فرق ومذاهب\العدد السادس والثمانون - شعبان 1431 هـ
سلسلة رموز الفكر العلماني المعاصر 2
الثلاثاء 13 يوليو 2010

2- جمال البنا

د.محمد المبروك

 يبلغ الأستاذ جمال البنا من العمر تسعين عامًا، ولم يشتهر فكره إلا في السنوات العشر الأخيرة فقط، رغم أنه أصدر مائة كتاب خلالها ثمانين عامًا. فلماذا كل هذا الصخب والضجيج من أجهزة الإعلام حول الرجل بما لم يحدث لأي مفكر آخر على الإطلاق. أليست هناك جهة خطيرة ما، بل وخطيرة جدًا تقف وراء كل ذلك؟!

لا توجد إجابة عن هذا سوى أن جمال البنا يمثل النموذج الأمثل للفكر الإسلامي الليبرالي الغربي؛ ومن ثم فإن الجهة الخطيرة التى تقف وراء ما يحدث تبدو واضحة للغاية.

ويبدو أيضًا أن الرجل يفى الحق الواجب للخدمات التى تقدم له بل وأكثر، فمضى فى السنوات القليلة الأخيرة يتجاوز كل الحدود؛ فيبطل الجهاد ويبطل تطبيق الشريعة ويسقط القواعد الشرعية التى تحكم العلاقة بين الجنسين.

ومن ثم تمثل الحل إما فى القوة العسكرية وإما فى تأويل الإسلام بالطريقة التى تفرغه من مضمونه الذى يتناقض مع العلمانية، فالعلمانية فى فحواها الأخير هي الاقتصار على العقل البشرى وخبراته فى تصور حقائق الوجود وتصريف شئون الحياة وهو الأمر الذى يعني التصادم الحتمى مع الإسلام، حيث أن مرجعيته هى النصوص المقدسة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم.

ومن ثم لزم تفريغ الإسلام من قواعده الأساسية ليتوافق مع هذه العلمانية تحت مسمى الإسلام الليبرالي، فالإسلام الليبرالي هو الإسلام المفتوح للتوافق مع كل المفاهيم والقيم الغربية.

وخلاصة هذا الإسلام الليبرالى أنه إسلام يتم تفريغه من الداخل من العقائد والقواعد والأحكام التى يتم استبدالها بمحتوى علماني يسقط كل ما له علاقة بالوحى والمقدس والمرجعية الإسلامية ويضع مكانه العقل والمصلحة كمرجعية وحيدة للإنسان فى تصوراته وسلوكه بينما يحتفظ بالشعارات والمظاهر الدينية من الخارج.. إسلام مزيف يتفق مع العلمانية والديمقراطية والعولمة ومبادئ حقوق الإنسان الغربية ومقررات المؤتمرات النسوية، ويتفق مع كل شىء فى العالم إلا مع الإسلام الحقيقى نفسه.

الواقع أنه يبدو أن الأستاذ جمال البنا قد تحقق حلمه أخيرا وأحرز قدرا من الشهرة يضاهي جزءًا ولو بسيطًا من شهرة أخيه الأكبر الأستاذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين؛ فهو بطل هذه المرحلة بلا جدال بحسب النموذج الأمريكي للبطولة.

وإذا أردنا أن نصنع رمزا يمثل نموذج المهندس الفكري البراجماتي للإسلام الغربي في صيغته الليبرالية المنشودة الآن فلن نجد شخصًا يمثل ذلك أفضل من جمال البنا؟ بل أن الأمر قد يكون أخطر من ذلك كثيرًا؛ لأننا لو أخذنا في الاعتبار الوثيقة الأمريكية الشهيرة لمؤسسة راند عن خطة أمريكا لتطوير الإسلام إلى الإسلام الديمقراطي الليبرالي فسنجد توافقًا إن لم نقل تطابقًا مذهلاً بين أفكار جمال البنا والأفكار المستهدف ترسيخها عن الإسلام الجديد كما وردت في الخطة المذكورة، كما هو موضح في الجدول في نهاية البحث.

من هو جمال البنا:

جمال البنا هو الشقيق الأصغر لحسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمون، ولد سنة 1920م في المحمودية بمحافظة البحيرة بمصر.

صدر أول كتاب له بعنوان "ثلاث عقبات في الطريق إلى المجد" سنة 1945م، وفي العام التالي 1946م أصدر كتابه الثاني "ديمقراطية جديدة"، ثم توالت مؤلفاته في الصدور حتى تجاوزت مؤلفاته ومترجماته الـ150 كتابا.

عمل محاضرًا في الجامعة العمالية والمعاهد المتخصصة منذ سنة 1963م، وحتى سنة 1993م. وعمل خبيرًا بمنظمة العمل العربية.

 موقفه من القرأن

ترى ما هو موقفه من القرآن؟  وما هي المرجعية الإسلامية الملزمة؟

يقول الأستاذ جمال البنا: "إن المرجعية الإسلامية الملزمة حقًا هي القرآن الكريم والصحيح المنضبط بالقرآن من السنة النبوية"[1]، وقد رأينا موقفه من منهج العلماء في إثبات صحة السنة حيث رأى أنه "ليس من معيار يمكن أن يفصل لنا في هذا سوى القرآن، فالموضوع هو حديث الرسول وليس هناك ما يسامي هذا في أقوال البشر، ولابد من أن نذهب إلى القرآن رأسًا حتى تطمئن القلوب ويزول ما يمكن أن يعرض لها من غضاضة أو تردد"[2].

بادئ ذي بدء فإن البنا يرفض كل تفسيرات المفسرين بل والمذاهب الفقهية أيضًا حيث يقول في ذلك: "نحن نرى أن هذه التفسيرات وكذلك المذاهب الفقهية تميل لأن تكون نوعاً من الافتيات والإسقاط البشري على القرآن"[3].

وهو يقف للمفسرين كل مرصد، فهُم في زعمه قد حشوا التفاسير بالإسرائيليات. يقول البنا في ذلك:

إن الفقهاء وليس المحدثين رأوا أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخه ناسخ في الإسلام، وهذه الروح المنفتحة الطلقة المرحة هي التي تفسر لنا كيف تقبّل المفسرون الأساطير الإسرائيلية وكيف حشوا بها تفسيراتهم"[4].

وهو يسقط أيضًا أسباب النزول "نكاد نقطع بأن معظم ما جاء عن (أسباب النزول) منحول أو موضوع أو مروي بالمعنى الذي ينال من مصداقيته، ولكن المفسرين تلقفوا هذه الأحاديث لأنها حلت لهم مشكلتهم، حتى وإن قالوا: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"[5].

فإذا تجاوزنا مناقشة صحة أو خطأ ما يقول ونحينا كتب التفسير وأسباب النزول أيضًا جانبًا فإلى أي شيء نلتجئ لفهم القرآن؟ إن ابن رشد مثلاً - الذي يعترض على فكره أمثالي ويعتبرونه مؤولا للإسلام لحساب أرسطو- يذهب إلى أن قواعد اللغة العربية هي الحدود التي لا ينبغي أن يخرج عنها تفسير أو تأويل. فهل رضي جمال البنا بالوقوف عند تلك الحدود؟ أقول: إن جمال البنا يرفض ذلك أيضًا حيث يقول: "عز على اللغويين أن يبدع القرآن لغته الخاصة وصياغاته المميزة وظنوا - وبعض الظن إثم - أن عليه أن يتبع قواعدهم! فأخذوا يفتاتون عليه"[6].

ويقول في موضع آخر: "وفكرة أن القرآن نزل بلغة العرب وبالتالي تأثر باللغة العربية وأثر فيها، هو مما لا يجوز المبالغة فيه؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب واستهدف التأثير أولاً على هؤلاء العرب فإن هذا لم يكن إلا بداية لهدف كبير أراده الله هو هداية البشرية كلها، والذين يعلمون اللغة العربية فيها قلة. كما أن القرآن لم يتأثر بلغة العرب قدر ما أبدع لغته الخاصة".

ترى ما هي هذه اللغة الخاصة التى يتهم اللغويين - حتى يبرر تنحيتهم عن التفسير - بأنهم أرادوا إخضاعها لقواعدهم بينما الحقيقة أنهم استقوا تلك القواعد من القرآن نفسه. أتكون هي اللغة التي لا يفهمها سوى جمال البنا فقط؟ وحتى لا يتهمني أحد بالتهكم فلننظر كيف يجيب المفكر الكبير عن السؤال المطروح: كيف نفسر القرآن؟ حيث يقول في ذلك:

"إن تفسير القرآن يجب أن يكون بالقرآن وتبعًا لروحه ومقاصده وليس تبعاً للقواعد أو الأصول التي يضعونها أو حتى المعنى الحرفي للكلمة؛ لأن للقرآن معانيه الخاصة التي يضفيها على الكلمات".

لنسأل مرة أخرى: ما الممكن أن يفعل بعد تنحية قواعد اللغة جانبًا في تفسيره للقرآن الكريم بزعمه مجاوزة القرآن لقواعد النحو؟

يجيب البنا على ذلك قائلاً: "والنظر إلى القرآن ككل هو ما يقربنا إلى روح القرآن ومضامينه العامة التي نستلهمها في وضع القواعد واستنباط الأحكام"[7].

إن جمال البنا هنا يسوق لنا كلمة حق يراد بها باطل. فحقًا القرآن أبدع لغته الخاصة ولكن لا يعني ذلك أنها اللغة التي تخرج عن قواعد اللغة بما يبرر إبطال هذه القواعد في تفسيره.

وإنما الأمر هنا هو فيما أبدعه القرآن من أسلوب معجز فريد فيما يتضمن من إبداع لصياغات جديدة أو استخدام لصياغات غير عامة. يقول الإمام الشافعي: "لسان العرب أوسع الألسنة ولا نعلمه يحيط به إنسان غير نبي لكنه لا يذهب على عامتها".

ولقد قال أبو بكر يوماً للرسول صلى الله عليه وسلم  عندما رآه يحدث الوفود التي جاءت بألسنتها المختلفة للمبايعة: "نحن بنو أب واحد ونراك تكلم الوفود بما لا نفهم أكثره فمن أدّبك؟ قال: أدبني ربي فأحسن تأديبي وربيت في بني سعد".

وقد ذكر السيوطي في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) أن على الناظر في نحو القرآن أن يتمتع بشروط، منها "أن يفهم معنى ما يريد أن يعربه مفرداً أو مركباً قبل الإعراب، وأن يكون ملماً باللغة العربية لئلا يخرج على ما لم يثبت، وأن يستوفي جميع ما يحتمله اللفظ في الأوجه الظاهرة، وأن يراعي في كل تركيب ما يشاكله فربما خرج كلامًا على شىء ويشهد استعمال آخر في نظير ذلك الموضع بخلافه"[8].

فيظل السؤال مطروحًا: ما هو المنهج الذي نستخدمه في تفسير القرآن ووضع تلك القواعد؟! إن البنا لا يقول في ذلك شيئًا إلا مطلقات في مطلقات (القرآن ككل - روحه ومقاصده العامة - تفسير القرآن بالقرآن).

لقد عمل البنا على ذبح الأحاديث النبوية جميعًا إلا ما ادعى اتفاقه مع صريح القرآن، فهل قال لنا شيئاً عن هذا الصريح وقواعده؟ أم أن الأمر لا يعدو تسويغاً لمرحلة من التشكيك في بعض القواعد استناداً على ادعاء اعتماد قواعد أخرى يتم التشكيك فيها أيضاً في مرحلة لاحقة.

موقفه من السنة:

 يذهب الأستاذ البنا في كتابه "السنة" إلى رفض منهج العلماء في اعتماد صحة الأحاديث النبوية بناء على صحة السند ويستند في ذلك على عدة أشياء أهمها:

أن هناك اختلافاً بين العلماء أنفسهم على الأحاديث التي تنطبق عليها صفة الحديث الصحيح. فكما ينقل البنا عن الإمام الحاكم فإن "عدد من خرج لهم البخاري في الجامع الصحيح ولم يخرج لهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخاً وعدد من احتج بهم مسلم في المسند الصحيح ولم يحتج بهم البخاري في الجامع الصحيح ستمائة وخمسة وعشرون شيخاً" ويضيف البنا إلى ذلك في موضع آخر قوله: "إن هناك اختلافاً في تحديد مضمون كلمة ثقة بين بعض المحدثين والبعض الآخر كما يظهر من قبول البخاري لمن رفضه مسلم والعكس بالعكس".

وظاهر الخلاف هنا يبدو وكأنه يدور حول الصحة والضعف ولكن الحقيقة أنه يدور حول الصحة وزيادة التوثيق من هذه الصحة!

فقد اشترط البخاري في رجال صحيحه العدالة والضبط واللقيا بينما اشترط مسلم العدالة والضبط والمعاصرة. ومعنى ذلك أن مسلماً كان يكتفي لصدق الحديث معاصرة الشيخ للشيخ الذي يروي عنه بينما البخاري لا يكتفي بذلك بل اشترط التحقق من التقاء الشيخ بالشيخ الذي يروي عنه. فالمسألة تعني الزيادة في التأكد عند البخاري دون أن تعني ضعف منهج مسلم في تحقق الصحة.

أما حكاية اختلاف الثقة في الشيوخ بين إمام وآخر فهذا يتعلق بمدى تحقق كل إمام من ثقة الشيخ المروي عنه بحسب درجة تشدده في مدى توفر تلك الثقة، والتي كانت تبلغ درجة من التشدد عند البعض لا يعيب البعض الآخر أن يتخفف منها. فعلى سبيل المثال فقد كان يسقط الكثير من الأئمة الثقة عن بعض الرواة لمجرد أنهم يأكلون في الأسواق أو يصيحون فيها.

ويستدل الأستاذ جمال البنا على موقفه أيضاً بأن علماء الحديث اهتموا بسند الحديث (الرواة) دون المتن (مدى صحة نص الحديث نفسه) وينقل في ذلك عن الدكتور إسماعيل منصور فى كتابه (تبصير الأمة بحقيقة السنة) قوله: "إن ما وضعه المحدثون من ضوابط في السند صرفت المحدثين عن العناية الواجبة بالمتن في حين أن هؤلاء المحدثين لم يعنوا بالمتن إلا بالبحث عن العلة القادحة أو الشذوذ من باب إتمام الأمر لا من باب تأسيسه أو حتى المساواة بين الأمرين، مما جعل ضوابط حكمهم على الحديث ما هي إلا مجرد ضوابط شكلية لا تمثل قيمة بالنسبة لصحة المرويات"[9].

 ويقول البنا تأكيداً لذلك عند إنكاره لبعض الأحاديث المتواترة: "إن وجود تواتر في هذه الموضوعات مع وجود علل في بعض روايات الأحاديث التي تعالج أصولاً هامة يصور جريرة التعويل على السند وليس على المتن"[10].

أقول: إن اتهام علماء الأمة بالاهتمام بالسند دون المتن اتهام شديد البطلان، ومن يطلع على كتب علوم الحديث التي تتعدى الخمسين علما يجد العجائب الذكية في نقد العلماء للأحاديث من خلال المتن. يقول الإمام داود بن علي: "من لم يعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  بعد سماعه ولم يميز صحيحه من سقيمه فليس بعالم".

لقد ألف العلماء الكثير من الكتب في ذلك. ووضعوا علامات عديدة للوضع في المتن، منها "ركاكة اللفظ - مخالفته لبدهيات العقول - مخالفته للحس والمشاهدة - مخالفته للبدهي في الطب والحكمة - مخالفته لسنن الله في الكون والإنسان - اشتماله على مخالفات يصان منها العقول - مخالفته للحقائق التاريخية المعروفة عن عصر النبي - إخباره عن أمر وقع بمشهد عظيم وينفرد راو واحد بروايته"[11].

وللإمام ابن القيم كتاب رائع شديد العمق والطرافة في ذلك هو كتاب (المنار المنيف في الصحيح من الضعيف) يقول فيه: "ونحن ننبه على أمور كلية يُعرف بها كون الحديث موضوعاً. فمنها اشتماله على المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم   (أحاديث تكافئ الناس على جملة يقولونها أو على بضع ركعات نافلة تكافئهم بعجائب المكافئات التي لا يعلمها إلا علام الغيوب) ومنها تكذيب الحس لها كحديث (الباذنجان لما أكل له) ومنها مخالفة الحديث صريح القرآن، ومنها حديث المناقب للأشخاص أو البلدان"[12].

وذكر ابن القيم عشرين علامة من علامات الحديث الموضوع يمكن إدراكها من المتن، يكفي الاعتماد عليها لإبطال ما يشاع من أحاديث تجافي العقل دون التضحية بالسنة النبوية كلها إرضاء للأستاذ البنا ومن يذهبون مذهبه.

وفي دراسة حديثة يلخص الدكتور حسن سالم الدوسي القرائن التي اعتبرها العلماء عللاً تقدح في متن الحديث في التالي:

"1- مخالفة الحديث لصريح القرآن والسنة المتواترة مع عدم إمكان الجمع والتوفيق في ذلك كله.

  2- مخالفة الحديث لمقتضى العقل السليم بحيث لا يقبل التأويل ويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة والعادة.

 3- مخالفة الحديث للحقائق العلمية الثابتة في الكون.

 4- مخالفة الحديث للتاريخ الثابت ثبوتاً صحيحاً"[13].

إن كل المقدمات والأسانيد التي بنى عليها الأستاذ جمال البنا موقفه حتى ولو كانت كلها صحيحة لا تكفي بأية حال من الأحوال لأن تأتي بهذه النتيجة الكبرى، وهي رفض الأخذ بالأحاديث النبوية بناء على منهج العلماء. ومن ثم فإن الظاهر أن هذه النتيجة محددة سلفاً وأن كل هذه المقدمات والأسانيد ما هي إلا محاولة للوصول إليها. وهنا نقف على قضية القضايا في موقفه من السنة النبوية وهي: هب أن كل الأحاديث الموجودة لدينا صحيحة السند والمتن فهل يكفي هذا عنده للاستدلال بها؟ أقول: إنه سوف يرفضها أيضا بناء على موقفه من قضية تدوين السنة.

فهو يذهب استناداً إلى بعض الأحاديث (ويا للعجب في ذلك) إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  نهى عن كتابة الأحاديث وبناء عليه فقد ذهب الأستاذ البنا إلى أن الدلالة الوحيدة التي تستخلص من هذه الوقائع أن الجميع - الرسول والخلفاء الراشدين والصحابة- أرادوا عدم تأييد ما جاءت به السنن من أحكام رغم التزام جيل الرسول والأجيال بعده بها ما لم تمثل عنتاً أو حرجاً، أو جاءت هذه الأجيال بعوامل جديدة لم تكن معهودة لجيل الرسول. ففي هذه الحالات يجتهد للتوصل إلى حلول تتفق مع الثوابت القرآنية حتى وإن خالفت الأحكام السنية"[14].

والثابت أنه قد جاءت الأحاديث أيضاً التي تذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم  قد أذن لبعض الصحابة بكتابة بعض الأحاديث. ويستدل بعض المدافعين عن السنة من ذلك بأن الإذن بالكتابة قد نسخ النهي عنها ويرى آخرون منهم أن النهي خاص بمن لا يؤمن عليه الغلط والخلط بين القرآن والسنة أما الإذن فهو خاص لمن أُمن عليه ذلك.

واستجلاء الأمر عندي فيما يمكن فهمه من ذلك أو بمعنى أدق فيما تقتضيه طبيعة الإرشاد النبوي، هو أن ما كان يهدف إليه الرسول صلى الله عليه وسلم  هو حفظ قداسة القرآن بإحاطته بسياج من الخصوصية تفصل بينه وبين كلام النبوة، وكانت الكتابة من بين ذلك. في الوقت الذي يشرع فيه حفظ السنة النبوية عن طريق السمع والذاكرة والرواية؛ لأن هذا هو الطريق الذي عرفه العرب في حفظ علومهم، وحين تأكد له ذلك سمح بكتابة السنة رويداً رويداً. ومن ثم فلا علاقة على الإطلاق بين ذلك النهي عن الكتابة وعدم اهتمامه صلى الله عليه وسلم  بحفظ السنة ومن ثم بتلك الاستنتاجات الشاطحة التي يذهب إليها البنا وغيره.

أصول الفكر عنده:

إن الأستاذ الكبير بعد أن يسطر مئات الصفحات في جزئيه الأول والثاني من كتابه (الفقه الجديد) عن القرآن والسنة يقرر في الجزء الثالث أن أصول الشريعة عنده هي العقل أولاً ثم القيم الإسلامية ثانيا ثم تأتي بعد ذلك بقية المصادر الأخرى (وما الضرر في ذلك ما دام سيتم تأويلها بما يتفق مع هذين الأصلين الجماليين (نسبة إلى جمال البنا) الأولين. بل قل الأصل الأول وهو العقل لأن الأصل الثاني لا يعني شيئاً سوى مطلقات يتم إرجاعها إلى الأصل الأول كما سنرى).

وبعد أن يذكر أن أصله الأول هو العقل وأنه يقدم العقل على النقل يورد اعتراض العلماء على ذلك ويوجزه في نقطتين، الأولى: أن الله أعلم بالمصلحة من الإنسان. والثانية: أن العقول نسبية، وأن هناك عقلي وعقلك. ويرد على النقطة الأولى بأن الله تعالى لا يريد للمؤمنين أن يكونوا صماً وعمياناً وقد وهبهم الله تعالى العقل الثمين لكي يستخدموه لا لكي يهملوه، وشبه الذين لا يتدبرون بالأنعام[15].

 وطبعًا لن يعدم الأستاذ البنا استخدام الآيات في غير محلها حيث أن منهجه الأساسي هو تأويل الآيات للاتفاق مع حكم العقل، ونحن هنا أمام عقله هو. فكون الله أمر المؤمنين باستخدام عقولهم لا يعني ذلك أنه أمرهم بإلغاء شرعه بدعوى استخدام العقل، فنحن أمام مصلحة شرعية ومصلحة عقلية عند من يرون ذلك؛ فهل نترك حكم الله من أجل تقدير بعض العقول؟! وإذا كان في ذلك امتثال لأمر الله بالتدبر والتعقل فلماذا شرع شرعه أصلاً ؟! أما كان يكفي أن يأمر المؤمنين بالتفكر والتدبر دون أن يشرع لنا شرعًا؟

ويجيب البنا على النقطة الثانية بأن "كون العقول نسبية ومختلفة فإن هذا مما يثري الموضوع لأنه يكشف عن كافة جوانبه، وليس هذا الموضوع هو (طبقك المفضل) الذي يخضع للذوق الشخصي، ولكنه قضايا عامة يعالجها الكتاب والعلماء والمفكرون والفقهاء، وكل يدلي بدلوه وكل يكشف عن جانب منها، وفي النهاية يتبلور الحل الأمثل أو الحل الأقل سوءاً أو تعرف جوانب القوة والضعف وتتكشف المحاذير والمزالق"[16].

والذي نقوله أنه إذا كان الأمر هكذا فالأصح إذن أن نعود لنقطة الأصل عند البنا وهي تحكيم العقل فقط ولا داعي للشرع في شيء، وليجلس هؤلاء يفكرون ويتدبرون وما ينتهون إليه يكون هو الشرع (وهذا هو الذي تقوله العلمانية بالضبط) فما الداعي إذن للزج بالكتاب والسنة في حديث لا ينتهي ما دام الفصل في النهاية سيكون لما ينتهي اليه هؤلاء؟

يقول البنا إنه يجب الاهتداء في ذلك بالقيم القرآنية مثل الحق والعدل والتيسير والرحمة والتوبة! فمن قال إذن أن هذه القيم هي قيم قرآنية فقط؟! إن أغلب الأديان والفلسفات تقول بتلك القيم أيضاً، ولا جدوى من وجود تلك القيم دون أن تكون لها محددات واضحة وإلا فماذا يفرق الإسلام عن غيره من تلك الأديان والفلسفات؟ إنه "الدور" الذي يتحدث عنه الفلاسفة القدماء.

حيث نبدأ بنقطة ونلف وندور كثيراً ثم نعود إليها مرة أخرى. فالواقع الذي نحن بصدده أننا أمام حالة فريدة من المفكرين، ولكن هذا القدر من منهجه يفسر لنا تلك الآراء الغريبة والفتاوى العجيبة التي يصرح بها من حين لآخر.

فالواقع الذي نحن بصدده أننا أمام علمانية حقيقية تتستر بأردية لا نهائية من المراوغات المصطبغة بالشرع وإن كانت تتكشف بشكل صريح في بعض الفجوات التي يتعمد جمال البنا تركها ليصرح من خلالها بأفكاره الحقيقة. ولكننا بعد أن كشفنا هنا عن حقيقة منهجه المدعي نستطيع الآن أن نفسر تلك الآراء والفتاوى العجيبة التي يصرح بها.

موقفه من الجهاد:

على فرض أن الجهاد (أو القتال كما يسميه) لم يشرع فى الإسلام إلا فى حالة الدفاع فقط كما ذهب هو إلى ذلك، فإن هذا أيضاً يصنع مشكلة كبرى لجمال البنا لأنه ربما قد ذهب لهذا الكلام قبل 2001 أى قبل أن تكون أمريكا فى حالة غزو مباشر وواضح وصريح لدول إسلامية فماذا من الممكن أن يصنع جمال البنا بمقولته الدفاعية تلك فى ظل الواقع الراهن الذى يحتل فيه الأمريكيون عدة دول إسلامية؟ آهٍ إنه الحل الذى يقوله المحتالون فى كل زمان ومكان والذي هو: علينا بالتنمية أولاً. أية تنمية هذه والبلاد يحتلها المعتدون أيها المحتالون؟!!

أما جمال البنا فقد تجاوز ذلك أيضاً وقال إن التنمية هي الجهاد ذاته!!!

ومن ثم تؤول القضية فى النهاية إلى أن آيات الجهاد التى جاءت فى القرآن جاءت من أجل التنمية فقط!! هل هناك لغو أو هراء أكثر من هذا؟ ولست أفتري على الرجل فها هو نفسه يقول: "لا يمكن الإنقاذ إلا عندما تعتبر الجماهير عملية التنمية عمليتها وتأخذها من أيدي الخبراء والتكنوقراط. وهذا هو الجهاد الحق الذي أراده الإسلام وعندئذ تتحول التنمية إلى معركة حضارية، شعبية، إسلامية تؤدى تحت لواء الجهاد المقدس"[17].

والسؤال الآن: إذا كان القرآن قد جاء لكل زمان ومكان أفقد كان يصعب عليه أن يأتي بتلك الآيات الجهادية الدالة على التنمية بدلا من الآيات الدالة على جعل كلمة الله هى العليا.

وإن كانت هناك آيات تدل على ذلك فلماذا لم يستدل بها جمال البنا عندما قفز بنا مرة واحدة من أن آيات الجهاد ذات دلالة دفاعية فقط إلى أن الجهاد فى الإسلام هو جهاد التنمية فقط أم أن فهمنا للإسلام يجب أن ينسجم فقط مع مواقف الغرب بالنسبة لنا؟

ومع هذا فإن جمال البنا لم يكتف بذلك أيضًا وإنما ذهب إلى ما هو أعجب من ذلك (والحقيقة فإن العجب لا ينتهي أبدًا طالما المرء يتعامل مع أفكار جمال البنا) فهو يذهب فى كلمة يراها جامعة فيفردها فى سطور مستقلة ويثقلها بالأسود يقول فيها: "إن الجهاد اليوم ليس هو أن نموت فى سبيل الله. ولكن أن نحيا فى سبيل الله". ويجعل منها شعارًا يقول عنه بكل فخر: "كان شعار الجهاد قديمًا "من يبايعني على الموت فى سبيل الله" واليوم فإن شعار الجهاد "من يبايعنى على الحياة فى سبيل الله".

إذن ايها الناس.. أيها الشباب.. أيها المسلمون.. بل وربما غير المسلمين أيضاً: اتركوا البلاد للمحتلين وإسرائيل ولمن يريد من الآخرين وبايعوا بعضكم بعضاً على الحياة واعتبروا ذلك كما يوصيكم هذا الشخص الوحيد الفريد العجيب جمال البنا – أنه سيكون فى سبيل الله.

هل تريد إسرائيل أكثر من ذلك؟ في الحقيقة فإن هذا أكثر مما تريده إسرائيل!!!

 دعوة البنا إلى الإباحية باسم اللمم :

تحدث البنا كثيرا عن إباحة القبلات والزانية الأولى والسرقة الأولى على أساس أن هذه الأمور تدخل في باب اللمم ويبدو أن كل ذلك لم يكن كافياً للعمل على إبطال القواعد الإسلامية للعلاقة بين الرجل والمرأة فأراد جمال البنا أن يأتي على الجدار كاملاً والعمل على إشاعة الإباحية الكاملة وذلك من خلال إباحة الزواج بناء على رضا الطرفين فقط.. أى بلا شهود ولا ولي ولا مهر.

وعلميًا فإننى لا يهمني فى شيء كلامه الأخير عن انعقاد الزواج بلا شهود ولا ولي (على الرغم من كونه الأكثر بشاعة) وذلك لأن بطلانه أبين من أن يناقش ولكن المشكلة الحقيقية تتعلق بحديثة عن القبلات واللمسات والزانية الأولى والسرقة الأولى وأمور أخرى كثيرة من هذا القبيل تتعلق بموضوع طالما أطال فيه جمال البنا وأجال وهو موضوع (المعفو عنه من اللمم) على أساس أن كل الأمور السابقة تدخل فى معنى قوله تعالى: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم)، وإذا عدنا إلى تفسير الآية في القرطبي أو كتب التفسير الأخرى أن المقصود باللمم هو أن العبد يزنى فيتوب ولا يعود ويسرق فيتوب ولا يعود ويشرب الخمر فيتوب ولا يعود.

فما الجديد فى هذا التفسير عما نعرفه من قواعد الدين حتى يقيم جمال البنا أسطورته عليه فى إشاعة الإباحية وهدم الدين من أساسة؟!...

ألم نتعلم من أوليات الدين أن الله يغفر الذنوب جميعاً إلا الشرك بالله.{ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } والمقولة جاءت هكذا: أن العبد يقع فى الذنب ثم يتوب ولا يعود. ألم نتعلم أن التوبة وعدم العودة إلى الذنب يغفران الذنب لمن شاء الله.

ولكن ذلك لا يعنى أبدًا إباحة الذنب ابتداء وإنما هذا التفسير يتحدث عن العبد التائب من الذنب ولم يعد إليه فإنه يصير عند ذلك من اللمم وليس عن العبد الذى يريد أن يفعل هذا الذنب ابتداء.

ولكن الحيلة التى أراد بها جمال البنا أن يشيع الإباحية بين أبناء الأمة هي أنه تحدث عن وقوع الذنب فقط ولم يتحدث عن التوبة وعدم العودة أي أنه ذكر ثلث المقولة التفسيرية فقط وأراد أن يوهم الناس أنه بذلك ذكر المقولة التفسيرية كلها.

فها هو يقول لقد ذكر الطبري والقرطبي وابن كثير أن الزانية الأولى والسرقة الأولى وكل كبيرة أولى تدخل فى باب اللمم.

ولم يذكر أنهم قالوا: هذا إذا حدثت التوبة

ولم يذكر أنهم قالوا: هذا إذا لم تحدث العودة

وبهذه الحيلة يوهم الشباب والناس أن الزانية الأولى والسرقة وكل كبيرة أولى مغفورة ابتداء وهو من أعظم الباطل عند رب العالمين.

جدول مقارنة أفكار جمال البنا بأفكار خطة مؤسسة راند (تقرير شيرلي برنار):

 

الموضوع

أفكار جمال البنا

ما تستهدفه الخطة الأمريكية

1-الديمقراطية

الليبرالية

الحرية هي الطرف الأول والديمقراطية التعددية هي الحل الوحيد للأزمة الحضارية الراهنة.

تطبيق الديمقراطية الليبرالية في العالم الاسلامي هو الهدف الرئيسي للدراسة.

2- العلمانية

الإسلام دين وأمة وليس دينا ودولة ورفضنا للصيغة العلمانية الغربية لا يمنعنا من تقديم صيغة للعلمانية تتوافق مع القيم الإسلامية.

العلمانية وفصل الدين عن الدولة والمجتمع هي أسس الديمقراطية والعلمانيون هم حلفاؤنا الطبيعيون.

3- الحديث

إنكار صحة الأحاديث إلا ما يتفق مع الشريعة التي يحددها العقل تبعاً للظروف الموضوعية لكل عصر (أي ما يحددها العقل العلماني في النهاية).

يجب التشكيك في صحة الأحاديث، والاستناد إلى بعضها في نفس الوقت بعد تأويلها بما يتفق مع المصالح الأمريكية.

4- الحدود

الحدود غير قابلة للتطبيق العملي إذا تم الالتزام بالشرع ومن ثم فإن المقصود من الحد هو الزجر والردع وما يجب تطبيقه منها هو القيم الإسلامية فقط.

لابد من مساندة الحداثيين الذين ينظرون إلى أحكام الشريعة كالحدود على انها أحكام تاريخية.

 

5 - الحجاب

إن القرآن الكريم لم يأمر صراحة الا بستر الجيوب أي فتحات الصدور وإن الآية المتعلقة بالموضوع وإن أقرت الخمار فإنها لم تأمر به والاقرار به وهو إقرار بعادة.

 

القرآن علانية لا يؤيد قضية الحجاب ولكن يطلب زياً معتدلاً لكل من الرجال والنساء، وهو لا يحدد ماذا يعني ذلك في أزياء الملابس ولكنه يضع إرشادين: العرف المحلي ومركز الشخص في الحياة أي عمله أو عملها. فقط مجموعة محدودة جداً من النساء وهن زوجات النبي كان يطلب منهن تغطية أنفسهن بالحجاب، والقرآن نفسه يخصهم بخلاف وضعهن عن وضع باقي المؤمنات.

6- الجهاد

الجهاد هو جهاد الفكر

مساندة الحداثيين المؤولين لفريضة الجهاد

 



[1] -  صحيفة القاهرة: 15/8/2000

[2] - السنة: ص 245.

[3] - القاهرة: 15/8/2000.

[4] - فهم الخطاب القرآني: ص 106.

[5] - فهم الخطاب القرآني: ص 103.

[6] - فهم الخطاب القرآني: ص 104

[7] - جريدة القاهرة: 12/9/2000.

[8] - الإتقان: مختصر من 180: 182 طبعة دار قصر النيل.

[9] - السنة: ص 52.

[10] - المرجع السابق ص 158.

[11] - المرجع السابق ص 158.

[12] - راجع د. مصطفى السباعي: السنة وأثرها في التشريع الإسلامي.

[13] - مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية (الكويت): الضوابط المنهجية للاستدلال بالأحاديث النبوية: ص 126:127.

[14] - السنة ص 202

[15] - الجزء الثالث: ص 208.

[16] - المرجع السابق: ص 209.

[17] - المرجع السابق: ص 120.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: