فرق ومذاهب\العدد التسعون - ذو الحجة 1431 هـ
سلسلة رموز الفكر العلماني المعاصر6
الجمعة 5 نوفمبر 2010

6- سيد القمني

أسامة الهتيمي

 

خاص بالراصد

لعل أسوأ ما يميز سيد القمني عن غيره من بقية العلمانيين العرب، هو قدرته الفائقة على تزييف الحقائق وتشويهها وإعادة تقديم التشوهات الجديدة وكأنها حقائق ثابتة يجب أن يسلم بها الجميع، وإلا فإن من يرفض أو حتى يجرؤ على النقد سيكون في نظر القمني متخلفاً وإرهابياً، يرفض الاجتهاد وإعمال العقل.

ويدرك القمني قبل غيره باعتباره باحثا في التاريخ كذب وزيف أطروحاته، غير أنه لا يمكنه الاعتراف بهذا، إذ يستمد الرجل وأمثاله قيمتهم العلمية والبحثية من ذلك الهراء، بالإضافة إلى أن ما يروجونه ويثيرونه يعد مصدرا سهلا لتحقيق الثروة والشهرة، اللذين أصبحا على ما يبدو المكافأة المؤكدة لكل من يطعن في الإسلام وأصوله أو يحاول إثارة بلبلة أو شبهة حول مبادئه وتعاليمه وتاريخه.

النشأة والتعليم

على بعد نحو 140 كيلو متراً تقريبا من العاصمة المصرية "القاهرة" وبالتحديد في مركز الواسطى التابع لمحافظة بني سويف – شمال صعيد مصر –، ولد سيد محمود القمني في الثالث عشر من مارس عام 1947م، لأسرة ريفية فقيرة كأغلب أبناء مصر في هذا الوقت.

وقد حصل سيد القمني على تعليمه الابتدائي والثانوي من مدارس محافظة بني سويف، لينتقل بعد ذلك إلى القاهرة ويلتحق بقسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة عين شمس.

وبعد التخرج قرر القمني أن يتخصص في دراسة علم اجتماع الأديان، وهو العلم الذي ادعى أنه حصل فيه على درجة الدكتوراة من إحدى الجامعات الأمريكية.

وقد عمل على دراسة التراث الإسلامي والأديان، سيرا على مناهج علوم نقد الكتب المقدسة التي ترى أن أي كتاب مقدس يمثل انعكاسا للثقافة والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أحاطت بظهوره.

 

وقد كان معروفا عن القمني انتماؤه للفكر القومي الناصري، الذي عاش صباه وشبابه في كنفه وهو ما ظل وفيا له حتى عام 1990م عندما غزا الرئيس العراقي الراحل صدام حسين دولة الكويت، فتخلى القمني الذي عاش في الكويت سنوات عدة عن قناعاته القومية الاشتراكية لتحل محلها قناعة جديدة هي الليبرالية والعلمانية.

 

أكذوبة الدكتوراة

يبدو أن أفكار وأطروحات سيد القمني ليست هي فقط الشيء الوحيد المزيف في حياته، إذ أثبتت الوقائع أن صفته العلمية نفسها قد طالها التزوير والتزييف، وأن ما أوهم به نفسه ومن حوله بأنه رسالة علمية مكنته من حمل درجة الدكتوراة لا يعدو عن كونه بحثا غير علمي تقدم به لجامعة وهمية تمنح الدرجات العلمية لمن يدفع، إذ أكدت المستندات أن الجامعة التي منحته هذه الدرجة هي جامعة كاليفورنيا الجنوبية التي أنشأها آل فاولر، الذين تم سجنهم في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1987 لقيامهم ببيع الدرجات العلمية للراغبين، بما يعني أن القمني توقف تعليمه عند درجة الماجستير فحسب.

والحقيقة أن حصول سيد القمني على جائزة الدولة التقديرية كان السبب الرئيس في اكتشاف زيف الدكتوراة، حيث كان في إعلان هذا الفوز مفاجأة وصدمة للجميع، الذين يرون في كتابات القمني عداء صريحا للإسلام وقيمه وتزييفا واضحا لتاريخه ومحاولة فاشلة للإساءة إليه، وهو ما دفع ببعض الغيورين للتفتيش عن الرجل وسيرته حتى تمكنوا من الكشف عن فضيحة الدكتوراة، وبالتالي فقد كان حصول القمني على هذه الجائزة الضارة النافعة والتي أعتقد أنها أصبحت نقمة على القمني وأنه يتمنى أنه لو لم يحصل عليها وبقي في عيون من حوله من المخدوعين والغافلين الدكتور سيد القمني صاحب الفكر الحر الذي يعاني من إرهاب الإسلاميين المتخلفين.

غير أننا يجب أن نعترف بأننا لم نكن على مستوى الوعي والإدراك الكاملين بما يمكننا من اكتشاف هذا الأمر قبل ذلك، إذ نجح القمني وبجدارة، طوال السنوات الماضية، في أن يخدعنا ويوهمنا بحصوله على هذه الدرجة على الرغم من أن ما قدمه القمني من كتابات كان أكبر شاهد ودليل على أن الرجل أبعد ما يكون عن موضوعية البحث العلمي النزيه، إذ كان المنهج الرئيس الذي اعتمده القمني في كتاباته هو انتقاء وابتسار الأحداث التاريخية التي تدعم رؤاه المسبقة.

 

وأصبح أمر دكتوراة سيد القمني، وبعد جدل ثقافي وفكري استمر لعدة شهور، أمام القضاء المصري بعد أن تقدم عدد من الشخصيات الإسلامية والقانونية بدعوى قضائية ضد وزير الثقافة تطالبه بسحب الجائزة من القمني الذي وبحسب تعبير الشيخ الداعية يوسف البدري تورط في الإساءة للذات الإلهية وللإسلام.

كتبه ومؤلفاته

الحقيقة أن الناظر في إنتاج سيد القمني من الكتب والمؤلفات والدراسات ليصاب بالكثير من الدهشة والتعجب، إزاء قدرة الرجل الكبيرة وإصراره على ترويج الأكاذيب والافتراءت بل والاستخفاف بالنقد العلمي الرصين الذي قوبلت به مؤلفاته، حتى يوهم القارئ والباحثين بتهافت هذه الردود وأن منهجه الصواب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد وصل به الاستخفاف أن نشر في بعض كتبه في طبعاتها المتتالية الانتقادات التي وجهت لهذه الكتب في طبعاتها الأولى. ومن مؤلفات سيد القمني:

* أهل الدين والديمقراطية، وقد صدر عام 2005 م

* الجماعات الإسلامية رؤية من الداخل: صدر 2004 م

* الإسلاميات: صدر 2001 م

* الإسرائيليات: صدر 2002 م

* رب الزمان

* أوزيريس وعقيدة الخلود

* إسرائيل، الثورة، التاريخ، التضليل: صدر 2000 م

* قصة الخلق: صدر 1999 م

* النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة: صدر 1999 م

* حروب دولة الرسول (جزءان) : صدر 1996 م

* النبي إبراهيم والتاريخ المجهول: صدر 1996 م

* السؤال الآخر: صدر 1998 م

* الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية

* شكرا بن لادن (ثلاثة أجزاء)

* العرب قبل الإسلام

* الأسطورة والتراث

* مدخل الي فهم الميثولوجيا التوراتية

* النسخ في الوحي.. محاولة فهم

 

بلبلة القمني

ليس من الصعب أن تتبين شخصية سيد القمني بمجرد الاتصال الهاتفي به أو مشاهدة لقاء تلفزيوني له، فهو كثير الانفعالات، سريع إطلاق الشتائم والاتهامات بما يشبه إلى حد كبير ذلك النموذج الذي تصوره الأعمال الدرامية الخاصة ببعض النساء من "الرداحات" وهن اللائي يتلفظن بألفاظ وشتائم بعيدة جدا عن الأدب والوقار، وهو السلوك الذي أبعد ما يكون عن سلوكيات الباحث العلمي المهذب.

ومن الأمثلة التي تدلل على هذا: ما جاء في حلقة برنامج الاتجاه المعاكس، التي أذيعت على قناة الجزيرة القطرية وقدمها الإعلامي الدكتور فيصل القاسم، والتي كانت تدور عن التعليم الديني في العالم العربي في حين كان الطرف المقابل للقمني في الحلقة هو الدكتور كمال السعيد حبيب الكاتب الإسلامي المعروف، الذي التزم في حواره مع الرجل بالأدب الجم في حين كان القمني نموذجا فجا بألفاظه ولمزاته وحركاته المثيرة للعجب.

كذلك وفي اتصال هاتفي بيني وبينه في أعقاب إعلان توبته، وأن مجلة روز اليوسف همشته ومنعته من الكتابة، رد قائلا إن روز اليوسف يسيطر عليها الآن "شلة عيال منحطين".

ويبدو من سلوك القمني أنه مغرم تماما بالشهرة وإثارة البلبلة، فمثلا في عام 2005 وقد خفت صوت الرجل وتراجع إعلاميا بشكل ملفت حتى أن مجلة روز اليوسف الأسبوعية في مصر قررت وقف مقاله الأسبوعي، وهو ما دفع القمني إلى البحث عن وسيلة جديدة تلفت نظر وسائل الإعلام مرة أخرى له فسارع الرجل وفي تصرف "فانتازي" إلى الإعلان فجأة عن توبته عن كل ما قدم والتوقف عن الكتابة نهائيا.

وبرر القمني قراره بأنه جاء نتيجة تلقيه لرسائل تهديد من قبل مجموعات إسلامية توعدته بالانتقام والقتل، ما دفعه إلى التبرؤ من كل ما كتب واعتزامه على عدم العودة للكتابة أو المشاركة في الندوات والمؤتمرات الفكرية خوفا على حياته.

وكما هو واضح فإن القمني أراد بحركته المكشوفة هذه، أن يضرب عصفورين بحجر، ففضلا عن عودته مجددا للأضواء والظهور بمظهر ضحية حرية الفكر والتعبير، أراد أيضا أن يستعدي النظام المصري على الإسلاميين، وأن تتاح له فرصة جديدة للهجوم عليهم وتشويه صورتهم.

يؤكد ذلك أن القمني لم ينفذ ما أعلنه، بل سرعان ما عاد من جديد للكتابة والظهور إعلاميا من خلال اللقاءات التلفزيوينة بل والإصرار على ترويج مزاعمه وافتراءاته، حتى تحقق مراده وفاز بجائزة الدولة التقديرية للعلوم الاجتماعية، والتي من المفترض أن تمنح للباحثين الجادين الذين أسهموا في الارتقاء بالوعي والفكر وتطوير مجال العلوم الاجتماعية.

 

أساطير القمني

تعد كتب سيد القمني، وبلا أدنى مبالغة، حشوا من الخرافات والأساطير التي لا تستند إلى وثائق علمية ثابته، فهي في أغلبها مجرد انحياز لبعض التفسيرات والآراء الشاذة التي حرص الكاتب على إبرازها وتقديمها لتحقيق عامل التميز والتفرد والإيحاء بإتيانه بالجديد، ليتسنى له الانقلاب على الكثير من المعلومات المهمة وغير المهمة، فتتاح له ثغرة تمكنه من بث أفكاره العلمانية والتي لا تتفق مع الإسلام.

ففي كتابه "النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة" يزعم القمني أن النبي موسى هو نفسه الفرعون المصري أخناتون الذي جاء بالتوحيد، وهو نفسه شخصية أوديب اليونانية، وأن الأصل الذي عاش فعلا في التاريخ هو اخناتون المصري وأن وجود موسى إنما هو بقدر ما أخذ من قصة أخناتون! فيقول القمني "إن موسى كان ولي عهد مصر بحسبانه أخناتون". ويقول: "لقد كان قائد الخروج من مصر هو الفرعون أخناتون بذاته وكان هو من عرفت اليونان قصته باسم أوديب، وهو ذاته ما دونت التوراة في قصتها الكبرى اسمه موسى، وهذا ما نحاول أن نقيم عليه الأدلة من الآن وحتى نهاية البحث".

بل إن القمني تطاول على نبي الله موسى – عليه السلام – ونفى عنه النبوة، وزعم أن أخناتون – الذي هو موسى عند القمني - كان يمارس مع أمه العهر كما كان أبوه آمنحتب الثالث يمارس مع ابنته، وأنها عائلة إباحية حكمت مصر فترة من الزمان! وكانت عبادتها عبادة إباحية.

كذلك فإن القمني يقدح في القرآن الكريم زاعما أنه خضع للأيديولوجية الصهيونية، لأن القرآن عرض قصة موسى وفرعون، ما اعتبره القمني ايذاءً للمشاعر القومية المصرية كما في كتابه "إسرائيل التاريخ – التوراة - التضليل" في حين نسي القمني نفسه أن ما روجه من اعتبار أن موسى، عليه السلام، هو أخناتون قول مقتبس من فرويد اليهودي، فيما كان قوله بأن موسى هو أوديب قول آخر اقتبسه من فلايكوفسكي في كتابه المشهور "عصور في فوضى: من الخروج إلى الملك أخناتون" وهو أيضا يهودي بحسب ما أكد الباحث الإسلامي الأستاذ طارق منينه في كتابه "أقطاب العلمانية في العالم العربي والإسلامي – الجزء الثاني".

واستمر القمني في ترديد هذه الأساطير عن التوراة ونبي الله موسى في كتابه اللاحق "رب الزمان"، ما حدا بمجمع البحوث الإسلامية في مصر إلى أن يصدر قراره بمصادرة الكتاب وعدم طباعته.

الحزب الهاشمي

على الرغم من سوءة ما قدمه القمني في كتبه التي تناولت أبا الأنبياء الخليل إبراهيم وكليم الله موسى عليهما السلام، إلا أن كتاب القمني "الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية" كان السبب الرئيس في أن يلتفت له الباحثون الإسلاميون، ليحذروا من كتابات القمني وأطروحاته إذ أنها جاءت متناقضة تماما مع ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية وبما يهدف في النهاية إلى نزع القداسة عن النبوة والرسالة.

وقد حشا القمني هذا الكتاب بالكثير من الأكاذيب والافتراءات التي كان سنده الرئيس فيها روايات تاريخية شاذة أو مبتورة من سياقها، في حين تجاهل الروايات المتواترة أو تلك التي بذل المؤرخون والمحققون جهدا كبيرا من أجل التثبت منها.

وكان أخطر ما جاء في دراسات القمني عن تأسيس الدولة الإسلامية، هو تلك النظرية القائلة بأن الدولة الإسلامية الأولى بزعامة النبي - صلى الله عليه وسلم- جاءت تجسيدا لتاريخ طويل من محاولات أجداد النبي للسيطرة على قريش والعرب، وأن الإسلام عبارة عن حركة سياسية ناجحة لا مجال فيها للوحي ولا للسماء.

وفي إطار محاولات القمني لإثبات نظريته الساقطة، تطرق إلى هذا الصراع التاريخي بين بني هاشم الذين كان ينتمي لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني أمية، وهو ما دفع عبد المطلب – جد الرسول الكريم – إلى أن يفكر ويخطط لتحقيق حلم إنشاء دولة موحدة تحت زعامة قبيلته هو.

ويشير القمني إلى أن جد النبي تأثر في ذلك بجيرانه من اليهود الذين كان لهم كتاب سماوي المظهر – على حد تعبيره- وهو "التوراة"، وتاريخ شهد قيام دولة قديمة أنشأها الملك النبي داود، وإزاء ذلك فقد هداه تفكيره هو ومن حوله إلى أنه "لا حل سوى أن يكون منشئ دولتهم نبيا مثل داود".

ويرى القمني أنه منذ ذلك الحين بدأ الهاشميون ينفذون مخططهم، الذي انتهى بأن أعلن حفيد عبد المطلب أنه النبي المنتظر.

واعتبر القمني في بحثه تحت عنوان "بنو هاشم من التكتيك إلى الأيدلوجيا"، أن زواج النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حفيد عبد المطلب، من السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، التكتيك الهاشمي، وأنه من ثمار تحالف عبد المطلب بن هاشم مع أبيها خويلد الأسدي، بل إنه ذكر أيضا أن إلغاء التماثيل والأصنام والدعوة إلى عبادة الإله الواحد هي أيضا من باب التكتيك الهاشمي الذكي.  

ومرة أخرى يحاول القمني أن يؤكد دعواه بالاستناد إلى بيت شعر قاله يزيد بن معاوية بن أبي سقيان الذي ينتمي لبني أمية، الطرف المقابل في الصراع مع بني هاشم إذ كان يقول: " لعبت بني هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل"، وهي إشارة واضحة كل الوضوح إلى أن الأمر لا علاقة له بالدين وأن المسألة لا تزيد عن كونها صراعا بين البيتين.

تهافت القمني

في اعتقادي أن تفنيد وردَّ دعاوى القمني يعد أمرا يسيرا لأقصى الدرجات، إذ أن الزيف والتزوير فيها واضحا للناظر فيها فمنهج القمني في دراساته منهج متهافت ومفكك، أبعد ما يكون عن الالتزام بمعايير البحث والتدقيق خاصة ما يتعلق منها بالتاريخ والأحداث.

وقبل أن نردَّ على بعض مزاعمه فإنه يستوقفنا ذلك التناقض الشديد الذي وقع فيه القمني مرة أخرى، حيث عاب على القرآن أن انحاز للرؤية الصهيونية، في حين أنه فسر وجود رسالة الإسلام أصلا كنتيجة لتأثر جد النبي بجيرانه من اليهود الذين كانت لهم دولة بقيادة النبي داود.

أما فيما يخص ربط القمني تأسيس دولة الإسلام بحلم عبد المطلب القومي، فهو لا يحمل إلا معنى واحدا، ليس له آخر وهو أن الدعوة المحمدية دعوة زائفة ليس لها علاقة مطلقا بالسماء، فمحمد بالأساس يحقق حلم جده لزعامة قبيلته وليس من المنطقي أن يصادف ذلك إرادة إلهية في اختياره نبيا، وعليه ففي هذا تلميح صريح لإنكار نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإلا فليخبرنا القمني أي شئ يقصده بهذا الربط المتعسف.

وفي هذا السياق أيضا فقد تجاهل القمني أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ابن ثمانية أعوام عندما مات جده عبد المطلب، وعليه فهل من المنطقي أن يتحمل طفل في هذ السن أو على الأقل يعي ويدرك حجم هذه الأمانة الضخمة التي تحتاج إلى الكثيرين من أجل فهمها؟ ولماذا لم يختر عبد المطلب مثلا أحد أبنائه، وكان من بينهم العقلاء ليحمل عنه أمانة هذا الحلم أو على الاقل يكون وصيا على التعهد بالنبي وتربيته لإعداده جيدا للقيام بهذه المهمة.

إن الأمر كان على العكس تماما من ذلك فقد رفض أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، والذي تكفل برعايته بعد وفاة عبد المطلب، أن يؤمن بالرسالة المحمدية أو أن يدخل الإسلام ومات على شركه، على الرغم من كل ما بذله الرسول الكريم من أجل دعوته وهو الدليل القوي على نفي ما حاول القمني أن يدعيه.

أما فيما يخص الصراع بين بني هاشم وبني أمية، فهو قول تكذبه وقائع التاريخ بدءا من القول المشهور للنبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" ومرورا بالتضحيات التي بذلها المسلمون من بني أمية في الدفاع عن الإسلام وتحقيق الفتوحات، وليس انتهاء بما قام به معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه من جهد كبير في توسيع رقعة الدولة الإسلامية التي كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، المنتمي لبني هاشم، هو نبيها ومؤسسها الأول، وعليه فإن ذلك الادعاء هو محاولة متعسفة تستهدف تلمس المبررات السياسية لقيام الدولة الإسلامية.

أما ما يثير الضحك فعلا فهو ادعاء القمني أن زواج النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالسيدة خديجة بنت خويلد جاء ثمرة تحالف بين أبيها وجد النبي عبد المطلب، وهو يتناقض مع العقل والمنطق فزواج النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة تم وهو في سن الخامسة والعشرين في حين كانت السيدة خديجة في سن الأربعين، أي أنها تكبره بنحو 15 عاما، وهو ما يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاة جده كانت خديجة في سن الثالثة والعشرين عاما بما لا يشير إطلاقا إلى أن ثمة نية لزواج النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة.

بالإضافة إلى هذا فإن السيدة خديجة كانت زوجا لأحد الرجال قبل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وقد مات زوجها ولم يطلقها فهل كان ثمة اتفاق على أن يموت زوج خديجة حتى يتزوجها محمد صلى الله عليه وسلم؟.. إنه والله لكلام غريب ومثير.

وأخيرا فقد اعتبر القمني أن دعوة الإسلام إلى التوحيد ونبذ عبادة الأصنام، هي من التكتيك الهاشمي، وهو قول سخيف يؤكد حاجة القمني إلى العلاج بأحد المصحات العقلية، إذ كان من الأسهل عليهم الاتفاق مثلا على إله واحد من بين الآلهة المتعددة التي يعبدها العرب، وهو الأمر الذي كان أقرب لعقولهم بدلا من الدعوة إلى توحيد إله لم يروه مجسدا أمام أعينهم.

خلاصة القول أن القمني كغيره من العلمانيين الذين يسعون قدر استطاعتهم إلى التشكيك في صدقية الدعوة النبوية أو على الأقل تحجيمها في إطار خاص بما لا يعدو عن كونها طقوساً وشعائر خاصة جدا ليس لها علاقة بالمجتمع والحياة.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: