دراسات\العدد التسعون - ذو الحجة 1431 هـ
منهج شيخ الإسلام في كتابه " منهاج السنة" (1-2)
الجمعة 5 نوفمبر 2010

د. أنس سليمان المصري النابلسي

تمهيد: في سبب تأليف الكتاب:[1])

وهذا الكتاب هو كتاب (منهاج الكرامة في معرفة الإمامة)، وقد ألفه ابن مطهر الحلي، وهو الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي (648هـ-726هـ) عاش في عصر شيخ الإسلام وتوفي قبله بعامين، أحد صناديد التشيع، تتلمذ لأمثال نصير الكفر ووزير الملاحدة النصير الطوسي.

وخدا: كلمة فارسية تعني: الله، وبندة تعني: عبد. أي عبد الله، وخدا بندة هو الثامن من ملوك الأيلخانية، والسادس من ذرية جنكيز خان واسمه الجايتو (680هـ-716هـ) وهو ابن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن تولى بن السفاح جنكيز خان الملقب إيلخان وإليه تنسب دولتهم.

يقال: إن الجايتو غضب يوماً من زوجته فطلقها ثلاثاً، ثم أراد أن يردها إلى عصمته فقال له فقهاء أهل السنة إنه لا سبيل إلى ذلك حتى تنكح زوجاً غيره، وصعب عليه ذلك فأشار عليه رجال حاشيته من الشيعة بأن يدعو فقيهاً من علماء الحلة وهو ابن المطهر هذا، وأكدوا للسلطان أن بأن المطهر هو الذي يخرجه من هذه الورطة، فلما حضر ابن المطهر واستفتاه السلطان فيما وقع منه من الطلاق ثلاثاً سأله: هل طلقت بمحضر شاهدين عدلين؟ قال السلطان: لا، فأفتى له ابن المطهر بأن الطلاق لم تتحقق شروطه، ولذلك لم يقع، وله أن يعاشر زوجته كما كان يعاشرها قبل الطلاق. فسر خدا بندة بهذه الفتوى، واستخلص ابن المطهر لنفسه وجعله من بطانته، وبتسويل ابن المطهر كتب خدا بندة إلى عماله في الإمصار بأن يخطب باسم الأئمة الاثني عشر على المنابر، ونقش أسماءهم على نقوده، وأمر بأن تنقش على جدران المساجد، وهكذا تشيعت الدولة في مملكته بفتوى ابن المطهر التي أعفت السلطان من أن تعود إليه زوجته بعد أن تنكح زوجاً غيره.[2])

ويؤيد هذا ما ذكره شيخ الإسلام حيث قال: (

منهج شيخ الإسلام في كتابه منهاج السنة: 

المطلب الأول: معرفة منشأ البدعة وكيفية تطورها والمراحل التي مرت فيها:

ولما تكلم شيخ الإسلام في البدع ورد عليها، عمل عرضاً تاريخياً لنشأتها ونشأة المذاهب الكلامية، وكيف تطورت في الإسلام.

وذكر أصحاب تلك البدع والمؤججين لها كعبد الله بن سبأ، وغيره.

ثم ظهور الملاحدة من المتفلسفة وغيرهم، وأنهم ظهروا بعد انقراض العصور المفضلة، والظروف التي ظهروا بها من ضعف لنور الإسلام، وما فعلوه من طعن في دين الإسلام كالخرمية والقرامطة.

ثم تكلم شيخ الإسلام عن أرسطو وزمان ظهوره وظروفه المحيطة، وأفكاره التي قام عليها.

وبعد أن قدّم شيخ الإسلام بكل هذا وفصله، وبيّن أصول معتقداتهم بدأ بطرح مسألة قدم العالم، وسبب ظهورها وتكونها عند تلك الفرق، وما هي أصول الاعتقاد التي دفعتهم للقول بقدم العالم. فيسّر عليه ذلك معرفة طرق مناظرتهم والرد عليهم، وأمكن للقارئ أن يعرف أصول معتقداتهم.([5]) ففي الجملة لم تثبت المعتزلة والشيعة نوعاً من الحكمة والرحمة إلا وقد أثبت أئمة أهل السنة ما هو أكمل من ذلك وأجل منه مع إثباتهم قدرة الله التامة ومشيئته النافذة وخلقه العام.

هؤلاء لا يثبتون هذا ومتكلمو الشيعة المتقدمون كالهشامين وغيرهما كانوا يثبتون القدر كما يثبته غيرهم وكذلك الزيدية منهم من يثبته ومنهم من ينفيه فالشيعة في القدر على قولين كما أن المثبتين لخلافة الخلفاء الثلاثة في القدر على قولين.

ولكنهم رأوا النصارى فعلوه على قبورهم وأوثانهم، وهو مخالف لمبدأ التوحيد، وتابعهم عليه الشيعة حتى صاروا إلى ما صاروا عليه اليوم.([7]) وأول ما ظهر إطلاق لفظ الجسم من متكلمة الشيعة كهشام بن الحكم كذا نقل ابن حزم وغيره.

فكل هذه الأمور التي كان يصدر بها قبل شروعه في مناقشة أصحابها، دلت على معرفته السابقة بأصول البدعة، وأسباب ظهورها والظروف المحيطة بها، فعلم منشأ البدعة، وتطورها، والحال التي آلت إليها، وكل هذا ضروري عند مناظرة الخصوم في مسائلهم ومعتقداتهم.

المطلب الثاني: تقييمه العام للرافضة:

قال شيخ الإسلام:(

وقال شيخ الإسلام: (

عمد شيخ الإسلام بداية الكتاب وقبل الرد على ابن المطهر إلى بيان وصف الرافضة، والتكلم عن أحوالهم، حتى يتبين للقارئ أؤلئك القوم الذين سيتحدث عنهم، فقال شيخ الإسلام: (

ثم نقد شيخ الإسلام منهج النقل عندهم، والتعامل مع العقليات، ليُعلم مدى تحريهم للصحيح، وطرق الاستدلال عندهم، ودرجة مصداقية كلامهم، وتقييم شبههم والتعامل معها.[11]) والقوم من أكذب الناس في النقليات ومن أجهل الناس في العقليات يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل ويكذبون بالمعلوم من الأضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلاً بعد جيل ولا يميزون في نقلة العلم ورواة الأحاديث والأخبار بين المعروف بالكذب أو الغلط أو الجهل بما ينقل وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم بالآثار.

ثم نقل كلام أهل العلم فيهم من السلف كمالك والشافعي وشريك والأعمش، وأصحاب الحديث ممن يعرفون الأسانيد ويحفظون طرقها.[12]) ومنهم من أدخل على الدين من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد فملاحدة الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم من الباطنية المنافقين من بابهم دخلوا وأعداء المسلمين من المشركين وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا واستولوا بهم على بلاد الإسلام وسبوا الحريم وأخذوا الأموال وسفكوا الدم الحرام وجرى على الأمة بمعاونتهم من فساد الدين والدنيا ما لا يعلمه إلا رب العالمين. انتهى كلامه.

ويلزم هذا المنهج عند مناقشة الخصم لبيان مستواه الفكري، وطرق تفكيره، لذلك فإن شيخ الإسلام يقوم أحياناً بعرض أفكارهم ومعتقداتهم في المسائل ليعلم القارئ علام تقوم معتقدات القوم، فقد ذكر الشيخ بعض حماقاتهم في ترك بعض المطعومات والملبوسات، وكرههم للتلفظ بلفظ عشرة بسبب بغضهم للعشرة المبشرين بالجنة، فلا يبنون على عشرة أعمدة، ولا فعل شيء يكون عشرة، مع كون أن علياً رضي الله عنه من أولئك العشرة المبشرين بالجنة، وهو أمر في غاية الحماقة كما ترى.(

وهذا يفيد في منهج الرد عليهم؛ فإن كانوا أخذوا شبهتهم عن المعتزلة سيكون رده عليهم بنفس أسلوب رده على المعتزلة، وإن أخذوه عن اليهود أو النصارى أو غيرهم تشابهت طريقة الرد عليهم.

فعندما عرض شيخ الإسلام نظرتهم للمهدي، وأن الله إنما بعثه لطفاً منه بالعباد، ومن أراد أن يفعل في شخص خيراً يسر له ما يعينه على فعل ذلك من الأسباب، كمن يزور شخصاً فإن أراد به خيراً تبسم له وأجلسه، وإن لم يرد به خيراً عبس في وجهه وأغلق الباب. قال شيخ الإسلام بعد ذلك: وهذا أخذوه من المعتزلة، ليس هو من أصول شيوخهم القدماء.([15])

وقال: ([17]) الشيعة فيهم طوائف تثبت القدر وتنكر مسائل التعديل والتجوير والذين يقرون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان فيهم طوائف تقول بما ذكره من التعديل والتجوير كالمعتزلة وغيرهم ومعلوم أن المعتزلة هم أصل هذا القول وأن شيوخ الرافضة كالمفيد والموسوي والطوسي والكراجكي وغيرهم إنما أخذوا ذلك من المعتزلة وإلا فالشيعة القدماء لا يوجد في كلامهم شيء من هذا.

وقال: (

الرابع: المعرفة التامة بأقوال الخصوم وتفصيلات المسائل عند الفرق الأخرى، وأوجه الاتفاق والافتراق بينهم:

كما ذكر في جوابه عن تسلسل الحوادث وتجددها عند الشيعة، فذكر الآراء كلها في المسألة مشيراً لصاحب كل قول وناقش تلك الأقوال على التفصيل، وغيرها من المسائل.([20]) ما نقله عن الإمامية لم ينقله على وجهه فإنه من تمام قول الإمامية الذي حكاه وهو قول من وافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم من متأخري الشيعة أن الله لم يخلق شيئاً من أفعال الحيوان لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم بل هذه الحوادث التي تحدث تحدث بغير قدرته ولا خلقه.

ولما تكلم على مسألة أن الفعل لا يشترط به تقدم العدم أورد حجج ابن سينا العشرة، وموافقة الرازي له فيها، ثم رد عليهما رداً مطولاً ومفصلاً، ثم أورد كلام أرسطو في المسألة ورد عليه في كل البراهين الخمسة التي أوردها، ثم بين أوجه الصواب في المسائل تلك.(

قال شيخ الإسلام: (

فالفرقة الأولى منهم: يزعمون أن الرسول جائز عليه أن يعصى الله وأن النبي قد عصى في أخذ الفداء يوم بدر، فأما الأئمة فلا يجوز ذلك عليهم فإن الرسول إذا عصى فإن الوحي يأتيه من قبل الله والأئمة لا يوحى إليهم ولا تهبط الملائكة عليهم وهم معصومون فلا يجوز عليهم أن يسهوا ولا يغلطوا وإن جاز على الرسول العصيان، والقائل بهذا القول هشام بن الحكم.

والفرقة الثانية منهم: يزعمون أنه لا يجوز على الرسول أن يعصى الله عز وجل ولا يجوز ذلك على الأئمة لأنهم جميعاً حجج الله وهم معصومون من الزلل ولو جاز عليهم السهو واعتماد المعاصي وركوبها لكانوا قد ساووا المأمومين في جواز ذلك عليهم كما جاز على المأمومين ولم يكن المأمومون أحوج إلى الأئمة من الأئمة لو كان ذلك جائزا عليهم جميعاً.

وأيضاً فكثير من شيوخ الرافضة من يصف الله تعالى بالنقائص.[23]) في إمامة باقي الأئمة الاثنى عشر: لنا في ذلك طرق أحدها النص وقد توارثته الشيعة في البلاد المتباعدة خلفاً عن سلف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للحسين هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم اسمه كاسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً.

قال شيخ الإسلام: والجواب من وجوه: أحدها: أن يقال أولاً: هذا كذب على الشيعة فإن هذا لا ينقله إلا طائفة من طوائف الشيعة وسائر طوائف الشيعة تكذب هذا والزيدية بأسرها تكذب هذا وهم أعقل الشيعة وأعلمهم وخيارهم، والإسماعيلية كلهم يكذبون بهذا وسائر فرق الشيعة تكذب بهذا إلا الاثنى عشرية وهم فرقة من نحو سبعين فرقة من طوائف الشيعة. انتهى كلامه.

 

من الملاحظ على منهج شيخ الإسلام في ردوده على المبتدعة بشكل عام أنه يناقش الشبه المطروحة بأوسع مما عرضه أصحابها، ولا يقف عند حدود الشبهة التي طرحها الخصم، بل يردها من أصولها، ويتوسع في مناقشة كل ما يتعلق بها من شبه حتى يبعد عن ذهن القارئ صاحب الشبهة المطروحة، ويثبت في ذهنه الرد الوافي لتلك الشبهة، ويعلم أصول المسألة الصحيحة؛ فشيخ الإسلام لا يناقش ابن المطهر في هذا الكتاب وحده، بل يناقش الرافضة بأفكارهم المختلفة وأصولهم العقدية، بل ويتوسع بالرد على كل ما شابه قوله قولهم، ويبين خطأه، ويناقش كل ما كان على شاكلته من الفرق الأخرى والديانات الباطلة كاليهود والنصارى والزنادقة والملحدين، ويكون الرد على شبهة ذلك المبتدع مضمناً في ذلك، وهذا له عدة فوائد كما هو معلوم:

- ثانيها: أنه يرسخ منهجية رصينة للرد على أصحاب البدع، وهو الرد على الشبه المطروحة من كل جوانبها العقلية والمنطقية الممكنة.

وغير ذلك من عدم تكرار الرد والمقارنة بينهم وبيان أسوء أقوالهم، وأبعدها عن الصواب.[24])

ومثل رده على الشهرستاني وابن سينا في قولهما في أفعال الله بعدما أجمل الرد على الرافضة ومن قال بقولهم.([26])

ولما ناقش ديموقراطيس والرازي ودحض قولهما بحدوث العالم، وحدوث ما فيه بلا سبب، ذكر قول الآخرين فيه، وقال: وكلا القولين في غاية الفساد.[27]) وأما الآخرون فإنهم أثبتوا حدوث العالم فإن كانوا ينفون الصانع بالكلية فقد قالوا بحدوث الحوادث بلا محدث وإن كانوا يقولون بالصانع فقد أثبتوا إحداثه لهذا النظام بلا سبب حادث إن قالوا: إن الرب لم يكن يحركها قبل انتظامها وإن قالوا: إنه كان يحركها قبل انتظامها ثم إنه ألفها؛ فهؤلاء قائلون بإثبات الصانع وحدوث هذا العالم وقولهم خير من قول القائلين بقدم هذا العالم.

ولما رد الشيخ مسألة قدم العالم لم يلتفت إلى ابن المطهر في المسألة لأن أصل المسألة من المعتزلة، وتكلم فيها ابن سينا وأرسطو والرازي، فرد الشيخ على هؤلاء، وأتى بالبراهين التي اعتمدوا عليها، ورد كل برهان من عدة وجوه، وهذا جعل الشيخ يناقش المسألة عند كل فرق الفلاسفة والمتكلمين ويرد عليهم، ولم يقتصر رده على الرافضة، ثم أثبت الرأي الصواب في المسألة.(

ولما طرح مسألة وجود الإرادة التامة عند حدوث الفعل ذكر آراء جميع الفرق القائلة بهذا فبيّن مذهب الجمهور، والقدرية والجهمية، والجبرية والأشعري، والرازي، ثم ناقشها، وبيّن وجه الصواب فيها، ونقض أقوال الفلاسفة وبيّن غلطهم.(



([1]) منهاج السنة النبوية ، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، مؤسسة قرطبة، الطبعة الأولى ، 1406، تحقيق : د. محمد رشاد سالم، [8مجلدات] 1/2، وسيشار له فيما بعد بـ"منهاج السنة النبوية".

([3]) منهاج السنة النبوية 1/13.

([5]) منهاج السنة النبوية 1/465.

([7]) منهاج السنة النبوية 2/217.

([9]) منهاج السنة النبوية 8/10.

([11]) منهاج السنة النبوية 1/8.

([13]) منهاج السنة النبوية 1/38.

([15]) منهاج السنة النبوية 1/58.

([17]) منهاج السنة النبوية 1/128.

([19]) انظر منهاج السنة النبوية 1/146.

([21]) انظر منهاج السنة النبوية 1/239وما بعدها.

([23]) منهاج السنة النبوية 8/247.

([25]) انظر منهاج السنة 1/173.

([27]) منهاج السنة النبوية 1/211.

([29]) انظر منهاج السنة النبوية 1/397وما بعدها.<span lang="AR-JO" style="font-family: &quot;Traditional Arabic&quot;,&quot;serif&quot;; font-size: 12pt; mso-ascii-font-family: " times="" new="" roman";="" mso-hansi-font-family:="" "times="" mso-bidi-language:="" ar-jo"="">

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: