المتشيعة بين الالتزام الأخلاقي والالتزام الأيديولوجي
الخميس 9 سبتمبر 2010

بوزيدي يحيى

تنفرد كل ظاهرة اجتماعية بمجموعة من الخصائص تميزها عن غيرها من الظواهر الاجتماعية، وفي حالة الجماعات أو الحركات الدينية بالرغم من خاصية (الدين) المشتركة بينها، إلا أنه تبقى لكل جماعة خصوصيات، وهذا ما ينطبق على ظاهرة التشيع في المغرب العربي.

هذه الظاهرة مازالت في إطار التبلور ولم تكتمل أبعادها كلية لذلك يشتد الخلاف بين المتابعين لها لاعتبارات أيديولوجية وسياسية وموضوعية، الأمر الذي جعل من هذا الخلاف في حد ذاته أحد خصائصها.

وما لاحظه البعض في هذا المجال وطرح العديد من التساؤلات عند الكثير منهم  هو عدم الالتزام الأخلاقي وهوس فئة من المتشيعين بزواج المتعة الذي يفتح الأبواب تدريجيا للانحلال الخلقي بغطاء ديني!!، وأيضا عدم اهتمام الكثير منهم بالشعائر الدينية وغيرها من السلوكيات التي تميز الملتزمين دينيا كحفظ القرآن الكريم والاهتمام بالعلوم الشرعية وما إلى ذلك، هذا ما دفع بالمتابعين للموضوع إلى التشكيك في حقيقة تشيع هؤلاء والذهاب إلى أنه مجرد استغلال للدين/التشيع لتحقيق نزوات شخصية، ومن زاوية أخرى تطرح تساؤلات عن موقف القيادات المحلية (والمقصود هنا هم السابقون في التشيع والذين درسوا أو يدرسون في الحوزات الدينية في إيران وغيرها من البلدان العربية ويحظون بمكانة متميزة بين المتشيعين) من هؤلاء المنحرفين، والمفارقة هنا أن الكثير منهم يبرر سلوكياته على أنها تقية.

لفهم هذه الإشكالية نحن بحاجة للإحاطة ببعض جوانب الموضوع التي تنطبق على الجماعات الدينية بشكل عام وذات الطابع الحركي بشكل خاص، ومن ثم ربطها بالتشيع وخصوصياته لتكتمل الصورة. ومن بين هذه الملاحظات المساعدة في فهم الظاهرة ما يلي:

 _ مشكل عدم الاهتمام بحفظ القرآن وتلاوته عند هؤلاء المتشيعة يماثل ما تعانى منه الحوزات الشيعية العريقة نفسها إذ أنها تهمل في مناهجها تدريس القرآن الكريم وعلومه، حتى أن الطالب هناك قد يبلغ درجة الاجتهاد من دون أن يكون قد تعرف على علوم القرآن وأسراره أو اهتم به ولو على مستوى التلاوة وحسن الأداء([1])، وبالتالي فإن عدم اهتمام المتشيعين في الجزائر خصوصا والمغرب العربي عموما بحفظ القرآن وحتى تلاوته ليس غريبا أو استثناءً، كما تحدثت بعض التقارير على أن نسبة كبيرة من الشعب الإيراني لا تؤدي الشعائر الدينية وهناك عزوف كبير من الشباب عن الصلاة في المساجد، لكن الحضور الكبير يكون في المناسبات الجماهيرية ذات الطابع الاحتفالي والتي يهتم بها رسميا بشكل كبير لاعتبارات سياسية، وعنصر الجذب هنا هو جماهيريتها والشعور العام الذي يختلج الفرد فيها ويتصور بأنه لا يمكن أن يكون كل هؤلاء على ضلال ما يعطيه طمأنة نفسية وليس باعتبارها شعائر دينية، وفي نفس الوقت تكون مناسبة لجرعات أيديلوجية إضافية كما هو الحال في باقي الحركات الجماهيرية، حيث يكون المقياس الأهم لنجاحها هو مشاركة أكبر عدد ولا يهم درجة انضباطهم الخلقي.

_ معظم من يتشيع في سن مبكرة تكون أسباب تشيعه إما التأثر بالأحداث السياسية الدولية أو بتأثير شخص ما متشيع من وسطه الاجتماعي القريب ونادرا ما يكون الدافع الجنسي المتمثل في زواج المتعة السبب في ذلك، على عكس ما يذهب إليه البعض لأننا كما سبق شرحه في موضوع (هكذا يتشيع أبناء المغرب العربي([2])) أمام ظاهرة دينية روحية هدفها التسامي الروحي والأخلاقي (ولو كان بشكل مرحلي) بالتالي فإن مدخل زواج المتعة ليس الأنسب لها فمثلا لا يعقل أن يصدق شخص أن زواج المتعة سيقربه من الله عز وجل ويدخله إلى الجنة فهناك مدخلان سياسي ووعظي ومن يرغب فقط في قضاء نزوات شخصية لن يكون مضطرا لأن يتشيع بل حتى المنحرفين  حتى ولو كان مخمورا فإنه لا يجرؤ على سب الصحابة وإذا حدث أن تشيع أحدهم فقط من أجل زواج المتعة فهي حالات شاذة،  ولكن بعد مرور سنوات على تشيعه تقريبا بعد ثلاث سنوات يخفت ذلك الاندفاع والحماس الأيديولوجي والرغبة التي تكون في البداية لمعرفة المذهب الجديد وفي نفس الوقت تزداد الحاجة البيولوجية (الرغبة الجنسية) (تحديدا عند من يتشيع في المرحلة الثانوية والجامعية) ويبدأ التفكير في الزواج، وهنا يطرح موضوع زواج المتعة (كحل متاح غير مكلف ومبرر أخلاقيا)، وهذا لا يتناقض مع المبدأ الأيديولوجي خاصة مع الظروف الاقتصادية الصعبة وتكاليف الزواج الباهظة، وهذا ما يزيد من تشدده وتعصبه أكثر وكما لا يستبعد تأثير الحاجات البيولوجية على الجماعات المسلحة التي استصدرت فتاوى تبيح الاعتداء واغتصاب الجزائريات على أنهن سبايا حرب رغم شناعة الفعل وفظاعته وعدم استساغته عند الأسوياء فإن الحاجة البيولوجية أيضا تبرر للمتشيع إقدامه على زواج المتعة كبديل عن الزنا  وإمكانية استمراره إذا حصل توافق وانسجام بين الزوجين وغيرها من المبررات غير المنطقية مقارنة بأضراره الكبيرة المعلومة.

_ يهتم المتشيعون بالفلسفة والفكر بشكل كبير إذ أن معظمهم يمتلك خلفية ثقافية وفكرية جيدة لكن ثقافته الدينية ضعيفة،  لذلك نجدهم متأثرين بأفكار رموز الفكر الليبرالي والفلسفة مثل محمد أركون ونصر حامد أبو زيد وغيرهما، والعجيب أنهم رغم تبنيهم لنظريات العلمانيين النقدية للتيار الديني بصفة عامة والسلفي بصفة خاصة، إلا أنهم يقبلون ويعتنقون المعتقدات الشيعية كعصمة أهل البيت والمراجع الدينية والولي الفقيه والتي تعد أكثر مصادمة للنظريات العلمانية!!

وهذا إضافة إلى عدم الاهتمام بالقران الكريم مما يسهل الانحلال الخلقي وفي نفس الوقت يعمق الالتزام الأيديولوجي، وقد لاحظ  بعض المهتمين بالشأن الإيراني أن المتدينين الجدد أكثر تعصبا من أصحاب المذهب أو الدين الأقدم، وهذا ما تجده لدى اللاحقين الجدد بأي دين وثقافة، أو مذهب جديد، أو من يحبون أن يثبتوا أنهم في قلب تلك الديانة أو المذهب،)([3])

_ بعض من مارس من هؤلاء زواج المتعة كان ذلك بعد سنين طويلة إما بسبب انفصاله عن زوجته أو لفتور الحياة الزوجية وهو مشكل تعاني منه معظم المجتمعات العربية إذ يدخل الزوجان في روتين المشاغل اليومية ومسؤولياتهم تجاه أبنائهما، ما يؤدي إلى إهمالهما لبعضهما البعض خاصة الزوجة التي لا تولي اهتماما بمظهرها الخارجي والجمالي لزوجها، وكما يجد البعض الحل في العلاقات العابثة خارج إطار الزوجية والبعض الآخر يقوم بالزواج من امرأة ثانية فإن المتشيع ولوجود مبرر شرعي لديه يلجأ إلى ممارسة زواج المتعة خاصة وأن هذا النوع من الزيجات يكون خارج الجزائر وذلك لأن هذا النوع من الزواج غير متعارف عليه في المجتمع الجزائري وإن كانت بعض التقارير الصحفية تحدثت عن وجوده([4]).

من هنا يمكننا القول أن الالتزام الأيديولوجي يكون منفصلا عن زواج المتعة وفي المثال الذي أورده الباحث فريد مسعودي([5]) عن إدمان الشباب المتشيع لزواج المتعة وانتشاره بينهم بشكل كبير تحدث فيه عن أهم شخصية بينهم وهو المدعو "محمود" الذي يحظى باحترام كبير في كل الحوزات العلمية في العراق ولبنان وحتى في "قم". وبالتالي فإن هذا السلوك ليس محل اعتراض رغم أنه بلغ درجة الإدمان ما يبين أن المطلوب عند المرجعيات كلها ليس الالتزام الأخلاقي (كباقي الدعوات الدينية) وإنما المهم هو الالتزام الأيديولوجي وهذه ميزة الحركات ذات المشاريع السياسية التي تقدم الأيديولوجي عن المتخلق، بل والأكثر من ذلك أن يستغل هذا الانحلال لتثبيت المتشيعة أيديولوجيا.

وتأسيسا على هذا نرى بعدم  وجود علاقة تأثير وتأثر بشكل مباشر بين الانضباط الأخلاقي والانضباط الأيديولوجي فلا يمكننا القول أنه كلما ضعف المتشيع أخلاقيا ضعف التزامه أيديولوجيا أو العكس وقد يدفع زواج المتعة إلى تعصب أيديولوجي أكبر لاعتبارات أيديولوجية ولكن لنزوات نفسية، بالإضافة إلى التقية التي هي كذب صريح واللعن والسب والشتم وغيرها من الصفات اللا أخلاقية التي تنبذ في كل الأديان وتجتمع في دين التشيع وتؤكد ما ذهبنا إليه.

 



([1])   موقع فيصل نور ( الشيعة والقرآن)

([2])   الراصد ، العدد الرابع والسبعون ، شهر شعبان  1430هـ.

([3])   ملاحظة لكاتب كردي والشيخ هاني فحص، والكاتب الأحسائي فؤاد إبراهيم وهو ما يجده المسؤول الإيراني، علي لاريجاني قد ينفع سياسيا، ولتفاصيل أكثر في الموضوع أنظر : د محمد الأحمري ، عائدا من معرض طهران للكتاب، مجلة العصر 27 /07/2010 .

([4]) مثل جريدة الشروق (20/5/2010) إذ أوردت أنباء عن ملاحقة شبكة (زوجتك نفسي) المتخصصة في زواج المتعة فإن قراءة الموضوع تبين وجود خلط في المفاهيم والمصطلحات والأرجح أن العنوان كان للإثارة الصحفية لا أكثر ونفس الشيء ينطبق على تقرير لجريدة الجزائر نيوز (10/2/ 2010) الذي تحدث عن انتشار ظاهرة جديدة في الوسط الطلابي في كلية العلوم الشرعية بالعاصمة  يطلق عليها اسم ""زواج فريند"" أو ما يسمى بزواج المسيار في رأي بعض علماء الدين، أو المتعة عند الشيعة، أو العرفي في المجتمعات الشرقية، ومقدمة التقرير وحدها تكشف أيضا الخلط الكبير بين كل أنواع هذه الزيجات التي جعلها معد التقرير زواجا واحدا رغم الفوارق الكبيرة بينها، كما تحدث تقرير في أحد المواقع الإلكترونية عن انتشار (زواج المتعة في قطاعات من المجتمع الجزائري. ويجد الشباب الجزائري في جمعيات مثل الغدير والبصائر والتواصل، ضالتهم المنشودة في الزواج الموقت) وهذه الجمعيات هي مغربية وليست جزائرية والموضوع جمع فقرات من تقارير مختلفة ما يفقده المصداقية والنماذج التي قدمها  كلها لمهاجرين ، وحتى المجتمع المغربي لا يختلف في هذا الموضوع عن المجتمع الجزائري وقد أرجع تقرير لجريدة الشروق (18/8/2009) إقدام مغربيات على زواج المتعة في ساحل العاج (كوت ديفوار) التي تتواجد بها جالية لبنانية لأسباب مادية وليس من منطلقات دينية.

([5]) زواج المتعة أحد أسباب الإقبال عليه: التشيع السري يزداد انتشارا في الجزائر على يد عراقيين وشوام، دنيا الوطن 6/11/2005.

 

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: