فرق ومذاهب\العدد الرابع والتسعون - ربيع الثاني 1432 هـ
سلسلة رموز الفكر العلماني المعاصر: 10- الدكتور زكي نجيب محمود
الأثنين 7 مارس 2011

محمد المبروك

تعريف:

زكي نجيب محمود (1/2/1905 – 8/9/1993م) مفكر وفيلسوف مصري، وصف بأنه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة؛ لأنه كان أديباً موسوعياً يحاول مزج الفلسفة بالأدب.

ولد في قرية ميت الخولي، دمياط، حصل على درجة الدكتوراة في الفلسفة من جامعة لندن عام1367 هـ/1947م، وكانت رسالته بعنوان "الجبر الذاتي"، وقد ترجمها تلميذه الدكتور إمام عبد الفتاح إلى العربية. بعد عودته إلى مصر التحق بهيئة التدريس في قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، وظل بها حتى أحيل على التقاعد  1965م.

إلى جانب عمله الأكاديمي انتدب سنة  1953 للعمل في وزارة الإرشاد القومي (الثقافة)، وهي الوزارة التي أنشأتها حكومة الثورة وعين عضواً في المجلس القومي للثقافة، ثم سافر بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية في العام نفسه، وعمل أستاذاً زائراً في جامعة كولومبيا بولاية كارولينا الجنوبية، ثم عمل ملحقاً ثقافياً بالسفارة المصرية بواشنطن بين عامي 1954-1955م.

في سنة 1965م عهدت إليه وزارة الثقافة بإنشاء مجلة فكرية تعنى بالتيارات الفكرية والفلسفية المعاصرة، فأصدر مجلة "الفكر المعاصر" ورأس تحريرها.

ثم سافر إلى الكويت سنة 1968م حيث عمل أستاذاً للفلسفة بجامعة الكويت لمدة خمس سنوات متصلة.

بعد عودته من الكويت سنة  1973أصبح له مقال أسبوعي بجريدة الأهرام، وينشر في خمس صحف عربية في اليوم نفسه.

له تأثير على عدد كبير من تلامذته في مصر والعالم العربي إلى اليوم؛ فقد كان المؤسس لتيار الوضعية المنطقية في مصر والعالم العربي والإسلامي.

من كتبه: المنطق الوضعي في جزأين، وخرافة الميتافيزيقا، ونحو فلسفة علمية، ونظرية المعرفة، وتجديد الفكر العربي/ والمعقول واللامعقول.

وكتب زكي نجيب محمود سيرته الذاتية في ثلاثة كتب هي :قصة نفس، وقصة عقل، وحصاد السنين الذي صدر سنة 1991م، وهو آخر كتبه.

 

الخلفية الفكرية:

زكي نجيب محمود، مؤسس الفلسفة الوضعية المنطقية في عالمنا العربي، وقد ظهرت هذه الفلسفة على يد الفيلسوف النمساوي موريس شليك (1881– 1936) الذى تزعم حلقة فينا الفلسفية عام 1929، داعياً إلى فلسفة علمية تكون مهمتها توحيد العلوم الخاصة، وتخليص الفلسفة نهائياً من كل أسباب اللبس والغموض، عن طريق اصطناع منهج التحليل المنطقي. وقد اجتمعت كلمة فلاسفة الوضعية المنطقية (فى الكتاب الذى أصدروه عام 1929 تحت عنوان: "حلقة فينا تصورها العلمي للعالم") على أن المهمة الوحيدة للفلسفة هي العمل على ربط اللغة بالتجربة ربطاً علمياً، وصياغة الواقع الخارجي صياغة منطقية، ولا سبيل إلى تحقيق هذه الغاية إلا عن طريق التسلح بأسلحة "التحليل المنطقي" من أجل صبغ التفكير الفلسفي بخصائص المعرفة العلمية.

وهي دعوة تتضمن جانبين هامين في عملية تطبيق التحليل المنطقي: جانباً سلبياً يتمثل في استبعاد الأحكام الميتافيزيقية من كافة العلوم الطبيعية والرياضية والإنسانية، إن لم نقل المعرفة البشرية بوجه عام، وجانباً إيجابياً يتمثل فى توضيح العلوم ومناهجها والكشف عن عملية تكون المعرفة البشرية بأسرها ابتداءً من معطيات التجربة ([1]).

رؤية الدكتور: الإسلام مجرد سحنة عربية

 ويذهب الدكتور زكي نجيب محمود إلى أن الفلسفة الوضعية المنطقية هى شعبة حديثة معاصرة من المذهب الوضعي لأوجست كونت. يقول الدكتور زكي([2]) "يرى المذهب الوضعي على يدى أوجست كونت" وجوب الوقوف بمحاولاتنا نحو معرفة العالم الخارجى عند حدود الظواهر التي يمكن مشاهدتها وإقامة التجارب عليها واستخراج قوانينها العلمية القائمة على علاقة السببية، أما أن نجاوز الطبيعة المنظورة إلى ماوراء الطبيعة "الغيبيات" فتلك محاولة غير مشروعة ولا غناء فيها، إن جاز للأسبقين فى مرحلة الطفولة البشرية أن يحاولوها فلا يجوز ذلك لنا نحن الذين نعيش فى عصر العلم بدقته.. وللمذهب الوضعي شعبة حديثة معاصرة تسمى بالمذهب الوضعى المنطقى مؤداها أن ما يجاوز حدود الخبرة الحسية ليس كما هو ظن " أوجست كونت" وكما ظن "كانت" متعذر المعرفة على الإنسان لقصور أدوات المعرفة عند الإنسان، وأنه لو كان مزوداً بوسائل أخرى للمعرفة غير وسائله الحالية لجاز أن يكون فى مستطاعه معرفة ذلك العالم الأسمى، بل هو مستحيل المعرفة بحكم تحليل اللغة نفسها التي يستخدمها من يتحدثون عن ذلك العالم الذى يجاوز حدود الخبرة الحسية الممكنة، إذ أن تحليل تلك العبارات تحليلاً منطقياً يبين أنها عبارات بغير معنى".. أما " الوضعيون المنطقيون" إذا سئلوا عن رأيهم فى عبارة كهذه، رفضوها لأن التحليل المنطقي لأجزائها وطريقة تركيبها يبين أنها بغير معنى، فلا يجوز قولها لا لأنها فوق مستوى العقل، بل لأنها عبارة فارغة"...

فى الحقيقة فإن الفلسفة الوضعية المنطقية هى تعبير موضوعى عن حالة العجز الفلسفى التى وصل إليها الفكر الغربى، وما يذكر لهذه الفلسفة هو اعترافها بذلك العجز وعدم التحايل عليه بالإتيان بمفاهيم فلسفية جديدة لا تصمد طويلاً أمام العقل والمنطق.

ولكن بدلاً من أن يؤدي ذلك الاعتراف بالعجز إلي الالتجاء إلي الدين كطريق معرفى لإدراك الحقائق أغلقت هذه الفلسفة كل الطرق المعرفية أمام البشر لإدراك الحقائق المصيرية التى تحكم وجودهم، وأرادت أن تفرغهم من إنسانيتهم بالتعامل معهم كقوالب مادية مصمته حيث لا يفترقون بذلك عن الجماد؛ وذلك لأن الفلسفة من وجه نظرهم ليست إلا منهجاً لتحليل اللغة والمقولات العلمية (أي تحصيل حاصل) وليس فى استطاعتها أن تأتي بجديد إذن فليس للإنسان من سبيل للإجابة على الأسئلة المصيرية الملحة والتي من خلالها تتحدد معالم وجوده.

يقول الدكتور أبو عبد الرحمن بن عقيل الظواهري ([3]) :

"إن منهج الوضعية تحليل الثقافة ما كان منها معلوماً أو معتقداً. وسبيل الفلسفة الحية التطلع إلى معرفة غير المعلوم بعد لتكون هادية لريادة العلم وتجاربه، فالفلسفة من المنظور الوضعي هى منهج تحصيل الحاصل".. أما الفلسفة فى مفهوم الأجيال فموضوعها الحقيقي تحليل المعرفة والقيم وربطها بوسائل المعرفة فى الذات البشرية.. وبهذا تكون منهجاً للتفكير. أما الوضعية فليست منهجاً للتفكير بل هى منهج لتحليل المعلوم فحسب ثم التحير بعد ذلك" ا. هـ. وأضيف والإحباط بعد ذلك.

أما موقف هذه الفلسفة من الدين فهو إقحام لها فى غير مالا تملك الحديث عنه فكان يكفيها موقفها المتمحور حول اللغة بدلاً من أن تخوض فى المدركات الغيبية معتمدة على المصادرة. فكيف يمكنها أن تدعي فراغ تلك المقولات لعدم خضوعها للتحقق التجريبي مع أن من البديهي جداً أن هذه الغيبات غير مادية، ولأنها كذلك فلا يصح على الإطلاق محاكمتها إلى المحك نفسه الذى تخضع له الماديات. أما الذين يريدون أن يخضعوا الذات الإلهية للتحقق التجريبي، فإنهم يستندون إلى حجة واهية يتخذوها ذريعة لتدعيم مواصلة عنادهم فى إنكار حقائق الدين حتى فى الوقت الذى لم يجدوا فيه مفراً من التسليم بعجز الفلسفة عن إجابة الإنسان عما يريد معرفته من حقائق.

تجديد الفكر العربي عند الدكتور زكي نجيب محمود

يصف الدكتور زكى نجيب محمود نفسه فى مقدمة كتابه (تجديد الفكر العربى) فيقول إنه: "واحد من ألوف المثقفين العرب الذين فتحت عيونهم على فكر أوروبي – قديم أو جديد – حتى سبقت إلى خواطرهم ظنون بإن ذلك هو الفكر الانسانى الذى لا فكر سواه؛ لأن عيونهم لم تفتح على غيره لتراه ولبثت هذه الحال مع الكاتب أعواماً بعد أعوام".

وبعد أكثر من أربعين عاماً من التشكيل الغربى لطيات عقله أراد أن يوائم بين ذلك الفكر وبين التراث، لماذا ؟ لكي لا تفلت منا عروبتنا! (كما يقول). ولكن كيف حدث ذلك؟ يقول. "استيقظ صاحبنا (يقصد نفسه) بعد أن فات أوانه أو أوشك فإذا هو يحس بحيرة تؤرقه فطفق فى بضعة  الأعوام الأخيرة، التى قد لا تزيد على السبعة أو الثمانية، يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان كأنه سائح يمر بمدينة باريس، وليس بين يديه إلا يومان، ولا بدل له خلالها أن يريح ضميره بزيارة اللوفر، فراح يعدو من غرفة إلى غرفة يلقى بالنظرات العجلى هنا وهناك ليكتمل له شيء من الزاد قبل الرحيل".

فهل من الممكن والموضوعية أن يحاكم الإسلام بمعايير غربية ترسبت فى ذهن صاحبها على امتداد أربعين سنة، وأن تحدث هذه المحاكمة فى عجالة سريعة سبعة أو ثمانية أعوام كل ذلك بغرض أخذ شئ منه (على أساس كونه تراثاً) يتوائم مع الفكر العربى للحفاظ على عروبتنا.

فما ذنب الإسلام فى كل هذا الكلام، وما ذنبه أن فلاناً من الناس لا يقدره قدره فيعامله على عجالة بينما يقف من الفكر المعادى له موقف العبودية لعقود طويلة، وهل يحق لمن يكون هذا منهجه أن يضطلع بدور المجدد للفكر العربى؟!؟!. ولكن لا فائدة فقد طبق الدكتور زكى نجيب محمود على الإسلام فى كتابه هذا مبادئه الفكرية التى تحدث عنها فى كتابه موقف من الميتافيزيقا (خرافة الميتافيزيقا).

الرؤية الإسلامية التى يدعيها:

وللدكتور زكى نجيب محمود طريقة فى عرض أفكاره يستطيع من خلالها أن يصل إلى الغاية المستهدفة من كلامه، فهو عادة يفترض ثلاث وجهات نظر أمام القضية المحورية التى يطرحها يختار أوسطها فيبدو بذلك أنه نموذج للفكر الوسطى وأنه يتمثل الرؤية الإسلامية إلى الكون مع أن الحقيقة فيما يحدث أن وجهات النظر الثلاث التى يطرحها الأولى شبيهة بوجهة النظر الإسلامية والثانية معادية للإسلام بشكل متطرف سافر أما الثالثة التى سيختارها فعداؤها للإسلام يكتنفه الغموض وبذلك فإنه عندما يعطى للقارئ انطباعاً ما بوسطيته باختياره وجهة النظر الثالثة فإنه فى الحقيقة قد استطاع بتلك الحيلة أن يوقع به فى قبول وجهة النظر التى يبغيها والتي هي فى الوقت نفسه معادية للإسلام ومناقضة له تماماً، ولكنها نموذجٌ لما يحاولون تحقيقه من علمنة للتصور الإسلامي للوجود.

ففى مقال له بعنوان (صورة جديدة لأفكار قديمة) يذهب إلى أن هناك ثلاثة أفكار تمثل كبرى القضايا بالنسبة للإنسان وهى فكرته عن إله خلقه وفكرته عن نفسه وفكرته عن الكون الذى يعيش فيه ثم يتساءل بأي الأفكار ينبغي لإنسان العصر أن يبدأ؟ هل يبدأ من فكرته عن الخالق ودراسة العقيدة الدينية أولاً أم يبدأ بدراسة نفسه والكون معاً وعندئذ فقط يكون أقدر ما يكون معرفة وفهماً لحقيقة الخالق الذى خلقه وخلق الكون  جميعاً. ويقول "والحق أن ثمة فرقاً بعيداً بين الحالتين حالة تعرف بها نفسك والكون على ضوء ما ورد فى تعاليم الدين ومبادئه؟ وحالة أخرى تعرف فيها تلك التعاليم والمبادئ على ضوء ما تدرسه دراسة متعمقة عن نفسك وعن ظواهر الكون معاً". ثم يعرض لوجهات النظر الثلاث فى الإجابة عن ذلك، الأولى هي البدء بدراسة الثقافة (لاحظ أنه يكاد يتأفف دائماً من ذكر التعبير الحقيقي أى الدين الإسلامي) التى استظل بظلها أسلافنا فى التاريخ العربى الإسلامي على وجه التحديد واستنتاج الحلول منها. أما الثانية فهى أخذ ثقافتنا الآن بضاعة جاهزة من منتجات الغرب الحديث والمعاصر، تماماً كما نفعل عندما نستورد منه الطيارات والسيارات ويصفها هنا أنها أضعف وجهات النظر حجة وأبعدها عن الصواب (لاحظ أن وجهة النظر الثالثة التى يهدف إلى إقناعنا بها لا تختلف شيئاً فى مضمونها عن وجهة النظر هذه). أما وجهة النظر الثالثة فهى تريد لنا حياة ثقافية تظل معها السحنة العربية بعامة – والمصرية بخاصة – سليمة من الأذى (ما كل هذا الكرم!) مع تعميق الثقافة الغربية لنشمل جوانب الحياة بأسرها وأبناء الشعب جميعاً فى رؤيتهم العامة للدنيا وأهلها وأحداثها وبهذه الثقافة العلمية نكون أقدر على فهم ديننا فهماً لا يتصادم مع أسس الحياة كما تفرضها ظروف واقعنا. أهـ.

فهل من الممكن أن يتفق مع الإسلام أن يكون مجرد سحنة عربية من الثقافة لا ترتقي حتى لئن تصل إلى مستوى السحنة المصرية. وما دخل العلوم المعاصرة فى اختيار هذا الموقف أو ذاك ولماذا الإصرار على وضع الإسلام وكأنه فى صراع ومواجهة مع العلم؟! إذا كان يقصد بذلك العلوم الطبيعية فإن القرآن لم يقل مثلاً إن الغلاف الجوى على بعد خمسمئة ميل وقال العلم إنه أقل من ذلك أو أكثر، ولم يأت القرآن بقوانين فى الميكانيكا تتناقض مع قوانين نيوتين وليس للقرآن آراء فى الانشطار الذرى تختلف عن آراء أينشتاين. فلماذا الإصرار على هذه اللعبة المستهلكة التى يوضع فيها الإسلام فى مواجهة العلم ويطلب منا اختيار أحدهما. والدكتور زكى نجيب محمود يرفض المفهوم الدينى للأخلاق ويضع بدلاً منه المفهوم البراجماتى لها الذى يجعل الهدف النهائى من الأفعال هو السعادة أو بقول أدق المنفعة (لو أراد) وهو ما يعنى هنا إدخال القيم الأخلاقية نفسها فى مجال المتغيرات (وأرجو من القارئ أن يحتفظ معى بهذه الملحوظة الهامة) لا الواجب الذى يحدد موقفاً أخلاقياً معيناً أما مفهوم تحقيق السعادة (المنفعة) فهو يقتضى تغير الموقف الأخلاقى بحسب النتائج المتحققة والتى يجب أن تستهدف السعادة (سعادة من؟ لا أحد يعرف).

الإسلام ميراث الاستبداد

وهناك قصة مشهورة فى التاريخ الإسلامي يسردها المؤرخون دائماً على أنها رمز للجهاد الفكرى فى الحضارة الإسلامية وعلى الاستماتة فى الحفاظ على حقائق القرآن والسنة من عبث  العابثين أو تدخلات الحكام تلك القصة هى مواجهة الإمام أحمد للقائلين بخلق القرآن وعلى رأسهم الخليفة المأمون، وكيف كان إصراره الفريد على موقفه برغم الاضطهاد وقد يمثل هذا الموقف الذروة فى جهاد أئمة المسلمين من أجل استقلال حقائق الدين عن آراء الحكام.

لكن الدكتور زكى نجيب محمود بعد سرد هذه القصة أراد أن يستدل بها على أشياء على النقيض التام  من كل ما سبق حيث يقول الدكتور معلقاً على تلك القصة: لا، لم يكن فى ساحة الفكر عند الأسلاف "حوار" حر إلا فى القليل النادر، وفى مواقف لم تكن بذات خطر "كبير على سلطة الحاكم، وكيف يكون والحوار إنما يتم بين أنداد ذوى قامات متقاربة، أما ثقافتنا فلا تعرف هذا التكافؤ ولا ذلك التقارب فى الأوزان والقياسات - اللهم إلا فى المبادئ النظرية التى كادت لا تشهد العمل والتطبيق - وكل الذى تعرفه هو أن تعلو فيها نخلة واحدة، أو قلة من نخيل، ليحيط بها كلأ قصير فإذا ما دفعت حرارة التربة ذلك الكلأ إن يرتفع برؤوسه جذت رؤوسه لتظل قريبة من مواضع الأقدام.. هذه كانت ساحة الفكر، وتلك هي كائناتها فهى بطبعها ترفض أن يدور على أرضها حوار إذ لا يكون حوار بين نخيل ونخيل.. وفيم العجب؟ ألسنا قوماً على الفطرة؟ تلك إذن هى سنة الفطرة: فهل ترى - فى البحر - حوار الأنداد قائماً بين الحوت والبلم؟ أم هل ترى - فى الفضاء - نقاش الأقران دائراً بين سباع الطير وبغاثها؟ وهل تجرى مفاوضات فى الغاب - إلا فى الأساطير والحكايات - بين الليوث والغزلان؟ تلك هى فطرة الأحياء والأشياء وظواهر الطبيعة، ونحن قوم على الفطرة فأى عجب إذا سلكنا أنفسنا مع الفطرة فيما فطرها عليه فاطر الأرض والسماء؟. وما يريد أن يقوله الدكتور هو أن تراثنا الفكرى الإسلامى بالكامل كان من صنع الحكام المستبدين وهو بذلك ليس تراثاً مزيفاً فقط وإنما هو تراث معادٍٍٍ للإنسانية مسوغ لاستبداد من يحكمون ومن يملكون القوة والسلطان. وبالرغم من ندرة هذه المواقف فإن استدلال الدكتور قد تحتمل صحته لو أن الأمام أحمد وافق المأمون على ما يريد لكن ما بالك وأن ما حدث هو على العكس تماماً فبرغم ما ذاقه الأمام أحمد من صنوف العذاب إلا أن ذلك لم يثنه عن موقفه المتصلب المستميت إلا أنه فى النفس شئ يجعلها تقلب الأمور رأساً على عقب وتحاول أن تحيل الليل نهاراً والنهار ليلاً. كما أن الخليفة المأمون عندما فعل ما فعل فإنه لم يكن يفعل هذا طمعاً فى دنيا أو رغبة فى سلطان يدعوه إلى الاستبداد والإصرار على رأيه وإنما الذى جعله يفعل ذلك من وجهة نظره هو الدفاع عن حقائق الدين كما يراها فلا داعى للغمز بالخلفاء فى كل مناسبة واتهامهم بمجافاة الدين وتنحيتهم له عن حياتهم.

وكان من الطبيعى أن يعجب الدكتور بجماعة إخوان الصفا المشبوهة والمعروفة بتآمرها على الإسلام مادام يستند فى إعجابه ذلك على هذا الزعم "كان المدار فى الأحكام عند إخوان الصفا هو البراهين العقلية وحدها ومن ثم لم يكونوا - بالطبع - ممن يرضى عنهم كثيرون"([4]). ومع ذلك فالدكتور نفسه يذكر - على استحياء - "أنهم كانوا مصدر إيحاء فى أمور كثيرة عند فرق كثيرة فى العالم الإسلامى بعد ذلك كالباطنية والإسماعيلية من هؤلاء بصفة خاصة"([5]).

الانحياز للمتمردين على الإسلام:

ولم يوضح لنا الدكتور ما هى تلك الأمور التى كانوا مصدر إيحاء فيها، وقبل أن نوضح نحن ذلك نريد أن نقيم النواحى الإيجابية فى فكرهم وهل تستحق هذا القدر من الإعجاب والتقدير عند الدكتور ومن يمشون على منواله فى التعامل مع الإسلام. فمن أهم ما نقله الدكتور عنهم بإعجاب شديد هذه العبارة: "اعلم أن البراهين هى ميزان العقول، كما أن الكيل والزرع والشاهين موازين الحواس كما أن الناس إذا اختلفوا فى حزر شئ وتخمينه من الأشياء المحسوسة رجعوا إلى حكم الكيل والزرع ورضوا بها وارتفع الخلاف من بينهم فهكذا العقلاء الذين يعرفون البراهين الضرورية إذا اختلفوا فى حكم شئ من الأشياء التى لا تدرك بالحواس ولا تتصور بالأوهام رجعوا عند ذلك إلى دليل وبرهان وما ينتج من المقدمات الضرورية وأقروا بها وقبلوها وإن كانت لا تدركها الحواس ولا تتصورها الأوهام"([6])، فأى فضل لهم فى مثل هذا الكلام؟!.

ونود أن نعرف القارئ الآن من هم جماعة إخوان الصفا هذه. وصف أبو الحيان التوحيدى هؤلاء القوم بأنهم: "عصابة وضعت منهجاً زعموا أنهم قربوا الطريق إلى الفوز برضوان الله وأنهم قالوا: إن الشريعة قد دنست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة؛ لأنها حاوية للحكم الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية. وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة الإسلامية فقد حصل الكمال"([7]).

وبعيداً عن الموقف المشبوه لهذه الجماعة من الإسلام والذى يؤكده إخفاؤهم لأسمائهم وامتناعهم عن العمل فى النور، فإن الفكر الذى ينتظم هذه الجماعة أبعد ما يكون عن المنهج العلمى القويم الذى يدعو إليه الدكتور فالحكاية عندهم ليست أكثر من خلط عجيب بين مختلف العقائد والمفاهيم والمذاهب البشرية فهم يمزجون بين الأديان السماوية الثلاثة وبينها وبين الأديان الأرضية والفلسفات اليونانية والعقائد المجوسية وغير ذلك من التصورات الباطنية الخاصة بهم فضلاً عن السحر والطلسمات فهل يعجب الدكتور من هؤلاء أنهم قد وضعوا كل ذلك فى سلة واحدة؟ أين العقلانية فى كل ذلك؟ ويا ترى ما رأى الوضعية المنطقية فيما فعلوه؟ أم أن الأمر لا يعدو ما يفعله المستشرقون من الانحياز إلى كل ما هو متآمر على الإسلام؟!. وأود من القارئ أن يبحث معى عن منهجهم العقلانى العظيم الذى يتحدث عنه الدكتور فى هذه التصورات والآراء:

جاء فى الرسالة الرابعة والأربعين لهم: "كنا نياماً فى كهف أبينا آدم مدة من الزمان، تتقلب بنات تصاريف الزمان ونوائب الحدثان حتى جاء وقت الميعاد بعد تفرق فى البلاد فى مملكة صاحب الناموس الأكبر وشاهدنا مدينتنا الروحانية المرتفعة فى الهواء". وفى موضع آخر من نفس الرسالة يخاطبون قارئهم فيقولون: "هل لك يا أخى أن تصنع ما عمل فيه القوم كى ينفخ فيك الروح فيذهب عنك اللوم حتى ترى الأيسوع (يسوع) عن ميمنة عرش الرب، قد قرب مثواه كما يقرب ابن الرب أو ترى من حوله الناظرين؟ أو هل لك أن تخرج من ظلمة أهرمن ترى اليزدان قد أشرق منه النور فى فسحة أفريمون؟ أو هل لك أن تدخل إلى هيكل عاديمون حتى ترى الأفلاك التى يحكيها أفلاطون وإنما هى أفلاك روحانية لا ما يشير إليه المنجمون؟"([8]).

وفى النقلة التالية يتعرض الدكتور - فى موقف من أكثر مواقفه جرأة - للحديث عن أفكار ابن الراوندى الملحد حيث يقول عن ذلك: "لعله مما ينفع هنا أن نورد جملة للاتهامات ملخصة مبوبة"([9]). ويحاول أن يبرر موقفه هذا فيقول: "ما نهتم له فى كتابنا هذا ليس هو الأوجه المعينة التى هاجم بها الإسلام هذا أو ذاك والأوجه المعينة التى رد بها المدافعون عن الإسلام، بل نهتم فى الدرجة الأولى بالحركة العقلية من حيث هى فيكفينا أن نعلم كيف كان القوم يصطرعون بالحجة ويعتركون بالمنطق والدليل"([10]). ونريد أن نتساءل هنا إذا كان ما يهم الدكتور من تلك الرحلة الفكرية فى التراث هو انتقاء ما يمكن أن يصلح لعصرنا من أفكار فى النواحى العملية لحياتنا (أى يمكن الانتفاع به طبقاً للمعيار البراجماتى) فهل من الممكن أن ينطبق ذلك المعيار على أفكار ابن الراوندى الملحد؟ وما الفائدة من إيراد شكوكه فى الإسلام واتهاماته له حتى ولو أورد معها الردود على تلك الاتهامات والشكوك؟ وإذا كان ابن الراوندى هذا كما وصفه الطبرى "لا يستقر على مذهب، ولا يثبت على حال، حتى أنه صنف لليهود كتاب البصيرة رداً على الإسلام لأربعمائة درهم أخذها - فيما بلغنى - من يهود سمرا، فلما قبض المال رام نقضه حتى أعطوه مائة درهم أخرى"([11]) وكما وصف شخصيته الدكتور نفسه فاعتبرها "شخصية قلقة لم تستقر على رأى تؤمن به حق الإيمان وطفقت تبيع الآراء لمن يشترى فكانت تصوغ من هذه الآراء ما يوافق الشاري، على نحو ما نعرفه اليوم ممن نطلق عليهم عبارة (كاتب مأجور)" وكذلك على النحو الذى عرف به قديماً السفسطائيون"([12]) أقول إذا كان ابن الراوندى بهذا الحال فما هى القيمة التى من الممكن أن نجدها فى آرائه والتى تتفق مع المنهج العلمى العملى الذى يبتغى الدكتور أن يورد آراء ابن الراوندى وأمثاله لكى يرتب عليها ذلك الاستنتاج المتعسف الشاذ حيث يذهب إلى أن كثيراً من الشعوب التى دخلت فى الإسلام لم يكن يربطها به سوى قشرة خارجية تضطر إلى التمسك بها تحت ضغط الظروف السياسية وأنها تتخلص منها بأسرع ما يمكن كلما واتتها الفرصة إلى ذلك.

فهل من الممكن أن يرتب مثل هذا الاستنتاج على إلحاد هذا أو تزندق ذاك أو تآمر هذه الجماعة أو تلك، هل هذا دليل على أن هذه الشعوب ظلت تتمسك بقشرة خارجية من الإسلام. لقد جاء الوقت على الكثير من هذه الشعوب - فى ظل حكم التتار مثلاً - لم يكن بينها وبين الارتداد أى مانع من الرهبة فلم تظل شديدة التمسك والاعتزاز بإسلامها ولكنها استطاعت إدخال الكثير من شعوب التتار ذاتهم فى الإسلام فأين ذلك من استنتاجات الدكتور الموضوعي رائد الفكر الوضعي المنطقي فى العالم العربى. أم أن الأمر لا يتعلق إلا بإرضاء شيء فى نفس صاحبه.

موقفه العام من الإسلام:

ومن كل ما سبق نرى أن الدكتور زكى نجيب محمود ينظر إلى الإسلام فى شقه العقائدي على أنه مجرد رؤية غيبية لا تخضع للتجربة الحسية ومن ثم لا يمكن قبوله كتصور عام للوجود يخضع الإنسان له فى تصوراته ومفاهيمه وقيمه وإن كان تواضعاً منه ولو حتى ادعاء – يقبل أن يتعامل معه – مثله فى ذلك مثل كل العقائد الأخرى – من خلال الميل القلبي الذى ينفصل لديه كاملاً عن العقل والواقع. أما بالنسبة لجانبه التشريعي والحضاري فهو مجرد سحنة عربية يمكن التمسك ببعضها كرغبة فى التميز عن الحضارة الغربية المعاصرة.

تأثيره الفكرى:

لم يبرز التأثير الفكري لزكى نجيب محمود إلا فى السبعينات والثمانينات أي بعد رحيل الرواد الأوائل للثقافة فى مصر. وقد حاول فى الثمانينات تحت تأثير المد الإسلامي المتصاعد أن يقدم مشروعاً خادعاً للمواءمة بين العلمانية والإسلام يعطى للعلمانية فيه كل شؤون الحياة ولا يترك للإسلام سوى المساحة المتعلقة بالميل القلبي، وبعد رحيله لم يكن هناك صدى لأفكاره إلا لدى بعض الليبراليين المعاصرين بالإضافة للأوساط الأكاديمية.

 


) ([2]نظرية المعرفة.

) ([4]المعقول واللا معقول.

) ([6] المرجع السابق.

) ([8]رسائل إخوان الصفا.

) ([10]المرجع السابق.

)  ([12]المعقول واللامعقول.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: