فرق ومذاهب\العدد الثامن والثمانون - شوال 1431 هـ
سلسلة رموز الفكر العلماني المعاصر 4
الخميس 9 سبتمبر 2010

4- برهان غليون

 أسامة الهتيمي

 خاص بالراصد

على الرغم من أن الدكتور برهان غليون ليس من الأكاديميين المتخصصين في العلوم الإسلامية إذ هو في الأصل أستاذ علم اجتماع - الأمر الذي لم يمنح كتاباته ضجة فكرية أو جدلا إعلاميا كغيرها من كتابات أغلبية الكتاب والمفكرين العلمانيين في عالمنا العربي والإسلامي - إلا أنه استطاع أن يحتل لنفسه مركزا متقدما بين النشطاء من المفكرين العلمانيين الذين حملوا على عاتقهم نشر القيم العلمانية تحت لافتة التحديث المزعومة في العالم العربي حيث تمكن برهان غليون إلى حد كبير من توظيف مجال تخصصه في مجال علم الاجتماع في أن يربط بين الحداثة والتحديث من ناحية وبين العلمانية وقيمها من ناحية أخرى من خلال الإطار الاجتماعي السياسي.

ولادته وتعليمه:

ولد برهان غليون لأسرة متوسطة الحال في مدينة حمص السورية عام 1945م - 1364هـ أي أن عينيه قد تفتحت على مخاض مرحلة سياسية عصيبة إلى أقصى درجة حيث منيت الجيوش العربية بهزيمتها الأولى على يد عصابات الاحتلال الصهيوني عام 1948م والتي تمكنت أيضا من أن تنتزع قرارا دوليا ظالما يقضي بتقسيم الأراضي الفلسطينية بين العرب واليهود النازحين من شتى بقاع الأرض وهو ما كان له اثره الكبير في وعي وإدراك برهان غليون وأبناء جيله كله.

وقد قضى برهان غليون فترة طفولته وشبابه في مدينة حمص فتلقى بها تعليمه الابتدائي والثانوي لينتقل بعد ذلك إلى العاصمة السورية "دمشق" حيث التحق بالجامعة لدراسة الآداب وعلم الاجتماع ليجتاز امتحانات الليسانس بتفوق وهو ما دفعه إلى استكمال دراساته العليا في العاصمة الفرنسية "باريس" فحصل على درجة الدكتوراة في علم الاجتماع السياسي وهو لم يكمل بعد الثلاثين من عمره وذلك عام 1974م - 1393هـ ليتم تعيينه بعدها بعام واحد أستاذا لعلم الاجتماع السياسي بجامعة الجزائر، وذلك في الفترة من 1975م- 1394هـ، وحتى 1978م - 1398هـ.

ظل برهان غليون طيلة سنوات عمله الثلاث في الجزائر عاكفا على الدراسات الفلسفية والعلوم الإنسانية حتى أنه وبعد العودة إلى باريس بأربع سنوات فقط تمكن من الحصول على درجة دكتوراة ثانية في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية من جامعة باريس الأولى "السوربون" وذلك عام 1982م - 1402هـ.

بعد ذلك بسنوات تم تعيين برهان غليون أستاذا لعلم الاجتماع بجامعة السوربون في الفترة من 1990م - 1410هـ وحتى 1994م – 1414هـ ثم عين في عام 1994م أستاذا للحضارة والمجتمع العربي بنفس الجامعة ثم رئيسا منتخبا بقسم الدراسات الشرقية المعاصرة في العام نفسه.

مهامه ومناصبه:

لقد أتاح وجود برهان غليون في باريس فضلا عن تنقله بين العديد من الجامعات العربية والأجنبية أن تتسع دائرة مشاركته العلمية والبحثية في مجال العلوم الإنسانية فضلا عن توليه لبعض المناصب ذات العلاقة بنفس المجال فكان من بين ما تولاه غليون وشارك فيه:

1- منصب مستشار بمنظمة اليونسكو الدولية.

2- عضوية الهيئة الاستشارية لمجلة "المغرب" الصادرة عن معهد العلوم السياسية ورئاسة مجلس الوزراء الفرنسية.

3- تولى رئاسة مركز دراسات الشرق المعاصر بجامعة السوربون منذ عام 1993م - 1413هـ وحتى الآن.

4- مدير أبحاث بمنتدى العالم الثالث.

5- عضو في الجمعية الدولية لعلم الاجتماع.

6- عضو الرابطة الفرنسية للدراسات العربية.

7- عضو هيئة تحرير مجلة الشعوب المتوسطة بباريس.

8- عضو الهيئة التحريرية لمجلة "روافد متوسطية" بباريس.

9- عضو في هيئة تحرير الدراسات الشرقية بباريس.

أبحاثه ودراساته:

يعد برهان غليون واحدا من الكتاب العلمانيين المعروفين بغزارة إنتاجه الفكري سواء الفردي أو الذي جاء بالاشتراك مع كتاب آخرين كما أنه تنوع بين اللغة العربية وبين لغات أخرى من بينها الإنجليزية والفرنسية ومن بين أهم تلك المؤلفات بالعربية:

­ بيان من أجل الديمقراطية.

­ المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات.

- اغتيال العقل.

-       نظام الطائفية من الدولة إلى القبيلة.

-       الوعي الذاتي.

-       ما بعد الخليج أو عصر المواجهات الكبرى.

-        نقد السياسة الدولة والدين.

-       المحنة العربية الدولة ضد الأمة.

-       حوارات من عصر الحرب الأهلية.

-       حوار الدولة والدين مع سمير أمين.

-       النظام السياسي في الاسلام مع محمد سليم العوا.

وله العديد من المؤلفات بغير العربية وبعضها بالاشتراك مع باحثين غربيين.

ولعل الملاحظة الأهم حول تلك المؤلفات هي أنها تركزت على الجانب الاجتماعي والسياسي محل اهتمام الكاتب كما أشرنا سابقا حتى أن برهان غليون ومؤلفاته كانت مادة للبحث للكثير من الدارسين الذين تناولوا رؤيته السياسية ومن ذلك كتاب الباحث عبد السلام الطويل: "فكر برهان غليون حول الدولة العربية الراهنة وأسئلة عن نهاية الاستبداد".

مذهبه الفكري:

على الرغم من أن الكثير من أفكار برهان غليون تختلف في ظاهرها مع أطروحات بعض العلمانيين العرب فيما يخص مفاهيم الحداثة والعلمانية والموقف من الحركة الإسلامية إلا أن ثمة مشتركا أساسيا يجمع بين هؤلاء جميعا وهو العلاقة بين الدين والدولة إذ أن البوصلة الأساسية لهم جميعا هي تنحية الدين عن الحياة السياسية جملة وتفصيلا، فدوره عند أغلبية العلمانيين لا يتجاوز حدود علاقة الفرد بربه في حين يمتد عند البعض إلى التحلي ببعض أخلاقياته وسلوكياته بشرط أن لا تكون أحد محددات التمييز في المجتمع.

وكغيره من العلمانيين، لا تمثل أطروحات برهان غليون سوى إعادة صياغات لأفكار قديمة تناولتها العديد من الأقلام العلمانية طوال القرن الميلادي الماضي وهي الأفكار التي تم تفنيدها آلاف المرات من قبل الكتاب والباحثين الإسلاميين، غير أن العلمانيين ومن بينهم غليون يصرون على إعادتها وتكرارها دون الالتفات إلى ردها ودحضها وهو ما يعكس إلى أي مدى يبتعد هؤلاء عن منهج البحث العلمي الموضوعي منساقين في ذلك وراء أهوائهم التي لا تستند إلى ثوابت علمية.

أزمة العلمانية:

في حوار صوتي له على شبكة العلمانيين العرب يرى برهان غليون أن هناك ثلاث نقاط مهمة يجب طرحها في إطار النقاش حول تطوير العمل من أجل توسيع دائرة انتشار العلمانية في العالم العربي تتمثل النقطة الأولى في أصل العلمانية وما تنطوي عليه، في حين تتمحور النقطة الثانية حول ماهية مشكلة العلمانية في بلداننا العربية، أما النقطة الثالثة فتدور حول طبيعة الردود المطلوبة لتحسين أداء العلمانية وانتشار قيمها.

وفيما يتعلق بالنقطة الأولى يقول غليون: "إنه ساد كثيرا في بلداننا العربية أن العلمانية ترتبط بالأديان وأن هناك أديان تساهم أو تعتمد إلى حد كبير مبادئ العلمانية وتدعو إليها لهذا فقد نشأت العلمانية في هذه البلدان ومنها البلدان المسيحية حيث قيل إن المسيحية تميز بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية استنادا إلى مقولة (دع ما لقيصر لقيصر، ودع ما لله لله) وهو الأمر الذي يفسر لدى أصحاب هذا الرأي نشوء العلمانية في أوروبا والمجتمعات المسيحية".  

ويستطرد غليون قائلا: "إنه في المقابل قيل دائما أن مشكلة العلمانية في البلدان العربية أن الإسلام لا يميز بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية وهو ما أوجد عداءً مستحكما للعلمانية في الدول العربية".

وينتهي غليون بعد استعراض هذا الموقف إلى القول بأنه تجسيد للرؤية السائدة لدى الكثير من العرب ومع ذلك فإنه يرى أن هذه الرؤية تفسير بسيط وخاطئ في نفس الوقت فالأديان هي صنع المجتمعات وليست المجتمعات صنع الأديان والمسيحية التي كانت تلح على عدم المساس بالقضايا السياسية نجد أن مجتمعاتها هي التي ساهمت في وجود أكبر قوة دينية حاولت أن تسيطر على السلطة السياسية وهي سلطة البابوية إذ اليوم توجد دولة دينية يرأسها رجل دين وهي دولة "الفاتيكان" وبالتالي فالعقيدة الدينية يمكن أن تكون ميالة بالعمق للفصل بين السلطتين الزمنية والروحية لكن التاريخ يقضي بالعكس تماما.

ويضيف غليون أنه في مقابل ذلك نرى في تاريخ الإسلام فصلا بين سلطة الفقهاء والعلماء وبين سلطة الحكام السياسيين فمعاوية بن أبي سفيان وضع حدا لنفوذ العلماء وأهل الفقه وفرض عليهم ألا يتدخلوا في الشئون السياسية ثم شيئا فشيئا أصبحت الدولة هي مالكة للدين ولرجال الدين وهي التي تعينهم وتدفع لهم رواتبهم وهذا تقليد سائد حتى اليوم وبالتالي فإن دعوى هؤلاء كلام مكرور وفارغ".

والملاحظ مما سبق أن برهان غليون لم يكتف فقط بالتنظير للعلمانية والتأصيل لها ولكنه مهموم أيضا بالبحث عن حلول للإشكاليات المعيقة لانتشار قيم ومفاهيم العلمانية في البلدان العربية وهي الإشكاليات التي يأتي على رأسها تبني الكثيرين لما اعتبره كلاما فارغا وخاطئا حيث يعتقد هؤلاء أن العداء المستحكم للعلمانية في البلدان العربية ينبع من الاعتقاد بأن الإسلام لا يميز بين السلطتين الزمنية والروحية وأن المجتمعات المسيحية هي التي رعت وتبنت العلمانية نظرا لأن جوهر العقيدة المسيحية ذاته ينص على هذا الفصل بين السلطتين.

وكلام غليون لا يخلو من مغالطتين بينتين تتمثل الأولى في محاولته الإيهام بأن الإسلاميين يقولون بأن الإسلام لا يفصل بين السلطتين الزمنية والروحية وهو كلام لا صحة له فالإسلام يتعامل مع الحاكم باعتباره بشرا لا قداسة له وبالتالي يسري عليه ما يسري على البشر من الخطأ كما أن طاعته باعتباره وليا للأمر لا تتجاوز حدود طاعته هو نفسه لأوامر الله ونواهيه وذلك مصداقا لقوله تعالى "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر" (النساء: 59) فطاعة ولي الأمر كما أبانت الآية مرتبطة ارتباطا رئيسا بطاعة الله ورسوله بدليل أن الحكم النهائي في حال حدوث خلاف وتنازع بين الرعية وولي الأمر – وهو أمر وارد – لله عز وجل.  

ويروى عن الإمام البخاري – رضي الله عنه – أنه قال: بعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سرية وأمّر عليهم رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب وقال: أليس قد أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم نارا ثم دخلتم فيها. فجمعوا حطبا فأوقدوا نارا فلما همّوا بالدخول فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض فقال بعضهم: إنما تبعنا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فراراً من النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه فذكر للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً إنما الطاعة في المعروف" فالطاعة للحاكم إذن ليست طاعة مطلقة فهي مقيدة بمدى اتباع هذا الحاكم بما أمر الله ونهى وهو الأساس الذي بني عليه الحكم في الإسلام فهو لم يشترط أن يكون الحاكم أو الخليفة أو الأمير أفقه الفقهاء أو أعلم العلماء ولكنه وضع شروطا ومعايير أخرى ترتبط أساسا باستحقاقات السياسة والحكم وقيادة الجيوش في الحرب وذلك عكس ما يحاول العلمانيون أن يروجوا ويشيعوا بأن الإسلاميين يدعون إلى حكومة سلطة دينية بمعناها الكهنوتي أي حكومة يتحكم في إدارتها رجال الدين وبالتالي فإن كل ما يصدر عنهم هو أوامر وتعليمات إلهية سماوية لا يجوز ردها أو الحوار حولها برغم أنهم يدركون جيدا أنه ليس في الإسلام مصطلح رجال الدين إذ هو مصطلح نصراني يهودي أما ما في الإسلام فهو عالم الدين وهو منصب متاح لأي مسلم إذا أراد فالعلم ليس منحصرا في طائفة دون أخرى وليس بابا مفتوحا لأحد دون الآخرين.

أما المغالطة الثانية فتتعلق بالموقف العقدي للمسيحية والتي تؤكد العديد من نصوص كتبها أنه مع الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية فما تضمنته الكتب النصرانية لا يزيد عن مجموعة من القيم الأخلاقية والسلوكية التي لم تتطرق من قريب أو من بعيد لنظم الحكم أو السياسة وبالتالي فإن إفراز المجتمعات المسيحية لدولة الفاتيكان التي تعبر عن تعانق السلطتين الزمنية والروحية حيث يتولى البابا السلطتين لا يعني مطلقا الموقف العقدي للمسيحية إذ يعلم الدكتور غليون وغيره من العلمانيين أن وجود هذه الدولة لم يكن إلا حلا لتأزم العلاقة بين رجال الدين وبين رجال السياسية في أوروبا بعد احتدام صراع مرير بينهما أسفر عن سقوط الكثير من الضحايا حيث كان يرغب رجال الكنيسة الأوروبيون في استمرار فرض سيطرتهم وهيمنتهم على الأوضاع ليس انطلاقا من موقف عقدي وأيدلوجي لدى هؤلاء وإنما تعبيرا عن أطماعهم ورغبتهم في السيطرة يدلل على ذلك أن النظام السياسي في الفاتيكان ليس مستمدا من الإنجيل المزعوم لديهم.

أما فيما يتعلق بالنموذج الذي استند إليه غليون في البرهنة على أن الواقع التاريخي قضى بعكس التصور التقليدي عن الإسلام في رفضه للعلمانية حيث نسب لمعاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – أنه حد من نفوذ الفقهاء وعلماء الدين وأبعدهم عن الحياة السياسية، فهو احتجاج متهافت لا يدل مطلقا إلى ما رمى إليه غليون إذ أننا لو افترضنا جدلا ثبوت هذا لمعاوية – رضي الله عنه – فإن ذلك لا يعني أن معاوية خرج عن حدود الاستظلال بالتعليمات والتوجيهات الإسلامية في حكمه للأمة أو أنه نحى الإسلام جانبا فذلك أبعد ما يكون عما كان عليه موقف الخليفة معاوية حتى لو كان له رضي الله عنه بعض السياسات التي يمكن أن تكون محل خلاف أو نقد من قبل البعض.

العلمانية والحداثة:

لا يفتأ غليون أن يكرر خلال كتاباته الحديث عن ضرورة إجراء عملية التحديث في المجتمعات العربية والتي بحسب تصوره لا يمكن أن تتم دون العلمانية التي هي (جزء من الثورة الحديثة) إذ "نتجت عن بروز تطلعات جديدة ونشوء النزعة الإنسانية وتحسين شروط حياة الإنسان على الأرض وبناء دولة تعتني بشئون الناس وإيجاد مجتمع يتضامن مع الفقراء فضلا عن الإيمان بأن المجتمعات يمكن تحسينها وأنها ليست معطى طبيعي حتمي لإرادة إلهية نهائية".  

ويؤكد غليون بلهجة حاسمة أن "النقل أو التراث أو الدين لا يملك مفاتيح تحسين شروط حياة الإنسان على الأرض وإنما هو جزء من تفكيره وإيمانه الخاص أما إدارة شئون المجتمعات على الأرض فيجب أن تستند إلى العقل والرأس والنقاش وتخضع للتعديل والتطوير حسب تطور المعرفة البشرية ومن هنا نشأت المعرفة الاجتماعية فهي جزء من الحداثة وبالتالي ليس من الممكن تصور أي حداثة بدون علمنة".

ثم يستطرد غليون ليوضح لنا مفهوم العلمنة فيقول: "إن العلمنة بعد أساسي من أبعاد تحديث المجتمعات فلا يمكن إيجاد دولة وطنية من دون التفكير في فكرة الحريات الفردية والمساواة والعدالة داخل الدولة يعين تجاوز مفهوم الملة والتمييز بين الناس أو الطوائف على أساس الانتماء الديني فإذا استمر التمييز الديني لا يمكن إنشاء مواطنية وبالتالي فإنه ينبغي الاختيار بين المواطنية أو الأخوة في الإيمان التي هي إنتاج القرون الوسطى".

ثم يكشف غليون بشكل واضح عن موقفه من ضرورة تنحية الدين عن مجالات التحديث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها فعلى الصعيد الاقتصادي مثلا يقول غليون: "لا يمكن الدخول في الحداثة الاقتصادية من خلال مفاهيم الصدقة والزكاة والخراج والتوزيع العادل للفيء – وكلها مفاهيم إسلامية – فلابد من علم جديد وفهم قوانين تراكم رأس المال والعمل الإداري فليس هناك إمكانية من تصور حداثة بدون العلمنة".

وتعد المقولات السابقة تأكيداً واضحاً وبيناً على علمانية برهان غليون الذي يرى أن التحديث في البلدان العربية لا يمكن أن يتم بدون العلمنة التي ستسمح ببناء دولة عصرية يتمتع فيها المواطنون بكافة الحقوق الفردية بالإضافة إلى قيم العدالة والمساواة، وهو كلام لا ينم إلا عن سوء طوية فتبعا للمنهج الذي يتبعه غليون في دراساته الاجتماعية يمكن لنا أن نتساءل: أين تلك الدولة العلمانية التي توفرت فيها معايير دولة المواطنية – بحسب مصطلح غليون – فالمسلمون في الولايات المتحدة الأمريكية يعانون الكثير من التمييز والاضطهاد، والمهاجرون في فرنسا تعرضوا لأبشع الانتهاكات من قبل الدولة الفرنسية، والعديد من الدول الأوروبية لم تعد تتورع عن التدخل في تقييد الحريات الشخصية للأفراد مع أن كل هذه الدول نماذج لدول مؤسسة على قيم العلمانية.

كذلك فإن ما يطرحه غليون يتجاهل مساحة كبيرة من تاريخ الدولة الإسلامية في عصور ازدهارها حيث استطاعت هذه الدولة أن تقدم نموذجا لم يتكرر لتحقيق مفهوم المواطنة فلم يكن النصراني أو اليهودي أو غيرهما من أتباع الديانات الأخرى يشعرون بالدونية أو بالتمييز بينهم وبين المسلمين بل إن هذه الدولة بكل قدرها وجلالها سمحت في فترة من فتراتها لأن يكون المسئول عن خزانتها يهودي أو نصراني دون أن نجد استهجانا أو نقدا من أحد الفقهاء أو العلماء فالمعيار للاختيار لم يكن قائما على أساس الدين بل على أساس الكفاءة والإخلاص في العمل.

واستمرارا في منهجه المتهافت يؤكد غليون وبِلغة تقريرية أن التحديث الاقتصادي لا يمكن أن يتم من خلال مفاهيم الصدقة والزكاة والخراج والتوزيع العادل للفيء وأن هذا التحديث يتطلب السير تبعا للعلوم والنظريات الاقتصادية والإدارية الحديثة وهو كما يتضح يكشف عن تجاهل للواقع وللموقف الإسلامي من المعرفة فأما واقعيا فقد كشف ما ألم بالعالم مؤخرا مما أطلق عليه بالكارثة المالية العالمية عن براعة النظام الاقتصادي في الإسلام البعيد تماما عن النظام الربوي الذي يقوم عليه الاقتصاد العالمي والذي كان السبب الرئيس في وقوع الكارثة التي لم يخرج منها العالم حتى الآن وهو ما دفع بالعديد من الاقتصاديين الأمريكيين والأوروبيين إلى الإشادة بالنظام الاقتصادي الإسلامي في حين طالب البعض بضرورة دراسته والعمل وفقا لمعاييره وقيمه.

من ناحية أخرى فإن الإسلام لم يكن أبدا حجر عثرة أمام أتباعه للتعرف على معارف الآخرين والاستفادة من علومهم بل إنه وعبر العشرات من آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم –  قد حث المسلمين على ضرورة الاستفادة ونقل العلوم وتطوير المعرفة بما يخدم المجتمع الإسلامي ويقوي شوكتهم واشترط لذلك شرطا واحدا وهو أن لا يكون في ذلك مخالفة للأخلاقيات والقيم العليا التي افترضها الإسلام على أتباعه فيخرجوا من دائرة العبادة التي هي سبب خلقهم إلى ما سواها.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: