ابن سبأ وحركات التغيير! (1)
الأثنين 7 مارس 2011

     فابن سبأ الذي تظاهر بحب آل البيت لم يكن مجهولاً ولا غِراً ولا غبيّاً بل كان أخطبوطاً موهوباً عالماً خبيراً محنكاً مجيداً لمكر اليهود، يعرف ما يريد ويمتلك قدرة هائلة في اصطياد الغوغاء وأهل الغدر وعبيد الذات والشهوات! ولديه وسائل باطنية متلونة على محاكاة النفوس المريضة، وأهل الأهواء والأماني الزائفة، ولديه مَلكة شاسعة الآفاق على صناعة التهويل والبهتان وإلصاق التهم ونشر الريبة والشك بين الناس، ولا يخفى أن لديه رصيداً غنياً من تجارب اليهود ومكرهم مع الأمم السالفة، بما في ذلك الغدر بالأنبياء كما هو مثبت في قوله تعالى: "وَقَتْلَهُمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ

    ولكن مع كل هذه الدلائل البينة التي تؤكد أن الحركة السبئية ما هي إلا حلقة من حلقات العبث والمكر اليهودي الذي يمارسونه على مر التاريخ! يجد القارئ كثيراً من الغافلين ومطايا الأهواء وأدوات السبئية؛ من يروج لبراءة اليهود من المكر بالمسلمين أو التحريض عليهم أو مباشرة اغتيال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه! بل لا يكتفي هذا الصنف المريب من تبرئة ابن سبأ وأعوانه! حتى يحاول أن يتهم الصحابة، وأنّ المنافسة على الدنيا والملك فيها هو الذي كان سبباً لما جرى أيام فتنة ابن سبأ ومنظمته الباطنية، وأنّ أسباب الفتنة نابعة من أحشاء المجتمع الإسلامي الذي ربّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورعى تنشئته على الطهر والمودة والمصداقية! فيطعنون بأمير المؤمنين عثمان صاحب الهجرتين وذي النورين، ويدافعون عن ابن سبأ الخبيث الماكر ذي الوجهين، ومن هؤلاء بعد الرافضة والمستشرقين، طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى وهشام جعيط في فتنته ومحمد مختار الشنقيطي في خلافاته السياسية مع الصحابة ولعل هذا من شرّها وأمكرها! وممن وقع في هاوية الطعن بالصحابة وأمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وتبرئة ابن سبأ! مستندين إلى الروايات الضعيفة والرافضية: محمد الريس في نظرياته السياسية، وراضي عبد الرحيم في كتابه النظم الإسلامية وعلي حسين الخربوطلي في كتابه: الإسلام والخلافة، وممن علق في شراك الروايات الرافضية وراح يطعن في الصحابة ولم يكن ذلك مرجواً منهم: أبو الأعلى المودودي في كتابه الموبوء: الملك والخلافة، ومثله سيد قطب في كتاب العدالة الاجتماعية!

   وقد رأيت من زعانف السبئية ومن بعض الغافلين المحسوبين على السنة النبوية في هذا العصر العجب العجاب! فهؤلاء ينكرون نقد شيوخهم الوالغين في أعراض الصحابة، ولا يحامون عمّن شهدت له النصوص الصحيحة بالكرم والطهر والعفاف وبالجنة! وعلى هذا أدعو إلى البراءة من مناهج الطعّانين في الصحابة، وأنّ هؤلاء بين قاصر الفهم! وبين من لم يستوف البحث! وبين مريب مشبوه! وأُذكر الغافلين المقلدين الذين ينالون من أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه فَحْل السياسة والفتوح وإمامهما بعد صاحبيه رضي الله عنهم أجمعين، بأنّ الطعن في أمانة عثمان وقدرته القيادية طعن في الكتاب الذي جمعه! وفي النّبي صلى الله عليه وسلم الذي زكّاه وقدّمه، وجحود للنجاح الذي حققه ومعه ولاته الأفذاذ؛ وللانتصارات التي أنجزتها جيوش المسلمين في عصره! وأن الذين وقعوا في شراك الرافضة فنالوا منه؛ بين مقلد وباحث عن الشهرة، وبين مدلس منتفع، أو غافل لاه لا يقرأ ما يكتب، وأنّ هؤلاء يُوكَلون إلى نواياهم التي لا يعلمها إلا الله تعالى، أما الطعن في أمير المؤمنين عثمان فلا يغتفر وهو شبهة كبرى وتغذية لمنهج السبئية سواء كان ذلك عن قصد أم عن غير ذلك.     

    فمن ينكر ابن سبأ والسبئية وأثرهم التخريبي الهدّام، فإنه ينكر حقائق لا يمكن دفعها، ومن ينكر الحقائق يكون موضع ريبة وشك! فليس بعد الحق إلا الضلال، وليس بعد تبرئة ابن سبأ سوى اتهام الصحابة، وهذه هي مقاصد المشككين في دور المنظمة السبئية الباطنية في تعكير الأمن الذي كان سائداً في عصر أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، وقطع أواصر الأخوة بين كثير من المسلمين، وانكفاء حركة الفتوح ونشر الإسلام في العالمين، فضلا عن نزع منابع الرفاه الذي كان يعيشه المسلمون من استقرارهم وجني خراج بلادهم وعدل أئمتهم وأمانة هداتهم.

       فلا يوجد في تراث المسلمين مثل هذه المصطلحات، كما لا يوجد ظاهرة الحروب الاقتصادية، ولا جمعيات الترويج لأسس التفوق اليهودية، ولا ثقافة إنجاح التعاليم المدمّرة للأخلاق والقيم، وحسابات الموقف من ثمن الذهب وقيمة الضحايا اليهود، ولا المستشارون السريون، ومخططات الهيمنة على الصحافة ووسائل الإعلام، التي تجمل الحكومات الصورية، وتسرق حقوق المسلمين باسم المرونة السياسية! أو الاختلال في الموازين الدستورية وانعدام تمثيل الأقليات في المجالس النيابية! فيستغفلون الناس بهذه المصطلحات ليؤسسوا أنظمة الاحتكار والأرستقراطية، وليمكنوا لجيوش اليهودية الماسونية والجاسوسية السرية لنزع الاستقرار باسم الحفاظ على الأمن والقضاء على الدهماء والرجعية!.

     وعلى ذات المنوال يصنعون الفقر والمجاعات بوسائل الربا ومظلة حقوق رأس المال، فيضعفون الهياكل الاجتماعية ويفككون التركيبة السكانية، ويبتدعون الأزمات الاقتصادية العالمية، والحجج في هذا وغيره حاضرة تحت ذريعة ضمان الأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي لشعوبهم، وكأن أمن تلك الشعوب لا يتحقق إلا بنزع أمن الآخرين، يساعد على تثبيت ذلك وتمرير وسائله الكثير من المنتفعين الثرثارين من الخطباء والكتّاب التائهين والمغرضين.

   فانطلاقا من هذه القواعد التي يعايشها الناس في هذا العصر ويعانون من لأوائها، لا يمكن لعاقل أن ينكر دور ابن سبأ ومنظمته السرية التي استخدمت الوسائل الباطنية واللاأخلاقية في سبيل الوصول إلى أهدافها القذرة ومقاصدها التخريبية، التي تمثلت في اغتيال أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وتغذية أسباب البغضاء والفتنة بين المسلمين بالروايات المكذوبة والإذاعات المصنوعة التي يطفح بها ميراث اليهود في عامة المجتمعات التي عاشوا في أحضانها، فهم من طيشهم كلما سنحت لهم فرصة وارتقوا في وسائل السلطان والجاه أو الثراء، فإنهم يطغون ويظلمون ويبتزون، ويتناسون قدرة الأمم الحية على تكسير القيود وقطع أحلام الطغاة ووأد أدواتهم، ومباشرة بناء الحاضر الآمن الكريم، والمستقبل الواعد الرغيد.

   وخلاصة القول: أن أمّة المسلمين مدعوة إلى الاقتداء بقادتها الصالحين وأئمتها الراشدين، بأن تسلك مسلكهم في التمسك بالعقيدة، والتعامل بالرحمة والاستعداد التام للعطاء والتضحية، وتجديد مشاعر الرقابة الربانية في ضمائر جميع العاملين، ومن ثم النباهة والحذر التام من الأعداء والمغرضين، وأهل الأهواء والمُفرّطين، وصُنّاع الفتن الماكرين والحاقدين، وأنّ في تجربة الأمّة ما يكفي لتأصيل مناهج البناء الفريد المتجدد ولاسيما في عصر التغيير هذا؛ الذي جاء على شوق بعد عقود، بل بعد قرون من التخلف والهوان واستباحة الحقوق والكرامة، فها هي رياح التجديد ونسائم الحياة تدب في مفاصل الأمّة من جديد، فأين الراية الواضحة والجادة السوية والهدف الجلي؟ ومن يحمي تضحيات الأمة من المتطفلين؟ وهل هناك سبيل غير الاحتماء بهدي الكتاب والسنة ومسار الصحابة المكرمين، فها هي تجارب النجاح على مرّ السنين تؤكد أنّه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك هذا الطريق الآمن المنير، وتلك النكبات التي أثخنت بناء الأمة تصرخ في ضمائر وآذان العاملين أنِ الحذر الحذر من الرافضة واليهود والصليبيين، فإنهم يتسللون إلى الحصون تحت مسميات موهمة ورايات غادرة ودعاوى مخادعة لا يعلمها ولا يقدر على اكتشافها إلا من استنار بهدي الكتابين وتسلح بقيادة الشيخين ورضي بما في الصحيحين، وما سوى ذلك فإنه الوهم والسراب والضياع، فكم دفعت الأمّة ثمناً لتفريطها بهذه الثوابت حين طردت الغزاة والمحتلين، وسالمت الأذناب والمأجورين! فعَدَت عليها أفاعي الرافضية وأراقم اليهودية تحت رايات نسجتها أياد سبئية وشعارات ماسونية، رفعتها في ربوع المسلمين بعض الأقليات الانتهازية والغوغاء ودهماء العلمانية، فلينظر الجميع في مدرسة الحياة وتجارب الأمّة للتعلم والاعتبار، ولبتر أو فضح كل يد آثمة تمتد لسرقة أو تزييف رايات الإيمان والعدل والحرية، وإلى مزيد من التعاون والتناصح والتآزر والنباهة، قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (النساء 71) والثُّبات: جمع ثُبة، والثُبةُ العُصْبة<span style="font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;,&quot;serif&quot;; font-size: 14pt; mso-ascii-font-family: " comic="" sans="" ms";="" mso-hansi-font-family:="" "comic="" mso-bidi-language:="" ar-qa"="" lang="AR-QA">، فاعملوا مجموعات أو جميعاً، ولا تجتمع الأمّة على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، والله خير حافظ ومعين.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: