فرق ومذاهب\العدد السابع والثمانون - رمضان 1431هـ
سلسلة رموز الفكر العلماني المعاصر 3- حسن حنفي
الثلاثاء 10 أغسطس 2010

 

محمد إبراهيم مبروك

خاص بالراصد

 البطاقة الشخصية:

د. حسن حنفي أستاذ جامعي من مواليد محافظة القاهرة  عام 1353هـ/ 1935م، ويعد أحد الرموز المعاصرين للعلمانية الماركسية، وقد مارس التدريس في عدد من الجامعات العربية ورأس قسم الفلسفة في جامعة القاهرة. له عدد من المؤلفات في فكر الحضارة العربية الإسلامية. حاز على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون.عمل مستشاراً علمياً في جامعة الأمم المتحدة بطوكيو خلال الفترة من (1985-1987). وهو كذلك نائب رئيس الجمعية الفلسفية العربية، والسكرتير العام للجمعية الفلسفية المصرية، وهو منذ سنة 1995 وحتى الآن أستاذ متفرغ كلية الآداب - جامعة القاهرة.

أما أهم أعماله:

التراث والتجديد (4 مجلدات)، من العقيدة إلى الثورة، من النقل إلى الابداع (9 مجلدات)

مقدمة في علم الإستغراب، في فكرنا المعاصر، دراسات إسلامية، الحداثة والمعاصرة.

تمهيد:

على القارئ الذي يتابع معنا رحلتنا فى فكر الدكتور حسن حنفي أن يتخلى عن الكثير من القواعد التي اعتاد انتظامها فيما يكتبه المفكرون من كتب ليس هذا من باب التشويه المبدئي, ولكن من باب التنبيه على الخصوصية الخاصة لهذا الفكر ومدى ما يحمله من غرابة, وحتى يكون عقل القارىء مؤهلا للرحيل معنا فى هذا الفكر، وعلى الرغم من المشاكل العديدة المتعلقة بفكر الدكتور حسن حنفي الباعثة على التنافر حتى بالنسبة للعلمانيين أنفسهم, مما يدعو للتساؤل عن مدى أهمية الوزن الحقيقى لهذا الفكر, الذى يصل أمر الموقف منه إلى الدرجة التي يصفه بها مفكر علمانى له ثقله كالدكتور فؤاد زكريا بأنه " حلقة متناقضات جنونية " !!

وعلى الرغم من كل ما سابق, فإن العلمانيين فى غمرة معركتهم مع الإسلام يناصرون أي شخص له موقف مضاد من الإسلام أو مزيف له فى تلك المعركة, ولكن مالنا نظلم الدكتور حسن حنفى, وهل هناك فى الحقيقة مفكرون ذو ثقل حقيقي للاتجاه العلمانى!!

رؤية حسن حنفي:

الرؤية التي تحكم نظرة الدكتور حسن حنفى إلى الإسلام هي رؤية مادية صرفة, حيث ينظر إليه على أنه تراث حضاري كبير له استقلاله الخاص وله قدرته الفعالة فى التأثير على شعوب هذه المنطقة، ويهدف الدكتور حسن حنفى إلى إقامة مشروع ثوري اشتراكي مزعوم من نفس المناحي الايجابية التي يراها فى التراث الإسلامى, ومنهجه فى ذلك – إن جاز التعبير – هو طمس ما تعارف عليه الناس من حقائق الدين وتعاليمه وشرائعه, عبر استبعاد مالا يراه صالحا منها, وإعادة صياغة وتشكيل مايراه صالحا بالطريقة التي يمكنه بها إقامة مشروعة المزعوم، والخلاصة أنه يريد أن يقيم مشروعه المزعوم من خلال توليفة فكرية من المذاهب الإسلامية المختلفة بحسب ماتقتضيه الاحتياجات العصرية المحددة بشكل مسبق, وليس البناء على أساس موضوعي من الدين ذاته.

واهم مايميز فكر حسن حنفى هو وضوح منهجه البراجماتى – الذى يتبعه فى إقامة مشروعه – وضوحا تكاد تتطابق معه بعض العبارات التي يعرض بها منهجه مع بعض عبارات وليم جيمس تماما رائد البراجماتية.

خذ مثلاً حديث حسن حنفي عن منهجه في مشروعه تجاه التراث والتجديد في كتابه المسمى بهذا الاسم, يقول: " مهمة التراث والتجديد إذن هي إعادة كل الاحتمالات القديمة بل ووضع احتمالات جديدة, واختيار انسبها لحاجات العصر, اذ لا يوجد صواب وخطأ نظري للحكم عليها, بل لا يوجد إلا مقياس عملي فالاختيار المنتج الفعال المجيب لمطالب العصر هو الاختيار المطلوب ولا يعنى ذلك إن باقي الاختبارات خاطئة, بل يعنى أنها تظل تفسيرات محتملة لظروف أخرى وعصور أخرى ولت أو مازالت قادمة". أي أن الأفكار المقبولة من التراث هى أنسب الأفكار التى يمكنها تلبيه حاجات العصر بشكل علمي، أى أنها الأفكار التى من الممكن أن تستخدم كأداة لبلوغ أهداف حددتها سلفا حاجات العصر ومطالبه.

قارن ذلك بقول وليم جيمس في كتابه البراجماتية: " إن الحقيقي فى أوجز عبارة ليس الا النافع الموافق للمطلوب فى سبيل تفكيرنا تماما, كما أن الصواب ليس سوى الموافق النافع المطلوب فى سبيل مسلكنا, وحيازة الحقيقة بعيدة كل البعد على ان تكون غاية فى ذاتها, فهى لاتزيد عن كونها مجرد وسيلة أو إرادة أولية لبلوغ الإشباع والرضا والسرور .. كما أن الحقيقة نفسها فى حالة تغير وتبديل وانتقال".

وننتقل الآن إلى شاهد آخر, وهو شاهد يتعلق بالتصوير العقائدي الجديد الذي يريد حسن حنفي إقامته، يقول في كتابه السابق : " فالله الواحد الذي ليس كمثله شيء والذي لايرى ويرى كل شىء , ليس هو بالضرورة التصور الوحيد لله كما نعلم من تاريخ العقائد, فهناك الله الحسي المجسم, محل الحوادث, عند الكرامية والمشبه على اختلاف فرقهم، وليس بالضرورة أن يكون التصور الأول صحيحا والثانى باطلا, إذ يعكس التصوران صراعا قويا, وقوة السلطان الذى ليس كمثله شىء وقوة المعارضة التي تجعل حركة التاريخ جزءا من الإلوهية، أما الصفات التى تجعل الله يسمع ويرى ويبصر كل شيء, فقد تمت صياغتها من أجل استخدام سياسى خالص للسلطة, والتى هى بدورها ترى وتسمع وتبصر كل شىء.

علم العقائد إذن اختبارات سياسية محضة وليس علما مقدسا, وكل ظروف تفرض اختياراتها, وقد تتم تحت ظروفنا الحالية اختيارات أخرى .. قد يكون من صالح الأمة الآن الدفاع عن الله وتصورها باعتباره أرضا درءا للاحتلال وتحريرا للأرض".

أي أن التصور الالهى نفسه يجب أن يخضع للمتطلبات والاحتياجات التي يقتضيها العصر ومشاكله، قارن ذلك بقول وليم جيمس في كتابه البراجماتية :" أننا بدلا من أن نتسائل عما يسير الأشياء وهل هي المادة أم الله. يجب أن يكون تساؤلنا كالتالي: ماهو الفرق العملي الذي يمكن أن يحدث الآن إذا قدر للعالم أن تسير دفته بواسطة المادة أو بواسطة الله ؟ أننا في مقدورنا أن نتمتع بإلهنا إذا كان لدينا إله ".

أما حديثه عن أثر الاستبداد السياسي في صنع التصورات العقائدية في الإسلام فأنه لايستند على أى حقيقة تاريخية واقعية، واستقلال مذاهب أهل السنة والجماعة على وجه الخصوص فى العقيدة عن السلطات الحاكمة لايمكن الطعن فيه، ولقد كان موقف الإمام أحمد من الخليفة المأمون فى مسألة خلق القرآن خير شاهد لذلك، إلا أن هذه العبارة وغيرها من العبارات الأخرى تعكس أثر الفكر الماركسي فى تحليلات حسن حنفى لحقائق الدين.

 بحسب تحديد الدكتور حسن حنفى نفسه لمشروعه الفكرى فهو يدور أساسا حول العلاقة بين التراث والتجديد ولهذا فإن عناوين كتبه عادة ماتتناول هذبن اللفظين أو مافادهما ( التراث والتجديد – من العقيدة الى الثورة – من النص الى الابداع – التراث والعصر والحداثة)،  ترى إذن ما الذى يقصده بالتراث والتجديد وماهى العلاقة التي يريدها بينهما؟ 

 * مالذى يعنيه الدكتور حسن حنفى بالتراث وماهو موقفه منه ؟

يحدد الدكتور حسن حنفى ما يقصده بالتراث فيقول: " التراث ليس تراثا دينيا فحسب بل يتداخل فيه الديني والشعبي"، أذن الدين جزء اساسى من التراث، ولكنه يضيف: " لايوجد تراث خارج التاريخ"، و " التراث وسيلة وليس غاية فى ذاته, أداة وليس موضوعا, متغيرا وليس ثابتا. لا يوجد شيء اسمه التراث بعيد عن طرق توظيفه واستخدامه. التراث هو مجرد افتراض لاوجود له بالفعل، مجرد تصور اجرائى للحديث عن ثقافة الجماهير. يتم إدراكه فى عملية التغير أو كدافع على التقدم, عندما تستعمله السلطة اداة للضبط الاجتماعى او وسيلة للحراك الاجتماعي التى هى جزء من عملية التغير الاجتماعي واحد فعاليته, طاقة ايجابية يمكن توليدها سلبا أم إيجابا طبقا للسلطة فى المجتمع واختياراتها السياسية والاجتماعية".

أما موقفه هو من هذا التراث فإنه يحدده كالتالي: " إن مهمة المفكر المتعامل مع التراث أن يعيد قراءته بحيث يعيد إليه تعدد الاختيار بين بدائله حتى يستقر على وجه أخر أصلح للناس وانفع لهم". فالمفكر المتعامل مع التراث ليس هوا الأستاذ صاحب المهنة بل هوا المفكر صاحب الرسالة. يبدأ بالتعرف على حاجات الناس والإحساس بمصالح العصر كما كان يفعل الفقيه القديم. ولما كان التراث مثل النص له بدائل عدة ويحتوى على تيارات ووجهات نظرة مختلفة فالقوى السياسية التى دفعت على إنشائه متصارعة مع النص. وكانت المصالح متغيرة من قوة سياسية إلى قوة سياسية أخرى ومن عصر إلى عصر فإن مهمة المفكر هى إعادة الاختيار بين البدائل المختلفة في التراث !!

الرجل لايتركنا هكذا وإنما يعطينا بعض النماذج للبدائل " فالمعتزلة أفضل من الاشاعرة بالنسبة للعصر فحاجتنا إلى العقل والحرية .. والدفاع عن الفلسفة القديمة وحكمتها المنطقية والطبيعة والإلهية أفضل من رفضها ".

فإذا لم تنفع هذه البدائل فإن المفكر عليه أن يبدع بدائل جديدة فهو " جزء من التراث والتراث جزء منه " فلاهوت الثورة, ولاهوت التحرير ولاهوت التنمية, ولاهوت التقدم أحد إشكال اللاهوت لايقل شرعية عن نظرية الذات والصفات عند الاشاعرة أو عن أصلى التوحيد والعدل عن المعتزلة.

هذه رؤية حسن حنفي للتراث وموقفه منه، والآن علينا أن نتحدث عن رؤيته للتجديد، واستند في هذا إلى دراسته ( نحو فلسفة اسلامية جديدة ) الواردة في كتابه الحداثة والمعاصرة يقول حسن حنفى : " والحقيقة أن الطبيعات والالهيات علم واحد مرة مقلوبا إلى أسفل فتصبح الطبيعات ومرة مقلوبا إلى أعلى فتصبح الإلهيات "، ثم يستطرد " لايوجد إلا عالم المفارقة بين الحس والخيال. وهذا رأى المهندسين فى الإلهيات كالهندسة عالم وهمى من صنع الخيال أمثلته من العالم المحسوس ".

ما صلة الله تعالى بالعالم ؟ 

يجيب حسن حنفى عن ذلك فيقول: "الله هو الثابت فى الكون والعالم هو الحركة فيه واجهتان لشىء واحد .. لا يوجد إلا العالم والله هو دوامه وبقاءه واستمراره وقوانينه وسنته الثابتة، وإذا كان الطريق إلى الفوز والنجاة والسعادة الأبدية فى نظرية الخلق هو تطبيق الشريعة وممارسة الشعائر .. فإنه فى نظرية قدم العالم العلم بقوانين الطبيعة من أجل السيطرة عليها وتسخيرها ". ومما يجدر الاشارة إليه هنا أن العلم الحديث أثبت بشكل حاسم خطأ نظرية قدم العالم، وإذا كان الله بحسب نظرية حسن حنفى هذه اتحد بالطبيعة أو بدقة أكثر هو الطبيعة، فإنه لابد أن يتحد بالمجتمع أيضا وتحديدا بالمجتمع الشيوعي لا الطبقى!!

النتائج الإبداعية العجيبة للتجديد الحنفي

إذا كان التراث (الدين) بحسب ما قدمنا لفكر حسن حنفي ماهو الا منتج حضاري يجب استخدامه لتحقيق مصالحنا وإذا كان التجديد هو اختيار البدائل الأكثر توافقا من هذا التراث مع هذه المصالح، فترى ماهى النتائج الإبداعية العظيمة التى انتهى اليها الدكتور من خلال استخدامه لهذا المنهج ؟؟

من أهم هذه النتائج الإبداعية هو ماجاء فى فصل الوحى والواقع في الكتاب المذكور (الحداثة والمعاصرة) من ذهاب إلى أن " المجتمع أولاً والوحي ثانياً. والناس أولاً والقرآن ثانياً"، وفى المرحلة الأخيرة " يستقل الوعي البشرى عقلاً وإرادة ويصبح الدين تعبيراً عن الفطرة والوحي مطابقا للواقع" وفى فصل بعنوان ( انساق العقائد والنظم الاجتماعية ) يلخص حسن حنفى نتاجه الإبداعية العظيمة فى قوله " يمكن إفراز انساق عقائدية جديدة تلبى مطالب الظروف الحالية وتطلعات أجيالنا الى التحرر والحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة والتنمية وتأصيل الهوية وحشد الجماهير. هم (القدماء) رجال ونحن رجال نتعلم منهم ولانتقتدى بهم. يمكن أن يكون الله هو الأرض حرصاً من على تحرير الأرض وربطها بالإلوهية وكما هو وارد بنص القرآن " إله السموات والأرض " " رب السموات والأرض " " وهو الذى في السماء اله وفى الأرض اله ", ويمكن أن يكون الله هو الخبز والحرية تعبيرا عن حاجتنا إلى الغذاء والآمان طبقا لنص القرآن " فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف "

التفسير لعجائب الدكتور حسن حنفي

احسب أن ماقدمته فى الصفحات السابقة هو تلخيصى لكل فكر الرجل, وأضيف إلى ذلك أننى قدمت تلخيصا لكل فكر الرجل مع الإسهاب الشديد هذا بالنسبة لغير المتخصصين أما بالنسبة للمتخصصين فإنني أقدم تلخيصا لكل فكر الرجل فى عبارة واحدة هى" ( النظر إلى الدين على أنه منتج يمكن صياغته بحسب رؤية ماركسية وتسويغ ذلك بشكل براجماتى).

فكل فكر حسن حنفي يدور فى هذا المعنى ولايقدم إلا شروحا أو تكرارا له، وإن كان هذا المعنى ذاته منقول نقلاً عن بعض الماركسيين الغربيين القدامى فإنه من المنظور الفكرى البحث وبعيدا عن اى تحديد أيديولوجى فإنني أزعم أن الإبداع الفكرى للعلماء العرب مخز إلى درجة محزنة، وقد يكون حسن حنفى من أبرز الأمثلة الدالة على ذلك. وسنقوم الآن بالتدليل على هذا الذى نقوله.

الدين منتج حضاري:

ذكرت فيما سبق كيف يحدد حسن حنفى نفسه الدين كأحد متضمنات التراث ثم يعطى لنفسه الحرية التامة فى الحديث عن هذا التراث كمنتج حضاري ( تاريخي – اجتماعي – فكرى ) فمسألة استخدام مصطلح التراث ليس سوى غطاء يسمح بقدر كبير من الحرية فى الحديث عن الدين كمنتج وليس كمقدس.

 ويقول عن ذلك فى كتابه الشهير التراث والتجديد " لا يوجد الدين فى ذاته " "بل يوجد تراث لجماعة معينة ظهر فى لحظة تاريخية محددة ويمكن تطويرها طبقا للحظة تاريخية قادمة ".

لكن الرجل كثيرا ما يتخلى عن هذا الغطاء الشفيف ويتحدث صراحة عن الدين بدرجات متفاوتة – على أنه منتج حضارى، يقول مثلاً فى دراسته (الموقف من التراث): "لماذا لاتكون الأرض جزءا من الإلوهية أو محورا مقابلا معها "، ويقول فى دراسة أخرى عنوانها (انساق العقائد والنظم الاجتماعية) منشورة بنفس الكتاب " نشأ التصور الواحدى فى مجتمع جاهلى قبلى تتناحر فيه القبائل تعبيرا عن حاجة وتلبية لمطلب لدى مجتمع محدد فى لحظة تاريخية معينة "، ويقول فى موضوع آخر من نفس الدراسة: " يمكن أن يكون الله هو الأرض حرصا منا على تحرير الأرض وربطها بالإلوهية"، وفى موضوع أخر يقول: " ويمكن أن يكون الله هو الخبز والحرية تعبيرا عن حاجتنا إلى الغذاء والأمان "، ويقول في كتابه (دراسات إسلامية): " علم العقائد إذن اختيارات سياسية محضة وليس علما مقدسا وكل ظروف تفرض اختياراتها, وقد تتم تحت ظروفنا الحالية اختبارات أخرى. قد يكون من صالح الأمة الآن الدفاع عن الله وتصوره باعتباره إرضا درءا للاحتلال وتحريرا للأرض".

منظوره الماركسي:

ذكرت من قبل كيف يتحدث الدكتور عن أن الله هو الطبيعة هذا هو الأساس المادى للفكر الماركسى، وأن هدفه التجديدى هو إلغاء الطبقية وهو الغاية الماركسية الأصيلة، ولذلك فإنه يدعو إلى تحويل الإلهيات العقلية إلى الهيات إنسانية اجتماعية وتاريخية حتى تتحقق وحدة الامة "ثم تأتى بعد ذلك وحدة المجتمع بلاطبقات "، وعلى ذلك فإن أى شيء يتم تفسيره كرد فعل للمادة تبعا للمنهج الماركسي الجدلى لا يوجد أى نمو مستقل للفكر أو الدين فالأنبياء رد فعل لظروف تاريخية محددة " وكذلك كما يذكر فى كتابه (دراسات إسلامية) فإن " القول بأن المعاد خارج العالم فهو من أجل أن يؤسس الإنسان ملكوته خارج العالم ويعد له بعد الموت . أما داخل العالم وقبل الموت فهو حق السلطة القائمة لاينازعها فيه أحد " تبعا للنظرية الماركسية فى كون الدين أفيون للشعوب لذلك فهو يذهب إلى القول بأن " المجتمع أولاً والوحى ثانياً والناس أولاً والقرآن ثانياً, والحياة أولاً والفكر ثانياً".

منهجه البراجماتى فى تسويغ مشروع الاحتيالي:

ذكرنا من قبل كيف يتحدث الدكتور عن أن التراث والذى يتضمن الدين بحسب تحديده ماهو إلا وسيلة " التراث وسيلة وليس غاية "، والحقيقة أن هذه الحوسلة ( أى تحويل الأشياء إلى وسيلة ) يمارسها الدكتور على كل الأمور بحسب منهجه البراجماتى. ولكن هذا المنهج البراجماتى يتضح بشكل أكثر صراحة فى كتاب ( التراث والتجديد ) وذلك في قوله: " إن مهمة التراث والتجديد إذن هي إعادة كل الاحتمالات القديمة بل ووضع احتمالات جديدة واختيار انسبهم حسب حاجات العصر إذ لا يوجد صواب وخطأ نظرى للحكم عليها بل لا يوجد إلا مقياس عملى فالاختيار المنتج الفعال المجيب لمطالب العصر هوا الاختيار المطلوب ولا يعنى ذلك أنها تظل تفسيرات محتملة لظروف اخرى وعصور أخرى ولت أو مازالت قائمة ". ولا ينعكس هذا المنهج البراجماتى الاحتيالي لحسن حنفى فى حوسلة الدين فقط ولكن ينعكس بشكل أكثر مباشرة فى الأسلوب الاصطلاح الذي يستخدمه في عمل هذه الحوسلة.

فالدين يتم التعبير عنه بكلمة التراث, والعقائد الإسلامية باسم علم العقائد أو علم الإلهيات والآخرة بعلم الغيبيات وهكذا فإن مايفعله مجرد استخدام غطاء شفيف يعبر من خلاله عما يريد من هجوم على العقائد وهو يفترض أنها تعزله في نفس الوقت عن المحاسبة الدقيقة عما يقول .

الحصيلة الأخيرة

والسؤال المطروح الآن هو: ماهو الإبداع العظيم الذي يقدمه الدكتور حسن حنفي في كل ماسبق؟ وأنا لا أتحدث هنا عن موقف الإسلام من الرجل فكون الرجل لاعلاقة له بالإسلام بتاتا هي مسألة أوضح من الوضوح.

ولكني أتحدث هنا من المنظور الفكري البحت فلا أجد المسألة إلا عبث في عبث. فالرجل لم يفعل شيئا سوى أنه قدم المنظور الماركسي للإسلام ثم حاول بتلفيقات احتيالية براجماتية شديدة الخيبة تقديم كيان فكري هلامي من شظايا فكرية متناثرة من التراث الإسلامي.

لايوجد أي انسجام بينها ولم يحاول هو نفسه العمل على صنع هذا الانسجام وإن كان هذا أيضا لن يخرجه من دائرة العبث.

فهل قيام حسن حنفي بدور البهلوان في السيرك الفكري العلماني من الممكن أن يمنحه قيمة خاصة؟

المكافأة

الواقع أن قيام حسن حنفي  بهذا الدور الإبداعي العظيم أهله لآن يمنحه الوزير الفنان فاروق حسني جائزة الدولة التقديرية لعام 2009.

 

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: