طلائعُ الزحف الشيعي الناعم في الأردن !
الثلاثاء 13 يوليو 2010

أ.د. مروان إبراهيم القيسي

 هل يمكن للإيرانيين أن ينسوا أمجاد امبراطوريتهم التي حكمت الشرق لزمن طويل وصلت فيه إلى اليونان وأقامت حضارة كانت نداً لحضارة البيزنطيين؟ وهل يمكن لهم أن ينسوا كيف أن من كانوا في نظرهم مجرد قبائل مشتتة تقاتل بعضها بعضاً استطاعت بعد مجيء الاسلام أن تقوض دعائم الحكم الفارسي حتى في عقره داره؟

لقد دخل الإيرانيون الاسلام بفضل الله تعالى ثم بفضل العرب، وأسهموا في بناء الحضارة الاسلامية اسهاماً معتبراً. ولم تتغير العلاقات بينهم وبين إخوانهم العرب إلى أن تشيعت إيران قبل خمسمائة عام عند مجئ الصفويين و إثر احتدام المعارك بينها وبين العثمانيين.

وكما كان التشيع سبباً في انقسام الأمة قديماً؛ كان سبباً في انحراف إيران عن مسارها القويم سياسياً، وأصبحت تنظر إلى العالم العربي بعيونها القديمة! قبل دخولها الاسلام. وهي لم تيأس في أن تعيد أمجادها في المنطقة. فللتشيع تجربة سياسية ناجحة في احتواء أكبر دولة عربية -وهي مصر- تحت مظلة الشيعة الفاطميين، فلم لا يكون ممكناً أن تعود التجربة مرة أخرى ؟

غير أن الأمور ليست بتلك السهولة، فالاختلافات العقائدية والفقهية بين السنة والشيعة تحول دون تقبل السنة لأية سيطرة إيرانية.

ولكن عندما تنظر إيران إلى العراق وكيف أمكن لنفوذها أن يترسخ فيه، حتى بعد حرب ضروس بينهما لنحو ثمان سنوات، تعلم أن للقاعدة المشتركة الفكرية والعقدية دورها وأثرها في التمهيد للغزو الإيراني للمنطقة، حتى دون استعمال السلاح والقوة. فما أن غزت الولايات المتحدة العراق بعون من إيران حتى أصبح السيستاني الإيراني الذي لا يحسن العربية!؛ والذي يرفض حمل جواز سفر عراقي! يصول ويجول ويتحكم بالبلاد والعباد، وليتقرب كبار الساسة العراقيين إليه ويخطبون وده ورضاه!

إذن لابد من الغزو الناعم قبل الغزو العسكري، ولا بد من القوة الناعمة قبل القوة العسكرية، التي تعمل إيران بجد واجتهاد دائمين على تطويرها للساعة المرتقبة، يوم تجتاح بجيوشها المشرق العربي؛ لتقف على ضفاف المتوسط، وهاهي تعمل هنا وهناك لا تمل ولا تكل ترقب انحطاط القوة الأمريكية والغربية الاقتصادية والعسكرية والسياسية عالمياً وتنتظر اللحظة المناسبة.

والقاعدة الفكرية التي تسعى إيران لتأسيسها تقوم على بثِّ المذهب الشيعي ونشره. وهي لا تستطيع انجاز ذلك دون أن تحرف الفهم الصحيح لأيات القرآن الكريم لتثبت عقائدها التي لا يقبلها مسلم يحترم عقله: من قبيل إقامة العزاء لرجل قُتل قبل ألف وأربعمائة عام! وانتظار المهدي لما يزيد على ألف عام ليخرج من سرداب سامراء! وولاية الفقيه؛ التي جعلت إيران دولة ثيوقراطية، لا صلة لها بنظام الاسلام السياسي! واللطم في الميادين العامة! ونكاح المتعة؛ الذي يجعل المرأة أقرب إلى فكرة استئجار السيارة السياحية! وغير ذلك كثير ..

لكن لا يمكن تحريف نصوص القرآن العظيم طالما أن السنة الشريفة بالمرصاد. فقد كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مهمتان جليلتان: التبليغ والبيان. وهو قد أدى ما عليه وانجزه تماماً، إلا أن بيان المراد من آيات القرآن الحكيم مهمة لم تنتهى بسبب تطور مجريات الحياة البشرية التي حوت آيات القرآن وأحاديث النبي التوجيهات اللازمة لها لكنها تحتاج جهود العلماء للكشف عن هذه التوجيهات والتدقيق في صحة ما ورد من السنة وأحادثيها الشريفة.

إن السنة الحارس القوي الأمين للفهم الصحيح لآيات الكتاب الحكيم، ستظل بالمرصاد لكل من يريد تحريف القرآن العظيم. فلا بد إذن من إزالتها عن الطريق ليحلو ويسهل اللعب بالقرآن الكريم. لكن ما السبيل إلى ذلك بعد أن ثبتت الأحاديث بأسانيدها للنبي صلى الله عليه وسلم وبعد أن كان لعلماء أهل السنة الفضل في بروز علوم الجرح والتعديل والبحث العلمي والتحقيق وغيرها كثير.

من المستحيل نقض ذلك الصرح العظيم. لابد إذن من أن تتفق عقول القوم (الشيعة) عن فكرة ما. فكانت الوسيلة هدم الصلة التي تصل الأمة بنبيها وهم الصحابة؛ نقلة السنة والأحاديث، ثم هدم الصلة التي تصل الصحابة ببقية أجيال الأمة وهم العلماء فكان هدم السنة والصحابة وعلماء الأمة عبر تاريخها الطويل غايات ومقدمات أي مد شيعي في أية بقعة في العالم.

لقد كان رفع شعار (القرآن وكفى) كلمة حق أرُيد بها باطل. إذ مع هدم ما يُفهم به متشابهُ القرآن، ويبين به مجمله ويُخصص به عامه، ويُقيد به مطلقه (وأعني السنة) يمكن للقوم أن يؤولوا آيات الكتاب المجيد كما يحلو لهم. ورحم الله الشافعي إذ يقول: "السنة حاكمة على القرآن" وكيف يمكن الاقتصار على القرآن! والقرآن العظيم بآياته يحيل للسنة (وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا) وكثير غير هذه الآية من عشرات الآيات التي تحيل للسنة، وتجعلها على قدم المساواة مع آيات الذكر الحكيم، اللهم إلا فيما يخصُّ التعبد بتلاوة القرآن الكريم.

وفي ضوء المؤامرة الشيعية على السنة النبوية، نستطيع أن نفهم سر التركيز في الهجوم على أكثر الصحابة روايةً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأعني أبا هريرة وعائشة، رضي الله عنهما.

وبغض النظر عن قصد أولئك الذين تصدوا في الأردن للتشكيك في السنة أو الصحابة أو علماء الأمة، هل كان بينهم وبين قوى التشيع من تنسيق أو علاقة، فهو أمر لا يهمنا، بمقدار ما يهمنا أن نؤكد أنها جهود تنصب في خدمة الزحف الشيعي الناعم!.

إنه ما قام به الدكتور محمد حوى ؛  فقد شمَّر وهو حامل رسالة دكتوراه في السنة النبوية عن ساعديه واطلق لقلمه العنان في التشكيك في السنة النبوية من خلال التشكيك بمصداقية أعظم مراجعها: صحيح البخاري، مما يعني تلقائياً التشكيك في غيره من مصادرها.

أقول: ليس عجباً أن يشكك في السنة، لكن العجب أن يقوم مختص بالسنة بالتشكيك في موضوع تخصصه الذي يعلمه لطلبته. لكن حتى هذا العجب يزول بعد أن قرن وضم الدكتور الفاضل مع تشكيكه في بعض أحاديث البخاري دفاعه عن الشيعة فانكشف الغطاء وافتضح المستور بسرعة في دفاعه عن الشيعة أنهم ينكرون تهمة أهل السنة لهم بأن عندهم قرآناً غير القرآن الكريم الذي بين أيدينا. ولو أفلحت جهود الدكتور حوى في تبرئتهم من هذه التهمة! فكيف ستفلح جهوده في تبرئتهم من قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالفاحشة، بعد أن نزلت براءتها من فوق سبع سموات، وكيف ستفلح جهوده في تبرئة القوم من تكفير الصحابة، وهي ثابتة عليهم صباح مساء!، أم خلى القلب من الغيرة على أم المؤمنين وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!، وهل براءة عائشة وعدالة الصحابة من المعلوم عند د. حوى من الدين بالضرورة أم لا؟!!. أوَلم يكن من الممكن أن يسلك د. محمد حوى أسلوباً آخر وطريقاً أخرى للعودة إلى بلده سوريا -الممنوع من دخولها- غير هدم السنة والتشكيك في الصحابة!!

وقد كان بإمكان الدكتور أن يواصل مشروعه الموسوم (دراسة مقترحة لواقعنا السياسي) -الذي نُشر على الإنترنت وروَّج فيه للتحالف مع إيران وحزب الله!- دون أن يقع في صحيح البخاري والسنة النبوية.

وما قام به بعض الإخوة العلماء من أمثال الشيخ علي الحلبي والدكتور ياسر الشمالي والدكتور علي عجين وغيرهم ، من الرد على حوى، وما بادرت إليه كلية الشريعة في الجامعة الأردنية برئاسة الأستاذ الدكتور محمد المجالي بالتعاون مع جمعية الحديث من عقد مؤتمر لنصرة البخاري، ليس كافياً، فثمة من أعضاء هيئة التدريس في الكلية من ولى دبره عن المعضلات الكبيرة التي تمر بها الأمة!، وضل جهده عن معالجة عديد من مشاكل الأمة المستفحلة، فلم يروا سوى البخاري مشكلة تواجه الأمة في هذا العصر الرهيب المملوء بالمحن والابتلاءات!، وذلك كالدكتور أحمد نوفل استاذ التفسيرفي نفس الكلية!.

وفي حين انتشرت سموم مقالات د. حوى في الصحافة، ستظل جلسات وأبحاث المؤتمر وأخباره أسيرة عدد محدود بحدود الكلية. والمطلوب إعادة النظر في بقاء د. حوى وأمثاله غيره في هيئة تدريس طلبة كليات الشريعة في الجامعات، بعد أن قاموا بالانقضاض على مصادر الشريعة وأسسها، فالمحامي الذي لا هم له إلا اثبات بطلان القانون وزيفه لا يسمح له بالمرافعة أمام المحاكم!.

وكليه الشريعة في الجامعة الأردنية ليست وحدها المقصودة بالعتاب، فكليات الشريعة من شمال الأردن إلى جنوبه وقفت موقف الحياد من الهجمة الشيعية على السنة.

إن تعظيم سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم تعظيم له، وتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيم لمرسله سبحانه وتعالى. وفي كل جريمة يُبحث عن المستفيد الأول، فمن هو هنا غير المد الشيعي!!.

والعجب كل العجب، من ناحية أخرى أن لا يكون موقف من جماعة الإخوان المسلمين -التي لا زالت تقدم نفسها على أنها الجماعة الاسلامية التي تعنى بالاسلام ككل! وتبرر تجمعها بتكاتف جهود العاملين في خدمة الاسلام!- تجاه تلك المقالات الهزيلة في الطعن بالبخاري والدفاع عن التشيع، إلا السكوت وابقاء كاتبها على عضويته في الجماعة!، بعد أن قام بما قام به في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الأمة التي أطلت فيها الرافضة بوجهها القبيح، لا همَّ لها في انقضاضها على أهل السنة إلا إزالة السنة من طريق غزوها الفكري للمنطقة، وما سُمي أهل السنة بهذا الاسم إلا لاعتمادهم السنة مع القرآن مصدرين للاسلام، وكان ذلك علامة مميزة لهم عن سائر المنتسبين للاسلام من الفرق الباطنية.

والعجب كل العجب أن تبقى قيادة الجماعة صامتة، ومن بين أعضائها ورموزها علماء أفاضل: كالأستاذ الدكتور محمد أبو فارس، والأستاذ الدكتور صلاح الخالدي، والأستاذ الدكتور همام سعيد، والأقبح من هذا كله أن يُعد فعل د. حوى ذاك من جملة التجديد في العلوم الشرعية! وهذه انتكاسة عظيمة في العقل!، فأي مصلحة مدعاة ستبقى للدعوة بعد نقض بنيتها!

إن الرأي في ما يخص شاناً مهماً من شؤون الأمة يظل ملكاً لصاحبه لا ينبغي أن نتدخل فيه طالما أن احتفظ به لنفسه. بخلاف إذاعته ونشره على الملأ، وإلا فلماذا تصدى  د.مصطفى السباعي رحمه الله  -مرشدُ الإخوان المسلمين في سوريا- لأبي ريّة في هجومه على السنة قبل نحو خمسين عاماً فألف كتابه المشهور: (السنة ومكانتها في التشريع الاسلامي).

وإن أبى الإخوان المسلمون في الأردن وغير الأردن أن يكون لهم في أئمة الاسلام سلف وقدوة، فلماذا يأبون أن يكون لهم في أئمتهم وعلمائهم السابقين سلفاً وقدوة، أم أن شؤون الانتخابات البرلمانية أهم من قضية مفصلية في تاريخ الأمة.

إن المخبوء سيكشفه الله ولابد، وإن هذه الواقعة لتمثل فرصة فريدة للإخوان المسلمين -وقد فاتهم الكثير من الفرص أو فوتوها!- ليثبتوا أن المشروع الذي يحملونه مشروع أمة، وأنهم يغضبون لسنة نبيهم – كما يغضبون عند المساس برموزهم!.

نحتاج إلى وقفة عز ومجد في نصرة هذا الدين ونصرة السنة النبوية كوقفة الدكتور نوح القضاة يوم أن كان مفتياً للجيش العربي، عندما استصدر أمراً من دوائر الدولة المعنية بمصادرة كتاب يطعن مؤلفه بأبي هريرة، فجمعت النسخ واتلفت ومنع الكتاب، ولم يشفع للكاتب ما ضمنه كتابه من مدح للفارس الهاشمي علي بن أبي طالب- رضي الله عنه؛ لأن العقلاء لا تسري عليهم مثل هذه الحيل!.

ومما يسهل الزحف الشيعي الناعم تلك: الجمعية الثقافية التفكيرية؛ التي لا هم لها إلا تشكيك المسلمين في عقائدهم: الله فوق أو تحت؟!، وتكفير مشاهير علمائهم ماضياً وحاضراً كابن تيمية والحافظ الذهبي وسيد سابق. كل ذلك لتسهم في إيجاد فراغ فكري وعقدي يملئه المد الشيعي. ولن تنطلي علينا دعاويهم من أنهم شافعية أشاعرة!، وهل الشافعية والأشاعرة يكفرون معاوية رضي الله عنه ؟!.

لابد من التصدي للخطر القادم والزحف الشيعي الناعم وليس لنا في ظل هذه الظروف العصيبة التي تمر بها المنطقة والأردن العزيز قلبها وبؤرة اهتمامها أن نتعامل مع الطابور الخامس للمد الشيعي بلا مبالاة، فهذه الأجزاء الشرقية من الجزيرة العربية قد تشيعت!، وللشيعة انتشار في الكويت والبحرين والإمارات، ومن قبلُ تمكنوا من مصر، فصيروها فاطمية في غفلة من علماء الأمة وحراسها من السياسيين.

لن يرحم التاريخ متخاذلاً بحق الأمة وسنه نبيها، ولا يمكن تفسير ما يجري من تشكيك بالسنة ودفاع عن الشيعة كظاهرة مستقلة منعزلة. وأريد أن أُذكر بما قامت به السفارة الإيرانية في عمان قبل سنوات من مخاطبة رئيس جامعة اليرموك وقتئذ والشكوى إليه مما تضمنته محاضرات بعض أعضاء هيئة التدرس في كلية الشريعة من نقد لعقائد الشيعة ونظرياتهم، وكان رد الجامعة على السفارة -والذي تأخر عمداً- حاسماً وتضمن ما يأتي: " إن كانت رئاسة الجامعة وعمادة كلية الشريعة لا تدري بما يقوله أعضاء هيئة التدريس في كلية الشريعة، ولا تتدخل بما يعلمونه لطلابها فكيف أمكن للسفارة الإيرانية العلم بما يدرس، وإن كانت رئاسة الجامعة لا تتدخل بما يجري في قاعات التدريس، فكيف يمكن لها السماح لجهة أجنبية أن تفعل ذلك!! ".

وإن الأمل معقود على أهل الغيرة على السنة من أهل هذا البلد خصوصاً، وهم كثر- ولله الحمد، أن تكون هذه السطور شعلة لمشروع الذب عن سنة رسول الله؛ سيد آل البيت الأطهار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، عبر لجنة تُشكل بصفة رسمية، تكون انطلاقة قوية لرد عدوان الباطنية وكسر جماح شهوتهم الثائرة تجاه هذا البلد .. والله المستعان.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: