فرق ومذاهب\العدد الثاني والتسعون - صفر 1432 هـ
سلسلة رموز الفكر العلماني المعاصر 8- د. محمد أحمد خلف الله
الثلاثاء 4 يناير 2011

د. محمد أحمد خلف الله

محمد المبروك

خاص بـالراصد

 تعريف: *

محمد أحمد خلف الله، كاتب سيلسي مصري تخرج من كلية الآداب بجامعة القاهرة، درس في كلية الآداب ومعهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية، شغل منصب وكيل وزارة الثقافة المصرية.   

وهو من مؤسسي حزب التجمع، وشغل منصب نائب رئيس الحزب، ورئيس تحرير مجلة اليقظة.

ويعدُّ من المنظرين الأساسيين للفكر التوفيقي بين الماركسية والقومية العربية.

وله مؤلفات وبحوث عديدة، منها: «الفن القصصي في القرآن الكريم، القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة، القرآن والدولة، القرآن والثورة الثقافية، هكذا يبنى الإسلام، الأسس القرآنية للتقدم».

 الرؤية:

ينظر د.خلف الله إلى الإسلام من منظور مادي صرف، وهو يتعامل معه على أنه أحد المكونات الأساسية لتلك الأمة، وأنه مادة تراثية من نتاج شعوبها! وعلى هذا فإنه يكاد يكون من المستحيل تجاهله؛ بل يجب التعامل معه كفكر له تجاوبه العقلي والنفسي الراسخ في ضمير تلك الشعوب، ولكن لا يعني ذلك قبول مواد هذا الفكر كما هي، وإنما هو يحاكمها إلى المعايير الغربية (الماركسية بوجه خاص)؛ والذي يكون مقبولاً لدى تلك المعايير يكون مقبولاً عنده، وما ترفضه يرفضه هو أيضاً!

الأهداف:

يهدف د.خلف الله من كتاباته على نحو ما هو مطروح فيها إلى إقامة نهضة إصلاحية ماركسية لتطبيق الاشتراكية العلمية (الشيوعية الماركسية)، وعلى ذلك يجب تطويع بعض المفاهيم الإسلامية التي قد تتقارب في بعض أوجهها مع المفاهيم الماركسية في سبيل إقامة ذلك المشروع.

أما المفاهيم الإسلامية الأخرى التي تتناقض تناقضاً بيّناً مع المفاهيم الماركسية فإنه يجب تأويلها أيّاً كان شكل هذا التأويل، أو تزيينها في صورة جديدة، أو اختزالها إلى مفاهيم أخرى بالطريقة التي يمكن بها إزاحتها من أمام مواصلة المضي في إقامة ذلك المشروع، فإذا لم ينفع معها أي مما سبق، فإنه يجب نقضها وهدمها تماماً.

 

الخطة:

تقوم خطة الدكتور خلف الله لتحقيق ذلك على الركائز الآتية -مع بيان عوارها-:

1- الاقتصار على القرآن الكريم فقط في الاستدلال دون السنة؛ لكي يفلت من تحديدات السنة لمعاني القرآن وأغراضه وأحكامه وتعاليمه، ولكي يفلت من مقررات السنة نفسها، ولا يصطدم اصطداماً بيّناً مع أحد نصوصها المتعددة.

ولقد حاول أن يبرر ذلك بالأسباب الآتية:

أ- إن صلاحية القيم الواردة في أي نص من النصوص - لكل زمان ولكل مكان - لا تثبت أبداً إلا إذا ثبت لصاحب النص أو منشئه وصف جوهري لا يتخلف أبداً؛ هو: أنه قادر على معرفة الغيب.

ب- وأنه قَّدر -حين أنشأ النص- ظروف المستقبل البعيد في دقة، واحتياجات البشرية بأجيالها المتعاقبة في إحكام، ثم أنشأ النص مراعياً فيه كل هذه الأشياء.

جـ- وهذا الذي نذكر لا يمكن أن يثبت أبداً إلا للعليم الحكيم.

د- والمسلمون قاطبة قد أجمعوا على امتياز القرآن الكريم، وعده المشرعون منهم المصدر الأول في التشريع، وزادوا على ذلك بأن السنة ليست إلا للبيان والتفسير، وأنها حين تخالفه تُهدر، وتُصبح كأن لم تكن([1]).

ونبدأ بيان بطلان نظريته هذه من النقطة (جـ)، فنقول:

إن الذي أنزل القرآن على الرسول ¢ هو الذي ألهمه السنة، والسنة وحي كالقرآن ?وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى?[النجم:3-4] ، ولذلك فإن الاستدلال (جـ) لا يعني شيئاً، وهو ما ينتج عنه سقوط (أ) و(ب) بشكل حتمي؛ لأنه إذا كانت السنة من الله -أيضاً- فإن القيم الواردة فيها صالحة -هي الأخرى- لكل زمان ومكان، ولظروف المستقبل البعيد في دقة، واحتياجات البشرية بأجيالها المتعاقبة.

أما ما يتعلق بالنقطة (د) وحكاية إجماع المسلمين على امتياز القرآن عن السنة؛ فإن ذلك امتياز تقدير وتعظيم فقط، دون أن يعني أنهم أجمعوا على تجاهل السنة!

وعلى فرض أن السنة ليست إلا بياناً وتفسيراً -كما يقول-؛ فلماذا ننحي ونتجاوز ذلك البيان والتفسير؟ وهل من الممكن أن يكون هناك تفسير لكتاب الله خير من كلام رسوله صلى الله عليه وسلم الذي نزل عليه ذلك الكتاب؟!

وإذا كنت تستند إلى إجماع المسلمين؛ فما رأيك في إجماعهم على أن من ينكر العمل بأحاديث
الرسول صلى الله عليه وسلم المتواترة يكون مرتداً؟

2- وإن كان د.خلف الله يقتصر على القرآن الكريم فقط في الاستدلال، فإنه لا يستند على أي مرجع من مراجع التفسير المعتمدة إلا «مفردات القرآن الكريم» للراغب الأصفهاني، وهو كتاب تفسير لغوي، وعلى بعض التفسيرات والأقوال التي يشتمل عليها «تفسير المنار»، والتي يأولها بطريقة تخدم أهدافه.

وليس هذا فقط، بل إن د.خلف لا يستند في خطته التأويلية التحايلية التلفيقية إلى أي مصادر أو مراجع معتبرة، وبذلك يتحرر تماماً من التفسيرات والمفاهيم والأفكار التي يجمع عليها المسلمون، والتي من الطبيعي أن تتعارض مع رؤيته.

ويقوم بتبني بعض المقولات العامة التي تدعو إلى التجديد؛ لتكون مبرراً لادعائه بأن ما يقوم به هو تلبية لما نادى به مفكرو العالم الإسلامي من ضرورة التجديد.

3- ينطلق من إدانة موقف نتفق على خطئه ليتجاوزه لإدانة ما هو موقف إسلامي حقيقي، وسوف تأتي -بإذن الله- الأمثلة الدالة على ذلك.

4- يحاول حصر موقف الإسلام أمام بعض القضايا في خيارين كلاهما غير إسلامي، وهو يهدف بذلك إلى إضفاء الشرعية الإسلامية على أحدهما بإثباته إدانة الإسلام للآخر.

5- يعمل الدكتور على إحداث خلخلة شديدة في البنية الإيمانية لدى القارئ عبر حديثه عن مفاهيم إسلامية حقيقية، في الوقت الذي يجوس فيه هنا وهناك بأفكار هدامة.

نماذج من كتابات د. خلف:

الإسلام ليس إلا يقظة عربية: «إن الإسلام ذاته لم يكن إلا يقظة عربية، يقظة جاءت لتلبية متطلبات الحياة في شبه الجزيرة... يقظة عربية خالصة في المبنى وفي المعنى»([2]).

«إن الإسلام إنما ينبت في تربة العروبة، ولحساب العروبة، وإنه لا يمكن أن يرتبط بغير العروبة؛ وإلا كان إسلاماً آخر غير ذلك الذي جاء به القرآن الكريم.

إن الإسلام الذي جاء به القرآن الكريم مرتبط بالعروبة ارتباطاً عضويّاً، ولا يمكن أن ينفك عن العروبة وإلا فقد ذاته»([3]).

«إن عروبة الوحي لا تقوم على الشكل فقط، أي على مجيء القرآن الكريم باللسان العربي، وإنما تتعداه إلى الموضوع أيضاً»([4]).

والخلاصة فيما يذهب إليه الدكتور خلف الله هي: أن «القرآن الكريم حكمة عربية»!!

الله: إنه معبود عربي: ولا يكتفي د.خلف الله بهذا الانتساب العربي للإسلام بوجه عام، وإنما هو يشرح -أيضاً-؛ فيذهب إلى أن «الله ? -تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً- معبود عربي»، ويعلق على ذلك فيقول: «ومن هنا نستطيع أن نقول: إن العقيدة الإسلامية حول إله من البيئة العربية وليس من خارجها»، ثم يضيف: «أما ما يمكن أن نقوله عن عروبة العبادات؛ فهو: إن كل ركن من أركان الإسلام، وكل فرض من فرائضه مرتبط ارتباطاً عضويّاً بالعروبة، ولا يمكن أن ينفصم عنها... والمسلم أينما يكون في أي زمان يكون؛ لا يمكن أن يؤدي هذه العبادات إلا في إطار العروبة».

ولكن الدكتور بعد ذلك يأتي بأمر غاية في العجب! فهو يريد أن يستنتج من كون الله  ? قد أرسل كثيراً من الأنبياء الذين لم يتبعهم قومهم، ومع ذلك أطلق عليهم القرآن لفظ: (قوم)، يريد أن يستنتج من ذلك: «بأن الدين ليس من القوائم الأساسية التي يقوم عليها بناء القوم أو الأمة؛ بحيث إنه إن لم يوجد الدين تبدد القوم وانفرط عقد الأمة»([5]).

وهو ينبه القارئ ألا يقع في خطأ فهم قوله تعالى: ?إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ?[الأنبياء:92] بإن الآية تثبت وتؤكد أن الدين رابطة قوية، وقائمة من القوائم الأساسية في بناء الأمة؛ ما دام يوحد بين الأفراد ويجعل منهم أمة، ويحذر أن يتمادى فيه إلى الحد الذي يجعله يرغب «أن يكون المسلمون دولة واحدة أي: أمة سياسية واحدة»، ودليله الجهنمي واكتشافه العبقري في ذلك هو: أن هذا القول الإلهي الذي جاء في الآية: «إنما كان موجهاً لجماعة بعينها، هي جماعة الذين أسلموا واستقروا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مدينة يثرب»([6])!!!

وهذه الطريقة في اختزال المفاهيم تعتمد أساساً على محاولة قصر الأحكام بل والمفاهيم الإسلامية على المناسبات التي أنزلت فيها، وهو ما يتناقض تماماً مع القاعدة الأصولية (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)، ولذلك فهو وأمثاله يتبرمون من وجود هذه القاعدة، ويدعون إلى الإطاحة بها تحت دعوى (تجديد قواعد أصول الفقه)! لكي يتهيأ لهم الجو فيما يريدون اختزاله من المفاهيم الإسلامية العامة، دون أن يصطدمون بتلك القاعدة أو بمثيلاتها من القواعد الأخرى.

وهكذا يمكن أن يختزل الدكتور كل معاني الآيات الحاسمة الناقضة لرأيه، والداعية إلى توحيد الأمة على أمر واحد هو: دين الله، ومن أهم هذه الآيات: قوله: ?وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ?[آل عمران:103].

استخفافه وهمزه ولمزه بالعقيدة:

يقول د.خلف الله: «نستطيع أن نشير إلى هذه الأشياء (يقصد: الأصول العقائدية) التي لا تقبل التغيير بطبيعتها تكون ذات صور مختلفة في أذهان الناس، فالله عند المسلمين غيره عند النصارى، لا من حيث طبيعته، وإنما من حيث تصوره في أذهانهم أو صورته عندهم.

هذه الصور المختلفة تقبل التغيير، وقد انصب عليها التغيير»([7]).

يقول في تعليقه على قوله تعالى: ?لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ?[الأنبياء:23]: «إذا كانت الآية قد نفت عن الله المسؤولية؛ فإن ذلك لم يكن بصدد انفراده بموقف معين عن الآلهة الآخرين؛ فإنهم مسؤولون أمامه، أما هو فلا يسأل أمام أي إله من الآلهة»([8]).

فناهيك عما في الحديث من استخفاف بالذات الإلهية! فإنه يتحدث وكأن هناك آلهة أخرى بالفعل غير الله!!

وعلى هذا المنوال يكتب في موضع آخر: «يختلف إله القرآن عن الآلهة التي وجدت قبل القرآن»، هذا غير حديثه السالف بأن الله ? معبود عربي، وأن العقيدة الإسلامية (تدور) حول إله من البيئة العربية وليس من خارجها، فتعبير (إله) من البيئة هو تعبير تستخدمه الفلسفة المادية الغربية، وتعني به: أن الله ? مجرد فكرة تنشأ نتيجة علاقة الإنسان بالبيئة التي حوله، وتختلف صورها من حيث الوثنية والشرك والتوحيد بحسب اختلاف تلك البيئة، وعلى هذا الأساس من الممكن أن نعي قول الدكتور في موضع آخر: «إنما الدور للإنسان الفرد في العبادات والمعتقدات».

وها هو ينطلق من إدانة موقف نتفق جميعاً على خطئه؛ ليتمادى في ذلك إلى إدانة موقف إسلامي حقيقي، أو ليعطي الشرعية لموقف لا إسلامي مناقض! فكلنا نتفق على إدانة موقف الكهان الذين كانوا يريدون أن يمثلوا سلطة السماء، لكن هذا لا يعني بأي شكل أن الإسلام أعطى العقل الحرية في مناقشة سلطة السماء؛ كما يدعي الدكتور خلف الله!

وإذا كان القرآن يؤكد في آياته على بشرية الرسل، فإن هذا لا يبيح للدكتور قوله: «الإسلام حرر الإنسان من سلطات الرسل والأنبياء»، أو إنكار أن لهم (امتيازات خاصة)، أو وصفهم بأنهم (بشر ليس أكثر أو أقل)؛ لأنهم يتميزون بالوحي الإلهي لهم الذي يستمدون منه سلطتهم، كما أنهم ليسوا ككل البشر؛ لأنهم صفوة البشر.

وأغرب ما في الأمر: أن الدكتور في محاولاته في الاستدلال على أن الرسل بشر ليس أكثر أو أقل يورد في ذلك هذه الأقوال التي جاءت في القرآن: ?مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ?[المؤمنون:33]، ?مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ?[المؤمنون:24]، ?قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً?[الإسراء:94].

مع أن هذه الأقوال قد جاءت على لسان الكافرين الذين ينكرون نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم! فما الذي يعنيه إذن استدلال الدكتور بذلك، وتركه الآيات التي على لسان الرسل، مثل: قوله تعالى: ?هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً?[الإسراء: 93]

الإسلام دين فقط، وليس دين ودولة:

يقول د.خلف الله: إن « السلطتين: المدينة والزمنية قد تجتمعان في شخص واحد، فيكون النبي الملك، أو الملك النبي، وعند ذلك يجتمع الدين والدولة في نظام واحد، ولمجتمع واحد»، ثم يحاول أن يطبق هذه الفكرة على «الموقف الذي يحيط بالنبي العربي محمد بن عبد الله ؛ (لاحظ معي أيها القارئ مدى ما تستشعره في هذا التعبير من اللاإسلامية)؛ فهل كان ؛ نبيّاً رسولاً ليس غير؛ وعند ذلك يكون الإسلام ديناً فقط؟ أو كان ؛ نبيّاً ملكاً؛ وعند ذلك يصح ما يقال عن أن الإسلام دين ودولة؟»([9]).

ثم يقيم خلف الله أدلته على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان نبيّاً فقط وليس نبيّاً ملكاً! فيقول: «إن كتب السيرة وكتب التاريخ الإسلامي تكاد تجمع على أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد رفض ما عرضه عليه الملأ من أهل مكة من تمليكه إن أراد ملكاً بشرط أن يترك دعوته تلك، ولكنه أصر على موقفه، ولم يقبل هذا الشرط»، وهو دليل لا يختلف في عجبه عن باقي أدلة الدكتور؛ لأن أي فطرة سليمة لتلميذ صغير تدرك أن من يرفض عرضاً مشروطاً لا يحتم بأي وجه من الوجوه أنه سيرفض نفس العرض لو كان خالياً من الشروط.

إن العرض كان مشروط بتنازل الرسول صلى الله عليه وسلم عن دعوته، فهل كان من الممكن أن يقبل الرسول ¢ ذلك بما يحاول الدكتور الاستدلال عليه؟!  ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة قبول الرسول صلى الله عليه وسلم لعرض الملك، أو رفضه، أو مدى انطباق صفة رئيس الدولة -وهو ما حدث بالفعل فيما بعد- أو عدم انطباقها؛ كما يريد الدكتور أن يثبت عليه صلى الله عليه وسلم.  

والأمر نفسه ينطبق على الدليل التالي للدكتور، وهو قوله تعالى: ?قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ?[الأنعام:50]، فالرسول ¢ هنا ينفي عن نفسه الملك والثروة في مواجهة كفار مكة أثناء دعوته بها، وهذا ما لا علاقة له بالموضوع؛ وإنما الذي يحدد ذلك هو مدى انطباق صفة رئيس الدولة عليه صلى الله عليه وسلم منذ أن أقام دعوته الإسلامية بالمدينة المنورة، كما يجمع على ذلك كل المسلمين، فلذلك فإنه لا يعني شيئاً: «أنه ليس هناك نص يستدل منه على أن محمد ؛ كان ملكاً».

فالأمر يتعلق بخطاب القرآن للرسول على أنه المتصرف الفعلي في إدارة شؤون المسلمين، وهو أمر لا يمكن إنكاره دون أن يحدد شكل هذه السلطة في كونه ملكاً أم رئيس جمهورية!

ثم يقوم د. خلف بعملية اختزال كبيرة لمفهوم الحاكمية لله، مستمد من المفهوم القرآني لمادة (حكم) ومشتقاتها؛ حسب الاستخدامات القرآنية لهذا المفهوم -أي القضاء والفصل في الخلافات والخصومات والمنازعات-.

ويذهب الدكتور إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان دوره فقط هو: الحكم في المنازعات التي قد تثور، وأن ذلك -أيضاً- لم يكن وقفاً عليه؛ لأن «الحاكم بمعنى: القاضي، أو الحكم؛ لم تكن وقفاً على رسول الله ¢، وإنما كانت تمتد إلى غيره من كل من يتحاكم الناس إليهم، وهذا إنما يعني أن محمد ؛ كان أحد الحكام، ولم يكن رئيساً لهم، أي أنه لم يكن رئيس دولة أو حكومة؛ لا بالمعنى القديم، ولا بالمعنى الحديث.

ويقول لنا: «يجب أن نفرق دائماً بين صيغة محمد يحكم الناس، وصيغة محمد يحكم بين الناس»، وهذه محاولات عجيبة لاختزال مفهوم الحاكمية الذي اتفق عليه الأولون والآخرون من أئمة هذه الأمة! هل كان الرسول فقط قاضياً يحكم بين الناس؛ ولم تكن له سلطات الحاكم رئيس الدولة؟؟!

وبالرغم من أن ذلك يناقض البداهة لدى كل ذي بصيرة وله أدنى اطلاع على سيرته صلى الله عليه وسلم؛ فإننا نسأل الدكتور:

من الذي كان يعقد المعاهدات والتحالفات، وأوقات الصلح، ويرسل الوفود؟

من الذي كان يراقب الأسواق، ويحدد قواعد التجارة؟

من الذي كان يقيم الحدود؟

إذا لم تكن هذه سلطات حاكم دولة؛ فما هي سلطات ذلك الحاكم إذن؟

وهل يصلح أن يستشهد الدكتور لما ذهب إليه بقوله تعالى: ?لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ?[الغاشية:22]؛ مع أن الآية مكية، وتتحدث عن حرية الاعتقاد، وهو أمر لم يختلف عليه أحد في الإسلام.

التعايش السلمي بين الأديان:

لأن الاشتراكية العربية التي تفتق عنها ذهن عباقرة الفكر العربي! تدعو إلى التعايش السلمي بين الأديان، أراد د. خلف الله أن يتخلص من العوائق التي تقف حائلاً دون تحقيق هذا التعايش الذي تحدد معالمه تلك الاشتراكية الفاضلة!

ووجد الدكتور أن أهم هذه العوائق تتمثل في: عدم المساواة في الزواج بين المسلمين وأهل الكتاب، بل والكفار -أيضاً-، فالمسلم يحق له أن يتزوج من المسلمة أو الكتابية دون المشركة، فلماذا تحرم المشركة من التزوج من المسلم مثلها مثل المسلمة والكتابية؟! إن هذا يخل بالمساواة! أما الكتابي أو المشرك فلا يحل له أن يتزوج من المسلمة؛ فلماذا يحرم كل منهما من ذلك؟ إن هذا يخل بالمساواة!

على العموم؛ فقد وجد الدكتور الحل لهذه المشكلة الصعبة، واستطاع تحقيق ذلك؟! الحل بسيط للغاية: بالالتجاء للتأويل، فيكفي القول بأن النصوص الواردة بالتحريم خاصة بالمشركين والمشركات من أهل الجزيرة العربية -من العرب فقط-، ولأنه لم يعد الآن هناك مشركون أو مشركات في الجزيرة العربية -كما يقول- فلم تعد هناك مشكلة، وصار حكم الإباحة مطلقاً!

يقول د.خلف الله في ذلك: «إن القرآن الكريم لم يحرم في أي نص من نصوصه التزاوج بين الأديان السماوية الثلاثة التي تقول بالتوحيد: اليهودية، والمسيحية، والإسلام.

إن التحريم الوارد في القرآن الكريم خاص بسكان الجزيرة العربية، وليس بسكان البلدان الأخرى في المجتمعات الأسيوية، والإفريقية، والاسترالية، والأمريكية».

علاقة الدكتور بالاشتراكية العلمية:

الدكتور خلف الله رجل ينتمي إلى الاشتراكية العربية، ولكنه يتجاوز تلك الشعارات الإطلاقية إلى الإعلان الحقيقي عن هويته (الاشتراكية العلمية)؛ التي أراد أن يجعل منها هوية الاشتراكية العربية نفسها.

وعلى هذه؛ فلا بد أن يعي القارئ ما الذي يعنيه مصطلح (الاشتراكية العلمية) هذا؟

قلت في كتاب سابق([10]): إن الفلسفة الماركسية التي جاء بها كارل ماركس صارت أهم تيارات المذهب الشيوعي (وهو مذهب قديم من حيث النشأة التاريخية) منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى الآن، حتى يكاد يستعمل اللفظان: (الشيوعية والماركسية) كمترادفين، ولكن نحن نسمي مذهب كارل ماركس الفلسفي نسبة إلى اسمه (الماركسية)، فيا ترى ماذا كان يسميه هو؟ ببساطة جدّاً كان يسميه بالاشتراكية العلمية.

ومع ذلك فقد أراد الدكتور -تحت دعوى الدفاع عن موقف القرآن من العلم- أن يقارب بين الاشتراكية العلمية والقرآن؛ حيث يقول -بعد حديث له عن القرآن والعلم-: «لا خوف إذن من الاشتراكية العلمية، ويجب الإيمان بأن القرآن والاشتراكية يلتقيان معاً في الأرض التي تمهد باسم العلم»([11]).

وهو يرى أن القرآن يلتقي في كثير من الأمور مع الاشتراكية العربية (لاحظ أنه يكاد يستخدم المصطلحين بمعنى واحد من آن لآخر؛ الاشتراكية العربية والاشتراكية العلمية؛ حتى يترسخ في ذهن القارئ أنهما يعنيان معنى واحدٍ)، ولكن كيف يقوم هذا التلاقي؟ يقوم على تحديد غايات الاشتراكية العربية أولاً، ثم البحث بعد ذلك عما يوافقها من القرآن.

يقول: «وليس من فضول القول أن نقول مسبقاً بأنا قد وقفنا على كثير من الآيات القرآنية التي تزخر بالقيم الإنسانية، والتي تصلح أساساً فكريّاً لما يمكن أن يسمى بالاشتراكية العربية»([12])، هكذا يريد الرجل أن يساوي بين القرآن الكريم والاشتراكية العلمية (الشيوعية)؛ سواء بسواء!!!

تأثيره:

للدكتور محمد أحمد خلف الله تأثيره الخاص على مدرسة الماركسيين القوميين الذين يحاولون التوفيق بين القومية العربية والإسلام، والاصطباغ بالصبغة الإسلامية، وإن كان لا يصدقهم أحد في ذلك مثل حسن حنفي، وخليل عبد الكريم، وقد تأثر به -أيضاً- علمانيون سافرون مثل: سيد القمني.

 



*  كان قد وقع  خطأ في ترجمة د. محمد أحمد خلف الله، مع د.محمد خلف الله أحمد الأديب، وقد تم تصويب ترجمته كما تراه بعد أن نبه على ذلك أحد الباحثين النابهين. 

(1)   «مشكلات الحياة في القرآن الكريم».

([2])   مجلة «اليقظة العربية» -التي كان يرأسها-، العدد الثاني.

([3])    المصدر السابق.

([4])    المصدر السابق.

([5])   «مفاهيم قرآنية» (ص90).

([6])   «مفاهيم قرآنية» (ص91).

([7])   «مشكلات الحياة».

([8])   المصدر السابق.

([9])   «مفاهيم قرآنية» (ص15).

([10])   «علمانيون أم ملحدون؟»، محمد مبروك.

([11])   «مشكلات الحياة».

([12])  المصدر السابق.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: