بنفي نصر أبو زيد خارج البلاد والتفريق بينه وبين زوجته في إشارة قوية إلى أن ما تضمنته كتب نصر أبو زيد لم يكن من قبيل حرية الفكر والاعتقاد كما ادعى وأنصاره حيث اشتملت على مخالفات لصريح القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة كما تناقضت مع العقل والمنطق والمنهج العلمي.
بعدها انتقل نصر أبو زيد للإقامة في هولندا ليعمل أستاذا للدراسات الإسلامية بجامعة ليدن.
مؤلفاته وأعماله
ولنصر أبو زيد الكثير من المؤلفات بلغات متعددة، فمن المؤلفات باللغة العربية:
- مفهوم النص دراسة في علوم القرآن
- الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية
- إشكاليات القراءة وآليات التأويل
- نقد الخطاب الديني
- المرأة في خطاب الأزمة
- البوشيدو (ترجمة وتقديم)
- الخلافة وسلطة الأمة (تقديم ودراسة)
- النص السلطة الحقيقة (مجموعة دراسات ومقالات نشرت خلال السنوات السابقة)
- دوائر الخوف قراءة في خطاب المرأة
- الخطاب والتأويل
- التفكير في زمن التكفير
- القول المفيد في قضية أبو زيد
- هكذا تكلم ابن عربي
 
أما باللغة الإنجليزية:
1. Reformation of Islamic Thought: A Critical Historical Analysis. Amsterdam: Amsterdam University Press, 2006.
2. Rethinking the Qur"an: Towards a Humanistic Hermeneutics. Utrecht: Humanistic University Press, 2004.
3. Voice of an Exile: Reflections on Islam (with Esther R. Nelson). New York: Praeger Publishers, 2004.
Stuttgart 2006, (Review)
كما نشرت له عدة كتب ومقالات بالألمانية والهولندية والفرنسية والإندونيسية والفارسية والتركية.
مدرسته وتلامذته
المتأمل في كتابات وأطروحات نصر أبو زيد يلمح وبسرعة كبيرة مدى تأثره بكل من الشيخ أمين الخولي والدكتور محمد أحمد خلف، اللذين كانا يدرسان بنفس القسم بكلية الآداب واللذين أثارا بكتاباتهما أيضا الكثير من الإشكاليات الفكرية في وقتهما بل إنه يمكن القول بأنه تأثر جملة وتفصيلا بنهج أساتذة قسم اللغة العربية بكلية الآداب الذين كانوا تلامذة وأتباعا للدكتور طه حسين صاحب العديد من المؤلفات التي أثارت جدلا استمر لمدد طويلة ومن بينها كتابه "في الأدب الجاهلي" الذي اضطر لاحقا ونتيجة الهجوم الشرس عليه إلى أن يتراجع عن بعض ما جاء فيه.
ويتبع نصر أبو زيد مدرسة التأويل العقلي لآيات القرآن الكريم وهي بالأساس مدرسة غربية تستخدم مجموعة من القواعد والمعايير في تفسير وتأويل النص الديني ويطلق عليها اسم نظرية "الهرمنيوطيقا".
أيضا ومن ناحية أخرى فإنه لاشك في أن نصر أبو زيد كان له تأثيره الكبير في قطاع من اليساريين والعلمانيين المصريين والعرب حيث وجد هؤلاء بغيتهم في كتاباته كمتخصص في الدراسات الإسلامية فتبنوها ورددوها في إطار حربهم على ما أسموه بالإسلام السياسي وهو العنوان المغرض الذي كانوا يقصدون به العقيدة الإسلامية وحضارتها الراقية.
وروج هؤلاء بكل بجاحة لنصر أبو زيد باعتباره أحد ضحايا حرية الفكر والاعتقاد فعقدوا من أجله المؤتمرات والندوات وأقاموا للاحتفاء به الحفلات والمهرجانات واستغلوا كل منبر علمي وإعلامي للدفاع عنه وتصوير منتقديه وكأنهم وحوش حتى أضحى نصر أبو زيد بين يوم وليلة قدوة يحتذى بها وفيلسوفا يجب أن تتبع آثار أقدامه.
القرآن الكريم
يمكن التعرف على موقف نصر أبو زيد من القرآن الكريم من خلال كتابيه "مفهوم النص" و"الإمام الشافعي وتأسيس الأيدلوجية الوسطية" فكلاهما كان مقررا على طلاب الفرقة الثانية والثالثة بكلية الآداب فيما تقدم بالثاني إلى لجنة الترقيات للحصول على درجة الدكتوراة.
ولعل أول ما يستوقف الناظر في كلا الكتابين هو خلوهما من البسملة ( بسم الله الرحمن الرحيم) فضلا عن حمده عز وجل وكما هو معروف فإن أي عمل لم يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع كما يخلو الكتابان من الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم كلما حل ذكره.
كما يكشف عنوان الكتاب الثاني "الإمام الشافعي وتأسيس الأيدلوجية الوسطية" عن أن المؤلف إنما جعل الوسطية، التي هي سمة الوحي الإلهي قرآنا وسنة، من تأسيس الإمام الشافعي مع أن الوسطية ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم "وجعلناكم أمة وسطا" (البقرة : 143).
منتج ثقافي
يقول نصر أبو زيد: "إن القول بأن النص منتج ثقافي يكون في هذا الحالة قضية بديهية لا تحتاج لإثبات ومع ذلك فإن هذه القضية تحتاج في ثقافتنا إلى تأكيد متواصل نأمل أن تقوم به هذه الدراسة لكن القول بأن النص منتج ثقافي يمثل بالنسبة للقرآن مرحلة التكوين والاكتمال وهي مرحلة صار النص بعدها منتجا للثقافة بمعنى أن صار هو النص المهيمن المسيطر الذي تقاس عليه النصوص الأخرى وتتحدد به مشروعيتها. إن الفارق بين المرحلتين في تاريخ النص هو الفارق بين استمداده من الثقافة وتعبيره عنها وبين إمداده للثقافة وتعبيره لها" (مفهوم النص ص 23- 24).
فالقرآن لدى نصر أبو زيد وكما يتضح من كلامه منتج ثقافي – بفتح التاء - مستمد من البيئة المحيطة وهو أيضا – وبحسب كلامه – منتج – بكسر التاء – للثقافة ومغير لها، وبذلك فإن نصر أبو زيد يوجه اتهاما جديدا للقرآن الكريم يضاف إلى بقية الاتهامات التي وجهها الأقدمون له إذ طعنوا فيه وقالوا أساطير الأولين "وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا" (الفرقان : 5) وقال المشركون أيضا عن القرآن إنه "كهانة".
وفي (ص 25) من نفس الكتاب يقول نصر أبو زيد عن القرآن وببجاحة لا نظير لها: "هي نصوص لغوية "تشكلت" خلال فترة زادت على العشرين عاما وحين نقول "تشكلت" فإننا نقصد وجودها المتعين في الواقع والثقافة بقطع النظر عن أي وجود سابق لهما في العلم الإلهي أو اللوح المحفوظ".
ويعد ذلك الطرح تجاوزا لما وصف الله عز وجل به كلامه إذ قال في محكم آياته "وإنه لتنزيل رب العالمين" (الشعراء: 193) وقال "وبالحق أنزلناه وبالحق نزل" (الإسراء : 105) ويقول أيضا "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" (النجم : 3 و 4).
الدعوة للتمرد
لقد كان أهم ما حاول أن يدافع به أنصار وأتباع نصر أبو زيد عنه هو الحديث عن أن مقصده بـ "النص" هو تلك التفسيرات والتأويلات التي أنتجها العديد من المفسرين والعلماء في التاريخ الإسلامي وبالتالي فهي نصوص بشرية غير مقدسة ويمكن الاختلاف معها أو رفضها.
ويعلم هؤلاء قبل غيرهم أن هذا القول يجافي الحقيقة فـ "النصوص" عند نصر أبو زيد وبنص عبارته هي نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية إذ يقول في كتابه مفهوم النص (ص 28) "صار القرآن هو النص بألف ولام العهد" ويقول في موضع آخر: "فالنص نفسه - القرآن - يؤسس ذاته ديناً وتراثاً في الوقت نفسه".
وبالتالي فإن ما يمكن أن يفهم من قوله "وقد آن أوان المراجعة والانتقال إلى مرحلة التحرر لا من سلطة النصوص وحدها بل من كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان في عالمنا علينا أن نقوم بهذا الآن وفورا قبل أن يجرفنا الطوفان" (الإمام الشافعي ص 110) هو أن نصر أبو زيد يدعو وبصراحة شديدة إلى التمرد على الأوامر والنواهي التي تضمنتها آيات القرآن الكريم وهو مرحلة أشد وطأة من مجرد التحلل والتحرر من أحكام الله تعالى، وهي الدعوة التي أكدها في موضع آخر إذ يقول: "إن هذا الموقف – موقف الإمام الشافعي من القياس والاستحسان – يعكس رؤيته للعالم والإنسان تجعل الإنسان مغلولا دائما بمجموعة من الثوابت التي إذا فارقها حكم على نفس بالخروج من الإنسانية وليست هذه الرؤية للإنسان والعالم معزولة تماما عن مفهوم الحاكمية في الخطاب الديني السلفي المعاصر حيث ينظر لعلاقة الله بالإنسان والعالم من منظور علاقة السيد بالعبد الذي لا يتوقع منه سوى الإذعان" (الإمام الشافعي ص 103).
وهي دعوة أيضا تتعارض مع ما نص عليه القرآن نفسه إذ يقول الله تعالى: "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض" (البقرة: 85) ويقول: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالا مبينا" (الأحزاب: 36) وفي آية أخرى يقول عز وجل "إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون" (النور: 51).
صلاحية الشريعة
وإذا كان نصر أبو زيد يعتبر القرآن منتجاً – بفتح التاء – ومنتجاً – بكسر التاء – ثقافياً ويدعو الناس إلى التمرد على أوامره ونواهيه فإنه بكل تأكيد يرى عدم صلاحية القرآن الكريم لحل المشكلات أو النوازل الحاضرة أو المستقبلية.
يقول "ويبدأ الشافعي بتقرير مبدأ على درجة عالية من الخطورة فحواه أن الكتاب (القرآن) يدل بطرق مختلفة على حلول لكل المشكلات والنوازل التي وقعت أو يمكن أن تقع في الحاضر والمستقبل على السواء... وتكمن خطورة هذا المبدأ في أنه المبدأ الذي ساد تاريخنا العقلي والفكر وما زال يتردد حتى الآن في الخطاب الديني بكل اتجاهاته وتياراته وفصائله وهو المبدأ الذي حول العقل إلى عقل يقتصر دوره على تأويل النص واشتقاق الدلالات منه" (الإمام الشافعي ص 21).
وهنا يرى أبو زيد أن الإيمان بأن القرآن الكريم تبيان لكل شئ مسئولا عن تبعية العقل وأسره وعدم انطلاقه ناسيا أو متناسيا ذلك الموقف الإسلامي الرائع من العقل والدعوة للتدبر، يقول الله تعالى "وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون" (المؤمنون: 80) ويقول "والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون" ( النحل : 12).
إن ما سبق استعراضه من نصوص لنصر أبو زيد يعد قليلا من كثير مما يعبر عن موقفه من القرآن الكريم إذ تمتلئ كتبه بشبهات وطعون أخرى منها القول بأن القرآن لا يجتمع والعقل أبدا، والدعوة إلى عدم الاحتكام إلى كتاب الله والإيهام بأن القراءات القرآنية قرآنات متعددة وإنكار عالمية الرسالة ونفس وسطية القرآن في عقيدته وعبادته وتشريعه وأخلاقه ونظامه وأن القرآن ليس معجزا بل هو أسطورة غيبية، وأخيرا وصف القرآن الكريم والسنة وما يدور حولهما من فكر بأنه رجعي.
العمل بالسنة
ينبئ موقف نصر أبو زيد من القرآن الكريم عن موقفه من السنة النبوية الكريمة والتى يرى أنها ليست وحيا بل هي اجتهاد بشري من الرسول – صلى الله عليه وسلم كما يرى أن الالتزام والعمل بها يعد إهدارا لبشرية الرسول الكريم ورفعه إلى درجة الألوهية – بحسب زعمه – فيقول: "لكن توحيد الشافعي بين وحي القرآن ووحي السنة لا يستقيم له خاصة وقد جعلهما على درجة واحدة من حيث قوة الإلزام لأن النتيجة النهائية لمثل ذلك التوحيد مشاركة التوحيد بين الإلهي والبشري بما يستتبعه ذلك من إهدار خصوصية الرسول وبشريته مبلغا للوحي وشارحا له" (الإمام الشافعي ص 45-46).
ويرى الدكتور محمد بلتاجي أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة – رحمه الله – في تقريره المقدم للجامعة أن مثل هذا النص هو محاولة كاذبة وخادعة من قبل نصر أبو زيد على التوحيد (تقرير البلتاجي، ص: 4).
أكاذيب بالجملة
لم تقتصر أكاذيب وافتراءات نصر أبو زيد عند هذا الحد، وإن كان ذلك أشنعها، لكنها شملت أيضا الطعن في صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم حيث اتهمهم بتأليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما اتهمهم بأنهم ليسوا أطهارا ولا أخيارا.
ثم انتقل أبو زيد للطعن في أئمة المسلمين والكذب عليهم ومن ذلك مثلا طعنه في الإمام أبي حنيفة فاتهمه كذبا بأنه "لا يعتبر إجماع الصحابة سنة واجبة الاتباع بل يختار من أقوال الصحابة وأفعاله - بحرية تامة – ما يهديه إليه العقل والقياس" (الإمام الشافعي: 80) وهو ما رد عليه الدكتور البلتاجي أيضا في تقريره حيث قال: "ولا خلاف في كل ما نقل عن أبي حنيفة أنه كان يرى (مثل جميع أئمة المسلمين) أن إجماع الصحابة على قول واحد يجعله واجب الإتباع وإنما كان يختار من أقوالهم إذا اختلفوا لا إذا اتفقوا".
النظرية الماركسية
على الرغم من فداحة أطروحات نصر أبو زيد إلا أنها لا تشكل في جوهرها طرحا جديدا فهي مجرد صورة من صور استخدام نظرية التفسير الماركسي في التعامل مع القرآن الكريم بما يخضع النص – بحسب لفظه - للأيدولوجية وهي هنا الماركسية العلمية التي يؤمن بها إذ يقول: "إن الدعوة للتحرر من سلطة النصوص ومن مرجعيتها الشاملة ليس إلا دعوة لإطلاق العقل الإنساني حراً يتجادل مع الطبيعة ويتجادل مع الواقع الاجتماعي والإنساني في مجال العلوم الإنسانية والفنون والآداب إن هذه الدعوة لا تقوم على إلغاء الدين ولا تقوم على إلغاء نصوصه لكنها تقوم على أساس فهم النصوص الدينية فهماً علمياً" وبذلك يستطيع أبو زيد أن يتحرر من المرجعية القرآنية وهيمنة القرآن ويجعل الهيمنة لفلسفة "الهرمنيوطيقا الحديثة".
وهنا يتضح جلياً أن مشروع أبو زيد يتمثل في وضع التصورات الماركسية والمضامين المادية الجدلية وتفسيراتها للحياة والكون والإنسان والوحي والنبوة والغيب والعقيدة في المعنى القرآني فيصير القرآن ماركسياً ينطق باسم ماركس وفلاسفة المادية الجدلية والهرمنيوطيقا فيغير بذلك المفاهيم الرئيسية للقرآن ويلغي المعاني الحقيقية للسور والآيات ويطمس الحقائق الدينية التي رسخها القرآن وبينتها السنة النبوية، يقول أبو زيد: "النص لا يثبت شيئاً بل هو في حاجة إلى إثبات".
 
 
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: