دراسات\العدد الثالث والتسعون - ربيع الأول 1432 هـ
يوم السقيفة ( 12 )
الخميس 3 فبراير 2011

لماذا تغيظهم بيعة السقيفة إن كانوا مؤمنين؟!  

د. حامد الخليفة

 خاص بـالراصد

 

   في ختام هذه السلسلة من المقالات حول أبعاد بيعة السقيفة التي تجلت فيها الشورى وتألق الحوار بين رجال الإيمان والعدل والوفاء والصبر، أئمة الأمة وقادتها من المهاجرين والأنصار، الذين لا ينحرف عن منهجهم إلا تائه أو مشبوه أو هالك، فبعد كل ما سبق حول أهمية بيعة السقيفة، وبيان بطلان الشبهات التي نسجها الحاقدون حولها، آن لنا أن نقف وقفة نوجه فيها هذا السؤال لكل من يرفض تلك البيعة ونتائجها المباركة، فنقول للرافضة وأتباعهم: لماذا تبغضون بيعة السقيفة إن كنتم مؤمنين؟! ولماذا يغيظكم يوم السقيفة؟!

وقد تبيّن فيما سبق من مؤهلات إمامها أبي بكر الصدّيق أنّه (الأول) في الأمّة بعد نبيها  رضي الله عنه يُغضب رسول الله  صلى الله عليه وسلم وأنّ كل من في السقيفة بايعه، ولم يتخلف أحد عن البيعة، كما بايعه الصحابة البيعة العامة في المسجد، وما ورد عن موقف سعد بن عبادة وبعض من كان معه رضي الله عنهم، إنّما كان أمراًً عارضاً، زال حين تجلّت لهم الأدلة الشرعية التي تقدم بها الصدّيق والفاروق في حوارهم الأخوي الراقي، فالغرابة كل الغرابة فيمن يُصدّق بأنّه كان هناك منافس لأبي بكر يوم السقيفة أو بعده، فُيسقط خيار النّبي صلى الله عليه وسلم أغلق كل باب وخوخة تؤدي إلى المسجد؛ إلا باب وخوخة  خليفته الصدّيق؟([3])

فمن يغتاظ من بيعة السقيفة إنّما يردّ ما أمر به النّبي صلى الله عليه وسلم، أو تخلف عن نفيره الذي قاده رضي الله عنه بنفسه لمواجهة المرتدين!.

وكيف يغتاظ من يزعم أنّه مسلم من بيعة السقيفة، ولا يستطيع باحث أن يثبت أنّ هناك صحابياً واحداً لم يخاطب الصدّيق بـ "يا خليفة رسول الله ؟!" إلا إذا كان باحثاً  من إخوان الرافضي أبي مِخْنَف لوط بن يحيى الإخباري التالف الذي لا يوثق به، كما أجمع على ذلك أهل الجرح والتعديل، ذلك الذي يتناقل رواياته أهل الأهواء والجهلة، ومن لا علم لهم ولا دراية بمكر وبهتان أعداء الصحابة وأحقادهم التي لا زالوا يؤزّونها، وينفخون في نيرانها، مستهدفين يوم السقيفة، وما أينع فيه من الثمار التي أسهم أبو بكر إسهاماً مباشراً في قطافها ووضعها في سلة المصالح العليا للأمّة، مما جعل الصحابة لا يرضون سواه خليفة لرسول الله خليفة رسول الله" بروح تبعث على الحب والاعتزاز؛ والأصالة والطاعة والتفاؤل، وهم الذين قال الله تعالى عنهم: ] أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ[ (الحشر8).

 فالصادقون يسمون الصدّيق خليفة رسول الله ويأتمون بإمامته، ويفخرون بقيادته، والمنافقون يشاركون مسيلمة الكذاب في حربه على الصدّيق والصادقين، فيخترعون الأباطيل، وينشرون الأوهام، للتشويش على الخلافة الراشدة انتصاراً للمرتدين!! وانتقاماً من أبناء خير القرون الصحابة المكرمين، ومن تبعهم بإحسان من المؤمنين!!.

المذهل أنّ علياً والزبير رضي الله عنهما يلقبان الصديق بخليفة رسول الله حين بايعاه في البيعة العامّة في اليوم التالي ليوم السقيفة، والرافضة وإخوانهم من المستشرقين والعلمانيين يرفضون ذلك !!

والشاهد هنا إجماع الصحابة على مخاطبة قائدهم أبي بكر بـ يا "خليفة رسول الله" فهل خُوطب غير الصدّيق رضي الله عنه بهذا الخطاب الرباني المحبب إلى نفوسهم رضي الله عنهم؟

ومثلما كان الحوار والتشاور والاتفاق بين الصحابة أمراً طبيعياً، فإنّ موقف أعداء الصحابة المحارب لبيعة السقيفة لا غرابة فيه، ذلك أنّ بهتانهم وتزييفهم لتلك البيعة منهج من مناهج كيدهم بالإسلام والمسلمين، ومتى كان الرافضة يتوانون عن خوض الوحل، وهم يقدسون قاتل أمير المؤمنين الفاروق عمر رضي الله عنه! ومتى كان المستشرقون لا يحرثون في زوابع الفتن، وأعاصير التحريض والكراهية ضد المسلمين؟!.

فلماذا تغيظهم بيعة السقيفة إن كانوا مؤمنين؟! وأبو بكر الصدّيق هو الذي بصّر الأمة يوم وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم ولرسالته الخالدة؟! 

فلماذا يغيظهم يوم السقيفة ولولاه لاستبيحت المدينة على أيدي طلائع المرتدين من بني عبس وذبيان في ذي القَصّة؟! ولماذا تغيظهم بيعة السقيفة ولولاها لما كان نصرٌ يوم اليمامة على قائد الردة الأكبر مسيلمة الكذاب وجنده؟ ولولاها لما توحدت جزيرة العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ؟!! وكيف نأمنهم وأيديهم بيد كل عدو وغاز وحاقد ومستبيح لأمّة الكتاب والسنّة، وحرماتها وعقيدتها وأخلاقها؟!.

فإقرار بيعة السقيفة سيبقى علامة على صحة الإيمان وموالاة النّبي صلى الله عليه وسلم.

فبمثل هذه القواعد تقاس المواقف والسياسات التي يتبناها من يزعم أنّه يعمل على نصرة الدين، وحماية وحدة المسلمين، وموالاة من قال الله تعالى فيهم: ] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ[ (النور55) أولئك الذين تحقق لهم موعود الله تعالى فاستخلفهم عزّ وجلّ بعد نبيه صلى الله عليه وسلم والحرص على وحدة أمتهم، ويتمسكون في التعامل فيما بينهم بأخلاق الحوار والشورى والمسامحة، فيصنعون الأمن، وينشرون العدل، ويقيمون المحبة، وينتجون السلام، على منهج إمامهم وخليفة نبيهم <span style="font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;,&quot;serif&quot;; color: windowtext; font-size: 15pt; mso-ascii-font-family: " aga="" arabesque";="" mso-hansi-font-family:="" "aga="" mso-bidi-language:="" ar-qa"="" lang="AR-QA">- صلى الله عليه وسلم- الصديق رضي الله عنه الذي قال فيه القائل واصفاً سَبْقَهُ وتفرده:

بـالله لا يـدرك أيـامـــه                     ذو مئزر حافٍ ولا ذو رداء

من يسع كي يدرك أيامه                   مجتهد الشدّ بأرض فضاء([4]).

 

 



([1]) صحيح مسلم: (6332).

([2]) البيهقي: السنن الكبرى، ح (16990) النسائي: السنن الكبرى، ح (7117)

([3]) صحيح البخاري: فضائل أبي بكر، ح (3381) ح (447) صحيح مسلم: ح (4146).

([4]) ابن عساكر: تاريخ دمشق، 2/218، 30/444.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: