سطور من الذاكرة\العدد الرابع والتسعون - ربيع الثاني 1432 هـ
من تاريخ الحركات الإسلامية مع الشيعة وإيران (3)
الأثنين 7 مارس 2011

من تاريخ الحركات الإسلامية مع الشيعة وإيران (3)

وقاحة علامة الشيعة حسين كاشف الغطاء

في المؤتمر الإسلامي الأول في بيت المقدس

أسامة شحادة

خاص بـ «الراصد»

تمهيد:

في سنة 1350هـ /1931م دعا الحاج محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين ورئيس  المجلس الإسلامي الأعلى قادة وعلماء العالم الإسلامي لمؤتمر إسلامي في بيت المقدس لتنبيه العالم الإسلامي إلى الخطر المحدق بفلسطين والمسجد الأقصى من قبل الاستعمار البريطاني والزحف اليهودي.

افتتحت جلسات المؤتمر في المسجد الأقصى في ليلة الإسراء 27 رجب، وقد حضر المؤتمر  أعلام المسلمين ورجالاتهم وذوو الرأي فيهم مثل محمد رشيد رضا ومحمد علي علوية وعبد الرحمن عزام وعبد العزيز الثعالبي وزعيم مسلمي الهند شوكت علي ومحمد العري بنونة ورياض الصلح سعيد ثابت  وسعيد الجزائري وشكري القوتلي وضياء الدين الطباطبائي (رئيس وزراء إيران سابقاً)  ومحمد آل حسين كاشف الغطاء، يمثلون 22 قطراً منها تركستان الصينية ويوغوسلافيا وأندونيسيا وسيلان ونيجيريا والهند وقفقاسية وإيران وتركيا وغيرها.

استمرت جلسات المؤتمر نحو أسبوعين، واتخذ فيه قرارت مهمة شملت:

* استنكار السياسة الإنجليزية الاستعمارية واليهودية، وإعلان أهمية فلسطين في نظر العالم  الإسلامي، واستنكار  استمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

* إنشاء جامعة إسلامية باسم " جامعة المسجد الأقصى ".

* تشكيل الشركة الزراعية الإسلامية لإنقاذ أراضي فلسطين والحيلولة دون انتقالها لليهود، ومقاطعة جميع المصنوعات الصهيونية في الأقطار الإسلامية.

* المطالبة بسكة حديد الحجاز التي هي ملك المسلمين ووقف عليهم.

* انتخاب لجنة تنفيذية وإقامة فروع لها في مختلف  أنحاء العالم الإسلامي.

 

رصد العلامة محمد رشيد رضا لطائفية كاشف الغطاء:

سجل العلامة محمد رشيد رضا مجريات هذا المؤتمر في مجلته المنار، وسنقتصر على المواضع التي ذكر فيها تصرفات كاشف الغطا الطائفية في موضع لا يحتمل مثل هذه التصرفات ومع شخصيات تعد من قادة وعلماء المسلمين، وفي هذا دلالة على طائفية الشيعة قبل ظهور ثورة الخميني بخمسين سنة رغم قلتهم وضعفهم، لعل بعض سذج السنة يستوعبون.

لقد كان الهدف من دعوة كاشف الغطا بيان أن قضية فلسطين قضية إسلامية يجب أن يتداعى لها جميع المسلمين، وبرغم أن الحاج أمين الحسيني هو من تلاميذ رشيد رضا، وبرغم مشاركة رشيد رضا المباشرة في إعداد المؤتمر إلا أنهم لم يستثنوا الشيعة من المشاركة مما يؤكد سماحة ووسطية أهل السنة وعدم إقصائيتهم، ووقع الاختيار على كاشف الغطا لكونه مرجع الشيعة[1].

 

قال رشيد رضا:

1- بعنوان "المؤتمر الإسلامي العام في بيت المقدس" (مجلد 32/190):     

... وعندما حضرت صلاة المغرب قدَّم السيد محمد أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى الأستاذ العلامة كبير مجتهدي الشيعة في أعظم معاهدها العلمية ( النجف الأشرف ) الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء فصلى إماماً بالناس، فكان لهذا التقديم تأثير  عظيم ووقع حسن من أنفس أعضاء المؤتمر وغيرهم من المسلمين الذين يشعرون بشدة  الضرورة إلى التأليف بين أهل السنة والشيعة، والقضاء على هذا التفرق والتعادي الذي طال عليه العهد، وكان فساده وضرره على الإسلام وشعوبه ودوله عظيماً، ولم تكن له أدنى فائدة صحيحة لأحد من الفريقين.

... وبعد صلاة العشاء بإمامة الأستاذ آل كاشف الغطاء افتتح السيد الحسيني المؤتمر بخطبته التي كان أعدها لذلك ... وألقى بعده الأستاذ آل كاشف الغطاء محاضرة أو درساً في تفسير قوله تعالى: " اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ" (النور35)، ذهب فيه إلى أن المراد بالشجرة المباركة في الآية الكريمة آل بيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ...

 

2- بعنوان " أصل الشيعة وأصولها" (مجلد 33/391):

من تأليف علامتهم الكبير ومجتهدهم الشهير الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء النجفي، وهي مطبوعة في مطبعة مجلة العرفان بصيدا وقد جعلها الأستاذ صاحب هذه المجلة هدية للذين وَفَّوْهُ اشتراك المجلة ... فهي دعاية فرقة، في دعوى وحدة، لهذا أخصها بكلمات من النقد والعتب، أو التذكير والوعظ، يظهر بها لمؤلفها الأجل أنه جدير فيها بضرب المثل:

أوردها سعد وسعد مشتمل        ما هكذا يا سعد تورد الإبل

هي مُصَدَّرَة بمقدمة وجيزة بإمضاء عبد الرزاق الحسيني كتبها ببغداد في غرة ذي الحجة سنة 1350 خلاصتها أنه تجول في معظم القصبات والقرى الريفية في العراق، وأنه صادف أن زار في العام الماضي مصر وفلسطين وسورية، واتصل بالطبقة المثقفة في هذه الأقطار العربية كلها، فسمع منها ما كان يسمعه من أهل الدليم في العراق من الطعن الغريب في طائفة الشيعة، قال: " وخلاصة ما كنت أسمعه أن للشيعي ذَنَباً لا يختلف عن أذناب البهائم، وأن لهم أرواحاً تتقمص أجساد بعض الحيوانات بعد أن تفارق أجسادهم، وأنهم لا يعرفون الأكل مثلما تعرفه بقية الطوائف" وأنهم وأنهم وأنهم إلى آخر ما هنالك من عجائب وغرائب." أ هـ بنصه مع حذف أكثره.

ثم ذكر أنه كان ولا يزال يقرأ في كتب من يدعون البحث والتحقيق العلمي من أهل السنة، ما هو أغرب مما سمعه عن الشيعة، وأنه كان يكاتب الإمام العلامة المؤلف بذلك كله فيدله على أكثر مما قرأ ومما سمع، وأنه في أثناء هذه المكاتبة " كان سماحته يبث الدعوة إلى الوحدة الإسلامية، ويدعو المسلمين إلى سحق التقاطع من أجل الفوارق المذهبية، فكان بحق أول من شق هذا الطريق المؤدي إلى فلاح الإسلام" !!

ثم استدل على هذه الدعوى بما تجشمه سماحته من عناء السفر ووعثائه لحضور المؤتمر الإسلامي العام في القدس وعبر عنها الكاتب الحَسَينِي ( بأرض الميعاد ) لأجل أن يخطب لدعوة المسلمين إلى هذه الوحدة التي لم يُعن بها غيره.

هذه المقدمة أول شاهد في هذا الكتاب على دعاوى القوم وغلوهم فيما لهم وما عليهم، وقد أقرها المؤلف عليها ، وبنى تأليفه هذا على صحتها وصحة ما هو شر منها، فكانت داعية  شقاق، وإن قنعت بقناع صلب الوفاق؛ لأنها تقنع كل من قرأها من الشيعة أن جميع أهل السنة عاميهم وخاصيهم أعداء لهم قد أخرجهم الشنآن من حظيرة العقل والفهم، فلا علاج لهم بما يبذله المؤلف من علاجهم بالعلم، ومحاولة إقناعهم بأن مذهب الشيعة هو الحق بل هو الإسلام دون ما خالفه.

إننا لم نسمع في عمرنا الطويل كلمة واحدة مما نقله عن المثقفين في مصر وسورية وفلسطين، لا من المثقفين الذين يجلون عن هذه الجهالات أن تصدقها عقولهم، أو ترويها ألسنتهم، ولا عن العوام الخرافيين منهم، ونحن أعلم بهذه البلاد وأهلها منه، ولم نر في كتب أحد ما هو أغرب منها كما ادعى، وأي شيء أغرب من جعل خلقة الشيعي مخالفة لخلقة سائر البشر، فإن فرض أنه سمع كلمة سخيفة كهذه جديرة بالسخرية من بعض أعراب الدليم الأميين في العراق، أفلم يكن له من عقله ما يزع تعصبه أن يلصقها بالطبقات المثقفة في مصر وفلسطين

والشام ؟ وإننا قد سمعنا من أخبار الشيعة في العراق وإيران وجبل عامل من الأقوال والأعمال في عشر المحرم وغيره حتى في البيوت ما لم يخطر في بالنا أن نكتبه تمهيدًا للاتفاق؛ إذ من الضروري أنه مثار للشقاق.

يلي هذا الشاهد على غلوه في هجو أهل السنة في أرقى البلاد العربية والإسلامية غلوه في إمامه المؤلف بجعله هو العالم المسلم الفذ الذي عني بدعوة أهل السنة إلى الاتحاد ونبذ عصبية المذاهب المفرقة بالسعي العظيم الذي انفرد به، وقاسى الأهوال والشدائد في سبيله، وهو قبوله دعوة المؤتمر الإسلامي العام ومجيئه من أرض العراق إلى أرض جارته فلسطين ليلقي خطبة فيه !!

بخ بخ، أليس لأحد من علماء أهل السنة وفضلائهم شيء من مشاركة علامة الشيعة في هذا الفضل، وقد جاء بعضهم من أقطار أوربة وبعضهم من أقطار الشرق، وكانوا كلهم متفقين على جمع كلمة المسلمين، ونبذ التفريق الذي دعا إليه بعض علماء الشيعة كالسيد عبد الحسين نور الدين، ولم يسمع بمثله في العالمين؟

ولا يزالون يسعون إليه كما فعله صاحب كتاب الشيعة في هذا العام ؟

ألم يكن لرئيس المؤتمر الإسلامي الداعي إليه وأعضاء اللجنة التحضيرية التي وضعت نظامه من الفضل ما يفوق فضل علامة الشيعة بإجابة الدعوة ؟ ألم يكن للرئيس من فضل السبق إلى التأليف والاتحاد تقديمه إياه على جميع من حضر المؤتمر من علماء السنة وسادتهم بإمامة الصلاة في الاجتماع العام للمؤتمر في ليلة ذكرى الإسراء والمعراج ؟ وقد علمت باليقين أن السيد أمينًا الحسيني شاور في هذا التقديم له غير أعضاء اللجنة من كبار علماء السنة، فوافقوه  على ذلك؛ لأن الغرض منه التأليف والوحدة لا لسبب آخر، ولم يكن أحد منهم سمع في هذا الغرض من سماحة كاشف الغطاء كلمة، فلأهل السنة السبق إلى هذه الدعوة، ثم في تكريمه وتقديمه لأجل الوحدة.

ومما انتقده جمهور أعضاء المؤتمر على الأستاذ الشيخ محمد آل كاشف الغطاء أنه اتخذ هذا التقديم في تلك الليلة الحافلة حقًّا له شرعيًّا، ومنصبًا رسميًّا، فكان يتقدم من تلقاء نفسه الجميع في كل صلاة جماعة يحضرها، ولم يزاحمه أحد من أهل السنة فيها، ولم يتواضع هو مرة فيدعو غيره من العلماء أو السادة الشرفاء إلى مشاركته أو النيابة عنه على فرض أنه هو صاحب الحق، ولكنه يقدم غيره من باب التواضع وحسن الذوق.

أو لم تكن هذه المنة للمثقفين من أهل السنة كافية لإبطال تلك التهمة، فتمنع السيد عبد الرزاق الحسني وأستاذه علامة الشيعة ومجتهدهم من تشهير مثقفي أهل السنة كلهم بها وجعلها سبب تأليف هذه الرسالة وإنما هي دعوة لأهل السنة إلى مذهب الشيعة.

 

3- بعنوان "السنة والشيعة الاتفاق بينهما والوسيلة إليه ورأينا ورأي علامة الشيعة فيه"   (مجلد 32/226 ):

قد علم قراء المنار ما سبق لي من السعي الحثيث منذ ثلث قرن ونيف للاتفاق والوحدة بين المسلمين بالقول والعمل والكتابة والتصنيف، وإنني أُلجئت في هذه الآونة الأخيرة إلى الرد على عالمين من علماء الشيعة لكتابين لهما كانا من أكبر أسباب التفريق والتعادي، وإن أحدهما طعن في كتابه على ديني وعقيدتي وأخلاقي... إلخ ، والثاني طلب مناظرتي مدعيًا استحالة الاتفاق والتعاون بين أهل السنة والشيعة إلا أن ترجع إحدى الفرقتين إلى مذهب الأخرى في مسائل الخلاف الأساسية.

ويعلمون أنني لم أقبل الدخول في المناظرة على هذه القاعدة التي وضعها الأستاذ السيد عبد الحسين نور الدين إلا أن يقره عليها جمهور علماء الشيعة، وطالبتهم ببيان رأيهم في زعمه هذا، فلم يرد عليه أحد منهم ، وإنني افترصت لقاء مجتهد علمائهم الأشهر في هذا العصر الأستاذ الكبير الشيخ محمد آل كاشف الغطاء في القدس أثناء عقد المؤتمر الإسلامي العام، وأطلعته على ما كتبه الأستاذ السيد عبد الحسين نور الدين وسألته رأيه فيه فأنكره أشد الإنكار، ووعد بإجابتي إلى استنكاره والرد عليه كتابة كما اقترحت، ليعلم ذلك من قرأوا تلك الدعوى في المنار ويقنعوا بأن أكبر علماء الشيعة يخالفونه فيه، واشترط هو أن أسأله ذلك كتابة ففعلت.

... وذكرت في الجزء الماضي أن الجواب قد جاء من حضرته، وأنني سأنشره في هذا الجزء؛ ... وإنني أنشر الآن جواب الأستاذ كاشف الغطاء، وأقفي عليه بما يزيد الحقيقة كشفًا.

 

جواب العلامة آل كاشف الغطاء عقيدة الشيعة في الاتفاق

...

ونحن نرغب إليه أن ينشر عنا في الجواب على صفحات مناره الأغر ما يلي:

إن إجماع الشيعة الإمامية من سلف إلى خلف - ولعله من ضروريات مذهبهم لا يخالف فيه أحد من فضلائهم فضلاً عن علمائهم - أن من دان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولم ينصب العداوة والبغضاء لأهل بيت النبوة سلام الله عليهم - فهو مسلم وسبيله سبيل المؤمنين، يحرم دمه وماله وعرضه، وتحل مسادرته، ومصاهرته، .... وما سُعد الإسلام وصعد إلى أعلى ذروات العز والمجد إلا يوم كان محافظًا على تلك الأخوة، وما انحط إلى أسفل دركات السقوط والذلة إلا بعد أن أضاع تلك القوة، ويشهد الله سبحانه أن ما ذكرته من عقيدة الشيعة الإمامية في إخوانهم المسلمين هو الحقيقة الراهنة التي لا محاباة فيها ولا تقية، وإن ظهر من كلام بعض العلماء خلافها فلعله من قصور التعبير وعدم وفاء البيان، ومن شاء الزيادة في اليقين فدونه الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين سلام الله عليه وهي زبور آل محمد صلى الله عليه وسلم، .... والقصارى أني أعلن عني وعن جميع مجتهدي الشيعة الإمامية في النجف الأشرف وغيرها، أن اتفاق المسلمين واشتراكهم في السعي لصالح الإسلام والمحافظة عليه من كيد الأغيار، لم  يزل ولا يزال من أهم أركان الإسلام وأعظم فرائضه وأهم وظائفه، أما النزاعات المذهبية، والنزعات الجدلية فهي عقيمة الفائدة في الدين، عظيمة الضرر على الإسلام والمسلمين، وهي أكبر آلات المستعمرين.

فرجائي إلى الأستاذ صاحب المنار أن لا يعود إلى ما فرط منه كثيراً من التحريش بالشيعة، ونشر الأبحاث والمجادلات مع بعض علماء الإمامية، والطعن المر على مذهبهم الذي لا يثمر سوى تأجيج نار الشحناء والبغضاء بين الأخوين، ولا يعود إلا ببلاء الضعف والتفرقة بين الفريقين، ونحن في أمس الحاجة اليوم إلى جمع الكلمة ، وتوحيد إرادة الأمة ، وإصلاح ذات البين.

والأستاذ الرشيد - أرشد الله أمره - ممن يعد في طليعة المصلحين، وكبار رجال الدين، فبالحري أن يقصر (مناره الإسلامي) على الدعوة إلى الوفاق والوئام، وجمع كلمة الإسلام، ويتجافى في كل مؤلفاته - سيما في تفسيره الخطير- عن كل ما يمس كرامة، أو يثير عصبية أو حمية، أو يهيج عاطفة، وأن يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ ...

محمد الحسين آل كاشف الغطاء


المنار: هذا نص الجواب الموعود من سماحة العلامة الواسع الصدر، الجليل القدر، وهو على حسنه ولطفه دون ما سمعت منه بالمشافهة، ودون ما كنت أتوقع من الصراحة، جاء مجملاً ليس حزًّا في المفاصل، لم يذكر فيه كلمة الخصم الشنعاء؛ وإنما أشار إليها (بربما يقال) وحصر كلامه في رأي الشيعة الإمامية في (إخوانهم المسلمين) وقال إنها مجمع عليها بالشرط الذي ذكره، وإنه إن ظهر من كلام بعض العلماء خلافها فلعله من قصور التعبير وعدم وفاء البيان، فتضمن قوله هذا الاعتذار عن الأستاذ السيد عبد الحسين نور الدين بأنه ليس فيه إلا قصور التعبير عن مذهبهم وعدم وفاء البيان به، وهذا السيد ليس ضعيف البيان بل هو فصيح العبارة قلما يوجد في معاصريه مثله في حسن بيانه وصراحته، وهو يرى أن أكثر الصحابة والسواد الأعظم من المسلمين من بعدهم قد نصبوا العداوة والبغضاء لأهل بيت النبوة سلام الله عليهم، من عهد أبيهم علي كرم الله وجهه إلى الآن، وكذلك الأمة العربية في جملتها كما يُعلم من كلمته الأولى من كلماته الثلاث، وحجته الكبرى على ذلك تقديم غيره عليه بالخلافة ويليها من الحجج مخالفة أهل السنة لما يفهمه هو بوجدانه من الروايات الصحيحة في مناقبه ولما يذكره من الروايات الباطلة فيها، ويطعن في حفاظ السنة حتى البخاري ومسلم لعدم روايتها، فهو يعدهم كلهم من النواصب المتبعين لغير سبيل المؤمنين - فهو يسلم ما قاله العلامة كشف الغطاء من أن عدم نصب العداء لأهل البيت شرط لصحة الإسلام وولاية أهله - ولا يراه ردًّا عليه أو تخطئة له، وكذلك السيد محسن العاملي لا يعده ردًّا على كتابه الذي يعدُّني فيه مع الوهابية غير متبعين لسبيل المؤمنين؛ لأننا ننكر الحج إلى المشاهد وعبادة قبور أهل البيت أو عبادتهم بالدعاء والطواف بقبورهم، ولكننا نعبد
الله تعالى بالصلاة على نبيه وعلى آل بيته في الصلاة وغيرها، ونتقرب إليهم بحبهم وولايتهم، وبالحكم على من ينصب لهم العداوة والبغضاء بأنه عدو الله ورسوله، وبهذا القول يقول جميع أهل السنة من الوهابية وغيرهم، ولا يرون القولَ بصحة خلافة الراشدين كما وقعت ووجوبَ حبهم وحب سائر الصحابة منافياً لذلك، فما قاله الأستاذ في ناحية الشيعة مجمل غير كافٍ ولا شافٍ.

بيد أنه عندما توجه إلى ناحية السنة وأهلها تفضل على صاحب المنار بالنصيحة إلى ( ما فرط منه كثيراً من التحريش بالشيعة) ... إلخ إلخ ، وهو يعلم أن صاحب المنار كان مبدوءاً لا بادئاً، ومدافعاً لا مهاجماً، ولم يكن محرشاً ولا متحرشاً.

ولم يكن يخفى على ذكاء الأستاذ ما يكون لهذا الجواب عندنا من كلتي ناحيتيه، وما ضمه بين قطريه، وهو ما رأينا من حسن الذوق الاكتفاء بالإشارة إليه، فشفعه بكتاب شخصي، يتضمن الاعتذار عما توقعه من تأثير الجواب السلبي، قال فيه بعد الاعتذار عن تأخيره بما هو مقبول:

ما قاله العلامة في كتابه الشخصي:

"... وتجدون مع هذا الكتاب جواب الرقيم الذي تفضلتم به، وأرجو أن تجدوه كافياص شافياً، وتنشروه على صفحات مناركم الزاهر ... وقد تجافيت عن ذكر القائل بتلك المقالة الغريبة والتي لا يوافقه عليها أحد نظراً لبعد الملاحظات التي لا تخفى عليكم (إن تجد عيباً فسد الخللا)". اهـ المراد منه.

المنار:

إن عبارة هذا الكتاب، تكشف لنا الغطاء عما خفي في ذلك الجواب، ... وعما رأى أنه مضطر إليه في مقامه من الرياسة في علماء المذهب من مداراة المدارك المتفاوتة، والوجدانات الموروثة، واكتفائه من صدق لقبه (كاشف الغطاء) أن يبلغ غاياته في الدروس الفقهية، والفنون العقلية واللغوية، ويقف دونها من مهاب الأهواء الطائفية والمذهبية، التي تختلف فيها الأفهام وتتزاحم الأوهام، موقفَ مراعاة الجامدين ومداراة المتعصبين، اهتداء بما روي في الصحيح عن أمير المؤمنين علي عليه السلام: (حدِّثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله) وروي عنه أنه كان يقول: (إن هنا لعلماً جماً لا أجد له حملة) وأشار إلى صدره، نقله صاحب نهج البلاغة، فهذا ما أشرحه من عذر صديقي في إجماله في الجواب على ما فيه من موضع النظر، ووصفه إياي بالتحريش والطعن المر بالشيعة، ومطالبتي بالكف عن العودة إلى ذلك معبراً عنه بلفظ الرجاء واجتنابه الإنكار على هؤلاء المهاجمين، وما هو بالعذر الذي يرضاه منه جميع القارئين.

سيجدني صديقي العلامة المصلح عند رجائه إن شاء الله تعالى، بيد أنني أرى أن ما نسعى إليه من جمع الكلمة، ووحدة الأمة، لا يرجى نجاحه من طريق الدين إلا بسعي علماء الطائفتين له على القاعدتين اللتين رفعنا بنيانهما في المنار (الأولى) (نتعاون على ما نتفق عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف فيه) (والثانية) من اقترف سيئة من التفريق والعداء أو غير ذلك من إحدى الطائفتين بقول أو كتابة فالواجب أن يتولى الرد عليه العلماء والكتاب من طائفته، وإذا لم يكن صديقنا الأستاذ الكبير آل كاشف الغطاء هو الإمام القدوة لمن ينهضون بهذا الإصلاح وهو هو في رياسته العلمية وثقة الطائفة بإخلاصه ونصحه، فمن ذا الذي يتصدى له من دونه ؟ إن المبالغة في مداراة القاصرين، تقف بصاحبها دون ما هو أهل له من زعامة المصلحين، ...

فأرجو من الأستاذ الكبير كاشف الغطاء أن يتأمل ما ذكرته من توقف التوفيق والتأليف على بنائه على القاعدتين المناريتين عسى أن يجد عنده قبولاً، ولا يخفى عليه أن علماء الدين إذا لم يجمعوا كلمة المسلمين بهدايته على القيام بمصالحهم المشتركة فقد يغلبهم الملاحدة المتفرنجون على أكثرهم، ويقنعونهم بأن الدين أكبر المصائب عليهم !

 

الخلاصة:

1- يفهم الشيعة محاولات أهل السنة التعاون معهم على أنها دليل ضعف وانهزام!

2- لم يتمتع هذا المرجع بالذوق والأدب مع مستضيفيه، فهم قدموه للصلاة ليس لأنه أفضلهم بل لتقديم مبادرة تعاون، فعدها حقاً مكتسباً له بالإمامة طوال مدة المؤتمر!!

3- كان على درجة من الوقاحة بأن يخطب في افتتاح مؤتمر لنصرة فلسطين والمسجد الأقصى وبين يدي قادة الأمة وعلمائها بالدعوة لفرقته الضالة حين تحدث عن الشجرة المباركة هي آل البيت !! في إشارة للأولويات الحقيقية عند مراجع الشيعة.

4- مع كل تشدق كاشف الغطا بالوحدة إلا أنه عند لحظة الجد يقف مع طائفيته، فقد دافع عن زميله الشيعي المتعصب عبد الحسين وهاجم العلامة رشيد رضا علناً في مجلته لوقاحته !! لكنه لأدبه اعتذر له في رسالة خاصة !! مما لايصدر إلا عن شخصية مريضة.

5- الحقد الشيعي والسعي الشيعي لنشر باطلهم بين السنة قديم ومتأصل، وليس له ارتباط بنجاح ثورة الخميني وظهور القوة الشيعية، وليس له ارتباط بالقومية الفارسية أو الجنسية الإيرانية، إنه فساد مرتبط بالعقيدة الشيعية نفسها في حالة الضعف والقوة وبغض النظر عن قومية معتنقها عربياً كان أو فارسياً.

 

 



[1] <span style="font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;,&quot;serif&quot;; font-size: 12pt; mso-ascii-font-family: " times="" new="" roman";="" mso-hansi-font-family:="" "times="" mso-bidi-language:="" ar-jo"="" lang="AR-JO">- حسين كاشف الغطا ( 1294هـ - 1373هـ)، ولد في مدينة النجف، وأصبح مرجعاً للشيعة، له العديد من الكتب أشهرها كتابه " أصل الشيعة وأصولها"، والذي يعد من الكتب الدعائية للعقيدة الشيعية، زار عدداً من الدول السنية كسوريا ولبنان ومصروفلسطين.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: