سطور من الذاكرة\العدد التاسع والثمانون - ذو القعدة 1431 هـ
ابن العلقمي وعلي بن طاوس في خدمة التتار
الأحد 10 أكتوبر 2010

هيثم الكسواني

 

لم ينجح الشيعةَ البويهيين فى إسقاط الخلافة العباسية، رغم محاولاتهم المستمرة طيلة أكثر من مائة سنة، وهي الفترة التي تسلط فيها البويهيون على دولة الخلافة، والتي ابتدأت منذ أن طلب الخليفة المستكفي منهم القدوم إلى بغداد في سنة 334هـ، لوضع حد للفوضى التي أحدثها الجند الأتراك، وانتهت باستنجاد خليفة عباسي آخر، هو القائم بأمر الله،  في سنة 447هـ، بقائد السلاجقة طغرلبك، لتخليصه من البويهيين، كما بيّنا في العدد السابق من هذه الزاوية من الراصد([1]).

وإذا كان سعي البويهيين لإلغاء الخلافة العباسية، وبالمقابل نقلها إلى أحد حكام الدولة العبيدية الفاطمية أو علماء الشيعة أو شخصيات آل البيت قد انتهى مع سقوط دولتهم على يد السلاجقة، فإن سعي الشيعة بعدهم لذلك لم ينتهِ، فالعباسيون، وأي دولة سنية أخرى هي في نظر الشيعة غير شرعية لأنها لا تقوم على مبدأ الإمامة.

ومع قدوم القرن السابع الهجري، كانت ثمة متغيرات تصبُّ في صالح الشيعة، فقد شهد النصف الأول من هذا القرن ظهور قوة جديدة هي قوة التتار([2]) الذين استطاعوا احتلال مناطق واسعة في آسيا، وصارت البلدان تسقط في أيديهم، الواحدة تلو الأخرى، وبات قائدهم هولاكو على مقربة من العراق وعاصمة الخلافة بغداد.

الوزير ابن العلقمي

أما على الصعيد الداخلي للدولة العباسية، فقد أصبح الشيعي مؤيد الدين أبو طالب ابن العلقمي، وزيرا للخليفة المستعصم([3])وكان ذلك من أقوى الأسباب في ممالأته للتتار"([5]).‏

رأى ابن العلقمي أن يستقدم التتار إلى بغداد ويسهل لهم القضاء على الخلافة العباسية، وعمل في سبيل ذلك على تنفيذ مخطط متدرج بدأه بنصح الخليفة بتخفيض عدد أفراد الجيش البالغ 100 ألف إلى العُشر، بزعم أن عدد الجيش الكبير لا فائدة منه، وعمل ابن العلقمي على مضايقة الجند في رواتبهم، وصار وضع الجيش العباسي مزريا، وقد وصف ابن كثير ذلك بقوله: "وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس، وهم وبقية الجيش كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد‏، وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لهم ويحزنون على الإسلام وأهله، وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي"([6]).

أما المرحلة الثانية من مخطط ابن العلقمي فعمل فيها على مراسلة التتار وتشجيعهم على احتلال البلاد بعد أن أخبرهم بالضعف الذي تعيشه الدولة العباسية، وجيشها على وجه الخصوص.

وفي المرحلة الثالثة والحاسمة، قدم هولاكو إلى بغداد في المحرم من سنة 656هـ، ومعه 200 ألف مقاتل من التتار، قثبط ابن العلقمي الناس، ونصح الخليفةَ بعدم مقاتلة التتار، ثم أشار عليه بالخروج إلى هولاكو والمثول بين يديه للمصالحة، على أن يكون نصف خراج العراق للتتار ونصفه للخليفة. وفي نفس الوقت أشار ابن العلقمي على هولاكو بعدم مصالحة الخليفة مدّعيا أنه "متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاماً أو عامين ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك.."([7]).

فاجعة لا مثيل لها

أدى هذا المخطط إلى فاجعة لم يشهد المسلمون لها مثيلا: قتْل عدد كبير جدا من المسلمين، قُدر بين 800 ألف ومليونين، وتدمير بغداد، وقتل الخليفة المستعصم وقادة الدولة، وإسقاط الخلافة، وظل التتار يمارسون القتل والترويع والبطش طيلة 40 يوماً، "ولما انقضى الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على عروشها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول.." ([8]).

ويبين ابن كثير أنه لم ينج من القتل أحد "سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي وطائفة من التجار أخذوا لهم أماناً، بذلوا عليه أموالاً جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم"([9])‏.‏

الأمان لأهل الحلة

 وتؤكد بعض المصادر الشيعية أن الشيعة في ذلك الوقت كانوا من الذين أعطاهم التتار الأمان، وخاصة أهالي مدينة الحلة، يقول نور الدين الشاهرودي: "ومن هنا، فحينما احتُلت بغداد من قبل الغزاة المغول، أرسل أهل الحلة وفدا إلى القائد المغولي يطلبون منه الأمان لمدينتهم، وقد استجاب لهم هولاكو، وآمنهم على بلدهم، بعد أن خبر صدق نواياهم، وهكذا بقيت مدينة الحلة في منأى عن النكبة التي حلّت بسائر المدن في العراق من جرّاء هذا الغزو الكاسح"([10])

ويبدو أن الشيعة كان يهمهم في المقام الأول الاستفادة من الظروف للحفاظ على مذهبهم ومدارسهم ومؤسساتهم، يقول الشاهرودي عن مدينة الحلة بعد أن حصلت على الأمان من التتار: "ثم أخذت تستقطب الشاردين من طلاب العلم والأساتذة والفقهاء. وبالتتابع اجتمع فيها عدد كبير من هؤلاء، وانتقل معهم النشاط العلمي من بغداد، ومن ثم تطور وتوسع[11]).

المحقق الحليوبرز في تلك الفترة من علماء الشيعة في مدينة الحلة: نجم الدين الحلي، المعروف عند الشيعة بالمحقق الحلي (602 ـ 676هـ) وبسبب ما حصل عليه الشيعة من أمان المغول ودعمهم، نشط الحلي في التأليف والتدريس، وظهر له الكثير من الكتب، حتى أن الشيعة استغنوا بمؤلفات الحلي، وخاصة كتابه "شرائع الإسلام" عن مؤلفات شيخ الطائفة الطوسي([12])، أما مجلسه فكان مزدحما، يفد إليه علماء الشيعة وطلبتهم.

ولم يكن ابن العلقمي الشخصية الشيعية الوحيدة التي ساندت التتار، وأيّدتهم ضد أهل السنة، وحاولت استغلال الظرف لتقوية وضع طائفتها، فالمصادر الشيعية تتحدث عن عدد آخر من علماء الشيعة ورؤوسهم، من هؤلاء: علي بن طاوس (589 ـ 664هـ)، يقول الشاهرودي: "ولما احتل المغول مدينة بغداد، أمر قائدهم الكبير هولاكو خان بأن يُستفتى من العلماء والفقهاء حول هذه المسألة وهي: أيهما أفضل: السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر؟

[14]).

 

للاستزادة:

1-   الإمام ابن كثير، البداية والنهاية، نسخة إلكترونية، ج 13.

2-   نور الدين الشاهرودي، المرجعية الدينية ومراجع الإمامية، طهران 1995.



[1]

[2] (ويطلق عليهم أيضا: المنغول والتتر) شعب بدوي انطلق من صحراء منغوليا في القرن السابع الهجري على شكل موجات بشرية مدمرة باتجاه آسيا وأوروبا، وهم سكان براري، وحياتهم رعوية ونظامهم قبلي، ومشهورون بالشر والغدر. وقد استطاع أحد زعمائهم، وهو جنكيز خان، توحيد القبائل المغولية تحت سيطرته، ونظّم دولته القبلية من خلال قانون أصدره وصار لدى المغول كالكتاب السماوي أطلق عليه اليسا أو الياسق (انظر: التاريخ الإسلامي، محمود شاكر، ج6، ص 345 ، وموسوعة الأديان الميسرة، إصدار دار النفائس، ص 456).

[3] - آخر البداية والنهاية، ج 13، وفيات سنة 656هـ- البداية والنهاية، ج 13، وفيات سنة 656هـ.- المصدر السابق، أحداث  سنة 656هـ المصدر السابق.

[7] - المصدر السابق.

[9] - - المرجعية الدينية ومراجع الإمامية، ص 21.

[11] - المصدر السابق، ص 64.

[13] - المرجعية الدينية ومراجع الإمامية، <span lang="AR-JO" style="font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;,&quot;serif&quot;; font-size: 12pt; mso-ascii-font-family: " times="" new="" roman";="" mso-hansi-font-family:="" "times="" mso-bidi-language:="" ar-jo"="">ص 58.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: