سطور من الذاكرة\العدد السابع والثمانون - رمضان 1431هـ
البويهيون يُبقون على الخلافة العباسية
الثلاثاء 10 أغسطس 2010

هيثم الكسواني

 

شكل العام 334 للهجرة منعطفا خطيراً في مسيرة الدولة العباسية، ففي ذلك العام دخل البويهيون الشيعة بغداد، عاصمة العباسيين، بموافقة الخليفة المستكفي، لتخليص البلاد من تسلط الجند الأتراك، وكان البويهيون قبل ذلك قد تمكنوا من السيطرة على أغلب الأجزاء الشرقية للدولة العباسية، وصاروا على مقربة من العراق.

وبرغم ما أبداه المستكفي من حفاوة وإكرام للبويهيين، وزعيمهم أحمد بن بويه (معز الدولة)، إلاّ أنهم لم يمهلوه كثيرا، إذ سرعان ما قاموا بإهانته وعزله، وسمل عينيه، ونهب دار الخلافة، وجرد البويهيون الخلافةَ من كل صلاحياتها "حتى لم يبق للخليفة أمر ولا نهي ولا وزير أيضاً([1])". وعلى هذا المنوال سار  البويهيون في تعاملهم مع باقي الخلفاء العباسيين: المطيع (334 ـ 363هـ) والطائع (363ـ381هـ) والقادر (381ـ422هـ), وأخيراً القائم (422 ـ 467هـ).

كما قام البويهيون بنشر التشيع في العراق وفي الأراضي الخاضعة لسيطرتهم، وانتشرت مؤلفات الشيعة في تلك الفترة، وتجرأ الشيعة في عهدهم، فجهروا بطقوسهم، وكُتب سب الصحابة على أبواب المساجد، وقد تحدثنا عن شيء من هذا في العدد الثالث عشر من هذه الزاوية من الراصد([2])، لكن ما نحن بصدد بيانه في هذا المقال هو السبب أو الأسباب التي جعلت البويهيين يُبقون على الخلافة العباسية ولا يقومون بإلغائها، رغم سعيهم الحثيث، ورغم أن الفرصة كانت مواتية لذلك، فالبويهيون كانوا أصحاب السلطة المطلقة في الدولة العباسية طيلة 113 سنة، وكانوا شيعة متحمسين لمذهبهم الذي لا يقبل بالتبعية لدولة سنية يرونها غاصبة للسلطة ولا تؤمن بالإمامة كما يراها الشيعة.

ويذكر ابن الأثير وابن كثير أن معز الدولة البويهي فكّر في القضاء على الخلافة العباسية، ونقْلها إلى العبيديين الفاطميين، أصحاب المذهب الشيعي الإسماعيلي، وخليفتهم آنذاك، المعز لدين الله([3])، أو لغيره من الشيعة أو شخصيات آل البيت، إذ أن بني بويه وأتباعهم من الديلم "كانوا يتشيعون ويغالون في التشيع ويعتقدون أن العباسيين قد غصبوا الخلافة وأخذوها من مستحقيها فلم يكن عندهم باعث ديني يحثهم على الطاعة"([4]).

 واستشار معز الدولة أصحابه في ذلك، "فكلهم أشار عليه بذلك، إلا رجلاً واحداً من أصحابه، كان سديد الرأي فيهم، فقال‏:‏ لا أرى لك ذلك‏.‏

قال‏:‏ ولم ذاك‏؟‏

قال‏:‏ لأن هذا خليفة ترى أنت وأصحابك أنه غير صحيح الإمارة، حتى لو أمرت بقتله قتله أصحابك، ولو وليت رجلاً من العلويين اعتقدت أنت وأصحابك ولايته صحيحة، فلو أمرت بقتله لم تطع بذلك، ولو أمر بقتلك لقتلك أصحابك‏.‏

فلما فهم ذلك صرفه عن رأيه الأول، وترك ما كان عزم عليه للدنيا لا لله عز وجل‏"([5]).‏

وبذلك يتبين أن حرص معز الدولة على السيطرة على زمام الأمور هو ما منعه من قتل الخليفة لا حباً فيه أو خوفاً من عقاب الله عز وجل ، وظل القضاء على الخلافة العباسية حلما يراود البويهيين بعد ذلك، ويبين الباحث أحمد الكاتب أن من بين الذين أراد البويهيون أن يحكم بدل الخليفة العباسي، شيخ الشيعة المفيد([6])، أسوة بعبيد الله المهدي، أول حكام الدولة العبيدية الفاطمية في شمال أفريقيا، بعد أن كان مستترا، "فلم يحر المفيد جوابا، بعد تهافت حكاية التقية والخوف على نفسه من القتل"([7]).

واستمرت محاولات نقل الخلافة إلى الفاطميين حتى الأيام الأخيرة للبويهيين، وهذه المرة على يد أرسلان البساسيري التركي، وهو أحد قوّاد البويهيِّين ومقدَّميهم، ففي سنة 447هـ، راسل البساسيريُ المستنصر، ثامن حكام الدولة العبيدية الفاطمية، وأطلعه على عزمه إلغاء الخلافة العبّاسيَّة، وإرسال شارات الخلافة إليه، تمهيداً لاستقدامه إلى بغداد ومبايعته خليفةً للمسلمين عامَّة، وطلب منه الدعمَ بالمال والسلاح.

ولم يكتب لهذه المحاولة النجاح، إذ استنجد الخليفة العباسي، القائم بأمر الله، بقائد السلاجقة طغرلبك، الذي تمكن من دخول بغداد، وقتل البساسيري، والقضاء على الدولة البويهية، وإنقاذ الخلافة العباسية([8]) التي دامت حتى سنة 656هـ، عندما استطاع المغول اسقاطها بمساعدة من الشيعة، وهو ما سنتحدث عنه في المقال القادم بإذن الله.

 

للاستزادة:

1-   ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، ج 5.

2-   ابن كثير، البداية والنهاية، نسخة إلكترونية، ج 11.

3-   أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه، عمّان، 1997.

 



[1] - البداية والنهاية لابن كثير، نسخة إلكترونية، ج 11.

[2] - يمكن قراءة المقال على الرابط:

http://alrased.net/site/topics/view/389/البويهيون%20يتسلمون%20مقاليد%20الحكم%20في%20بغداد

[3] - رابع حكام الدولة العبيدية الفاطمية، والذي تم في عهده توسع الدولة باتجاه مصر والمشرق، بعد أن كانت نواتها في المغرب العربي، توفي سنة 365 هـ (975م).

 

[4] - الكامل في التاريخ لابن الأثير، نسخة إلكترونية، ج 5.

[5] - البداية والنهاية.

[6] - محمد بن محمد بن النعمان الحارثي، المعروف بابن المعلم، والشيخ المفيد، وهو أحد الذين وضعوا اللبنات الأولى للتشيع الإمامي، ولد قرب بغداد، في سنة 336هـ، وكان البويهيون، وخاصة عضد الدولة، يجلونه ويقدرونه، توفي في سنة 413هـ (المرجعية الدينية ومراجع الإمامية لنور الدين الشاهرودي ص 47، 48).

[7] - تطور الفكر السياسي الشيعي، ص 249.

[8] - يمكن قراءة المزيد عن محاولة البساسيري القضاء على الخلافة العباسية، على الرابط: http://alrased.net/site/topics/view/50/البساسيري

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: