فرق ومذاهب\العدد الخامس والتسعون - جمادى الأولى 1432 هـ
سلسلة رموز الفكر العلماني المعاصر11- هشام جعيط
الأثنين 4 أبريل 2011

أسامة الهتيمي

خاص بالراصد

 

تمهيد:

يراهن الكثير من العلمانيين في نشر أفكارهم وأغاليطهم على جهل الكثير من المسلمين وعدم امتلاكهم للعقلية النقدية التي يمكن بها أن تفحص وتمحص ما يقال، الأمر الذي يجعلها مستعدة لاستقبال كل ما يتم طرحه خاصة وأن أغلب ما يطرحه هؤلاء العلمانيون يخرج بصيغة وأسلوب لغوي يكتنفه الغموض، ويلفه التعقيد الذي يصعب إدراك كنهه.

ولا يملُّ هؤلاء في الحقيقة من تكرار دعاواهم وهرطقاتهم الفكرية – هذا إن ارتقت إلى أن تكون فكرية – إذ نجدهم في حالة إصرار غريب على ترديد مقولاتهم بالرغم من أنها تعرضت مراراً وتكراراً للتفنيد والكشف عن تهافتها بما يؤكد تورط هؤلاء في مؤامرة كبيرة ضد الإسلام.

كذلك فإن الكثير من هؤلاء العلمانيين يتبنون أفكار المستشرقين الغربيين الذين خاطبوا بالأساس شعوبهم التي لا تؤمن بالإسلام في محاولة منهم لتثبيت أقدامهم على مواقفهم المعادية للإسلام، ولكون هذه الشعوب ليس لديها علاقة تماس مع حضارة الإسلام أو خلفية ثقافية عن الإسلام، مما سهل عملية تشويه الإسلام لديها، لكن هؤلاء العلمانيين الذين يدعون العقلانية قاموا بنقل هذه الأفكار المسمومة للمسلمين بعد أن غلفوها ووضعوها تحت عناوين مغرية كالإصلاح الديني والفكر المستنير وقيم حرية الرأي والتعبير!!

ويعد الدكتور هشام جعيط - الكاتب والمؤرخ التونسي الأصل الغربي الهوى - واحداً من هؤلاء الذين انطلقوا في كتاباتهم، وخاصة ما دار حول السيرة النبوية الشريفة، بما يتسق مع المنهج الاستشراقي الذي يستهدف بالأساس التأصيل للرؤى العلمانية التي ترى أن مستقبل الأديان يتجه إلى اللادينية؛ لأن ذلك لا يتماشى مع العلم والحداثة، وهي الرؤية التي يتبناها جعيط نفسه إذ يرى أن هذا المستقبل الذي يتسم باللادينية يشمل الإسلام أيضاً غير أن ذلك سيكون بعد مدة زمنية قد تطول أو تقصر، بل إنه يؤكد أن الحركات الإسلامية الموجودة في العالم الإسلامي متأسسة على عمليات سياسية وتأكيد الذات في هذا العالم، وليس على دراسة أيدولوجية أو ما إلى ذلك من هذا القبيل.

 

سيرته وإسهاماته

ولد هشام جعيـط بتونس في السادس من ديسمبر عام 1935م أي زمن الاحتلال الفرنسي للبلاد حيث استقلت تونس عام 1956م وهو ما يعني أن جعيط قضى شبابه الأول في كنف الاحتلال الفرنسي مما سيكون له تداعيات هامة في حياته، حيث كانت طبيعة المناهج التعليمية وسير الحياة الثقافية تسير وفقاً لما يريده الفرنسيون الذين كانت لهم السيطرة على البلاد آنذاك.

وتشير بعض المصادر إلى أن عائلة جعيط كانت كبقية الأغلبية من العائلات التونسية آنذاك من حيث الالتزام بالتعاليم الإسلامية في سلوكها وتعاملاتها كأحد أهم ردود الفعل الجمعي للشعب التونسي ضد الخطط الفرنسية التي كانت ترغب في اقتلاع الشعب التونسي من هويته الدينية والعقائدية.

هذا وقد حصل جعيط على شهادته الثانوية من مدرسة الصادقية التونسية، ثم تابع دراسته الجامعية بالعاصمة الفرنسية "باريس" إذ وفي عام 1962 تحصل على الإجازة في التاريخ ثم حصل سنة 1981م على شهادة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة باريس أيضاً.

يعمل جعيط في الوقت الحالي أستاذاً شرفياً بجامعة تونس، وأستاذاً زائراً بكل من جامعة ماك غيل (مونتريال) وجامعة باركلاي بكاليفورنيا وبمعهد فرنسا.

ومن دراساته وأبحاثه:

*الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي عام 1974م .

*أروربا والإسلام: صدام الثّقافة والحداثة عام 1978م .

*الكوفة: نشاة المدينة العربية الإسلامية عام 1986م.

*الفتنة: جدليّة الدّين والسّياسة في الإسلام المبكّر 1989

*في السيرة النبوية - 1 - الوحي والقرآن والنّبوّة عام 1999م .

*أزمة الثقافة الإسلامية عام 2001م.

*في السيرة النبوية - 2 - تاريخية الدعوة المحمدية عام 2006م.

 

فقدان الثقة في الأمة

المتتبع لكتابات هشام جعيط يلحظ بوضوح شديد تحبيذه لمنهجية ربما تختلف عن كثير من أنداده ممن يحسبون على العلمانية من أمثال محمد شحرور وبرهان غليون وحسن حنفي، إذ حرص جعيط في أغلب أعماله على تأكيد وجود أزمة داخلية في الثقافة العربية والإسلامية، ففي كتابه الذي عنونه بـ "أزمة الثقافة الإسلامية" يقرر هشام جعيط بوضوح شديد أن الأمة العربية والإسلامية مجرد "عابر سبيل" وبالتالي فهو يرفض تماماً الحديث عما يمكن أن نسميه "مشروع حضاري عربي" فمثل هذا الحديث في نظره وهم وكلام فضفاض، كما أن الحديث عن الخصوصية ليس أكثر من "نفاق كبير وتضليل عظيم".

ويؤكد جعيط في موضع آخر أن الأمة الإسلامية قاحلة فكرياً فهي "صحراء ثقافية في كل المجالات في التراث، كما في استيعاب الثقافة الغربية في الكتاب كما في الرسم أو الموسيقى أو المسرح في المعرفة كما في الأدب. وبما أن جهاز الدولة قتل المجتمع المدني، وأن هذا المجتمع أعطى رقبته للذبح والتذّ بموته فلا أرى الآن خروجاً من المأزق".

والعبارة السابقة كما يتضح تكشف إلى أي مدى يشعر جعيط بحالة فقدان ثقة تامة في الأمة العربية والإسلامية فهي وبحسب عباراته لم تنتج ثقافة حقيقية على أي مستوى من المستويات، وبالتالي فإنه لا يرى في الأفق حلاً لهذه الأزمة.

إلا أن الخروج الذي يقصده جعيط هنا هو الخروج الذي يرتبط بالداخل الإسلامي، وبالتالي فإنه أعطى لنفسه فرصة أن يطرح خروجاً آخر لكنه هذه المرة يرتبط بالخارج ألا وهو إتباع الحداثة الغربية فيقول "لا جدال في أن قيم الحداثة رفيعة، وأن علينا أن نأخذ بها أي أن نقوم بتحول ثقافي كبير ولا نقيم أي اعتبار لأصلها الجغرافي بل فقط لوجه الخير فيها" ثم يحاول جعيط أن يخفف عن القارئ وقع الصدمة فيسعى إلى إطلاق الحديث عن مفهوم الحداثة انطلاقا من المجرد الجغرافي فيقول "ليست هناك حداثة غربية وحداثة إسلامية وأخرى صينية وأخرى هندية أو إفريقية فهي واحدة في جميع أبعادها. أن يجري الكلام على الخصوصيات لدحض قيم الحداثة فهذا نفاق كبير وتضليل عظيم".

غير أن حقيقة موقف جعيط تتكشف بعد ذلك عندما يوضح أن الحداثة التي يريدها لابد أن تكون منقطعة الصلة مع التراث لأية أمة بل مع هويتها الدينية ذاتها فيقول "الحداثة الجديدة تقطع مع كل دين" وبالتالي فشرط الدخول لهذه الحداثة بحسب جعيط هو تخلي المرء عن ثقافته وخصوصيته وهويته.

ويعجب المرء كيف يكون الرد على هذه الطروحات الشاذة خاصة وأنها صادرة عن رجل يفترض أنه متخصص في التاريخ الإسلامي، هذا التاريخ الذي يحمل بين صفحاته الكثير من الدلائل التي تشير إلى القيم الحضارية التي حملها الإسلام للبشرية، والتي كان سباقاً في طرحها وتنفيذها على أرض الواقع حتى أضحت الكثير من هذه القيم الحضارية الإسلامية نبراساً تسير الأمم والشعوب على هديه ونوره.

فنماذج التعايش بين المسلمين وغير المسلمين والعرب وغير العرب في إطار الدولة الإسلامية إشارة قوية إلى مدى قدرة الإسلام على احترام التعدد الثقافي والعرقي الذي يحافظ على الخصوصيات الثقافية للعديد من الشعوب والأعراق المختلفة، الأمر الذي أصبح مفتقداً في العديد من المدنيات الحديثة بما فيها تلك الدول التي تصف نفسها بأنها أقدم الديمقراطيات في العالم، ولعل ما حدث مؤخراً في فرنسا وبريطانيا وهولندا والدنمارك نماذج واقعية وحية على ذلك.

والحضارة الإسلامية هي التي رفعت من قدر المرأة وجعلتها نفساً بشرية تتساوى مع نفس الذكر متجاوزة بذلك الرؤية الوضيعة التي كانت تحتلها المرأة وفقاً للحضارات والأديان السابقة بما فيها النصرانية واليهودية فكان للمرأة تبعاً للتعاليم الإسلامية حق في الميراث وذمة مالية خاصة، وحق في التعليم وحق في اختيار الزوج وغير ذلك من الحقوق التي حرمت منها، وهو الموقف الذي بنت عليه المواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بالمرأة بنيانها، وإن شردت هذه المواثيق فيما بعد، وذلك عندما خضعت في بعض بنودها لأهواء ورغبات خاصة كانت وبالاً على المرأة الغربية.

والقيم الحضارية الإسلامية هي التي منحت الكثير من مفكري الأمة ومثقفيها لأن يسهموا إسهامات رائعة في الحضارة والعلم ظلت حتى الآن المرجعية الأساسية للكثير من العلماء والمفكرين الغربيين الذين لم تتجاوز إسهامتهم حد إعادة صياغة مقولات العلماء والمفكرين العرب والمسلمين ومن بينهم ابن خلدون وابن رشد والغزالي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم.

جرثومة التركيب الجيني

لا يقتصر فقدان جعيط للثقة بالأمة الإسلامية على مجرد كون الأمة تعيش أزمة ثقافية فحسب، بل إنه ينتقل إلى وصف عناصر الأمة بالعجر عن المشاركة في الفعل الحداثي فيقول "فنحن عاجزون عن المشاركة في ابداع التكنولوجيا" كما أننا " عاجزون أيضا عن تبني قيم الحداثة والديمقراطية" والسبب كما يرى جعيط هو الشخصية الإسلامية ذاتها فيقول "نحن أقدر على المجابهة منا على الابداع، وعلى البحث عن السعادة والدعة" ويقول "المسألة في الحقيقة لها عروق فلسفية وثقافية" بما يعني أن المسلم من حيث كونه مسلماً غير قادر على الإبداع أو المشاركة في إنتاج التكنولوجيا المتقدمة.

وهنا لا أعرف كيف يمكن في نظر جعيط أن يتحول المسلمون إلى مبدعين أو مشاركين في إنتاج التكنولوجيا الحديثة فالأمر هنا ليس مجرد مسايرة لركب الحداثة، إذ الأمر يتعلق بالتركيب البيولوجي للشخصية المسلمة الذي لا نعرف كيف يمكنها أن تتعامل مع ما جبلت عليه من التخلف بحسب جعيط؟!

والحقيقة أن جعيط بطروحاته هذه مصر على تجاهل حقائق التاريخ التي تؤكد موقفين أساسيين للإسلام من العلم:

أحدهما: ذلك الموقف النظري الإيجابي من العلم والبحث والتأمل حيث تضافرت الكثير من آيات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة على أهمية العلم وفضل العلماء والدعوة للتدبر في خلق الله والكشف عن قوانين الكون.

وثانيهما : الموقف العملي المشرف للمسلمين تجاه العلم والبحث والذي جاء استجابة للموقف النظري، وهي الاستجابة التي وصلت إلى درجة جعلت من المسلمين رواداً حقيقيين في الكثير من مجالات البحث العلمي الدقيق كالطب والهندسة والجغرافيا والفلك والكيمياء والرياضيات..وغيرها من العلوم التطبيقية فضلاً عن العلوم النظرية.

والغريب أن من يطالبنا جعيط باقتفاء أثرهم هم أنفسهم أول من بادروا بالاعتراف بفضل العرب والمسلمين في هذه المجالات العلمية، حيث أكدت الكثير من الدراسات أن علماء المسلمين كانوا سباقين في اختراع العديد من الأدوات والآلات التي لولا أن اكتشفها العرب والسلمين لمكث العالم قرونا أخرى في محاولة التوصل إلى اختراعها.

جعيط والسيرة النبوية

بشكل قاطع يحدد هشام جعيط هدفه من الكتابة في السيرة النبوية في مقدمة الجزء الأول من كتابيه اللذين خصصهما في هذا الشأن وهو كتابه "الوحي والقرآن والنبوّة" فيقول جعيط " بأنه يرغب في إعادة كتابة السيرة النبوية بطريقة علمية مغايرة لكل السّير التي كُتبت قديماً أو حديثاً " ويضيف " هذا الكتاب وما سيتبعه علمي وليس بالدراسة الفلسفية ويَعتبر بالتالي كمعطي ما هو لب الدين الإسلامي: الوحي الإيمان البعث. وسواء كان المؤرّخ ـ المسلم وغير المسلم ـ مؤمناً أو خارجاً عن الإيمان فمنهجه الصحيح هو هذا أي اعتبار المعطى كمعطى ومحاولة تحليله لا أكثر" ويتابع "وقد حاولنا في هذا الكتاب الاعتماد على المعرفة واستنباط منهج عقلاني ـ تفهّمي لم نجده لا عند المسلمين القدامى من أهل السير والتاريخ والحديث ولا عند المسلمين المعاصرين. وأكثر من ذلك إن المستشرقين على سعة اطّلاعهم لم يأتوا ببحث يذكر في هذا الميدان. وتبقى دراساتهم هزيلة مقارنة بفحول الفكر والتاريخ في الغرب ... وعلى كل فالتعريف ـ بوجه المقارنة ـ بالحضارات والأديان الأخرى إنما أرجو منه خروج العرب والمسلمين من تقوقعهم وضيق أفقهم الفكري".

وكان جعيط وخلال لقاء ثقافي بتونس خصص لعرض أحد دراساته حول السيرة قد أكد أن ما كتب عن حياة الرسول الكريم في القديم مثل سيرة ابن إسحاق أو ابن هشام أو غيرهما "لا تعطي إجابات علمية دقيقة؛ نظراً لتأخر تدوين هذه السير ولغلبة النزعة الوعظية عليها" كما أن أغلب الكتابات الحديثة لا يرقى حتى إلى ما كتبه القدامى من حيث القيمة العلمية".

وكلمات جعيط تشي بأنه سيأتي فيما يخص السيرة النبوية بما لم يأت به الأوائل إن لم يكن على مستوى المعلومة فسيكون على مستوى التحليل والنتائج وهو الأمر الذي لم تتضمنه أو تحققه دراسات جعيط في السيرة النبوية في الواقع، حيث خرجت هذه الدراسات تكراراً للكثير من مقولات المستشرقين حول النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما أكد الدكتور سامي براهم الذي قال: "ولا نجد فيما ورد في كتاب الدكتور جعيط خروجاً عن هذا السياق النظري والمفهومي والمنهجي لما جاء في بحوث المستشرق الألماني تويودور نولدكه (1836/ 1930م)".

ففي الجزء الثاني حول السيرة وهو كتاب "تاريخية الدعوة المحمدية" الذي أكد أنه تضمن الجديد الذي يدفعه لنشره، لا يتردد جعيط في أن يردد أن بعض العبارات والآيات زيدت في النص القرآني عند تدوينه ويورد على ذلك مثلاً وهو قوله تعالى ( وأمرهم شورى بينهم) إذ يرى جعيط أن هذه الآية لا تنسجم مع نسق الآية التي وضعت فيها إضافة إلى أن "أمرهم" أي حكم المسلمين لأنفسهم في زمن النبي عن طريق الشورى غير مقبول "فاعتماد مبدأ الشورى يكون مقبولاً بعد النبي أما في حياته فلا لأنه هو ولي الأمر حينها". كما استغرب الكاتب أن يرد الخطاب بصيغة الغائب في حين أن الرسول كان بينهم.

أيضا يرى أن محمداً - صلى الله عليه وسلم- ولد في حدود سنة 580م وليس 570 ولأن سن الأربعين سن الشيخوخة لذلك فهو يستغرب كيف يقرر القران أنها – أي الأربعين- هي السن التي يبلغ فيها الإنسان أشده. ويخلص في هذه المسألة بالقول: "رأيي أن محمداً بعث في الثلاثين أو حتى قبل ذلك ولم يولد إلا حوالي سنة 580 ميلاديا ولم يعش إلا خمسين سنة".

أما عن اسمه - محمد صلى الله عليه وسلم- فقال جعيط إنه لم يكن محمداً منذ الولادة مستشهداً في ذلك بأن القرآن لم يسمه باسم محمد إلا في السور المدنية "محمد رسول الله والذين آمنوا معه" (الفتح) "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل" (آل عمران) وعد الكاتب أن اسم محمد هو واحد من التأثيرات المسيحية وأنه نقل إلى العربية عن السريانية وأنه يعني في تلك اللغة "الأشهر والأمجد" وأن صيغتها الأولى كانت "محمدان".

أما الاسم الحقيقي للرسول -محمد صلى الله عليه وسلم- فهو "قثم" وسمي بهذا الاسم لأن أحد أبناء عبد المطلب كان اسمه "قثم" ومات على صغرٍ فسمي النبي على اسم عمه المفقود.

ويضيف جعيط والد النبي – صلى الله عليه وسلم -  توفي بعد ولادته، وأن زواجه من خديجة رضي الله عنها كان في سن 23 وأن عمرها حين تزوجها النبي كان 28 سنة.

والأسوأ أن جعيط يشير إلى أن خروج محمد - صلى الله عليه وسلم- للتجارة في اليمن والشام فتح له المجال واسعاً للاطلاع بدقة على التراثين المسيحي واليهودي، وهو ما تعكسه التوافقات الكبيرة بين الكتاب المقدس بعهديه والكتب المنحولة وبين القرآن وأن "كل ما قيل عن ثقافة محمد - صلى الله عليه وسلم- القائمة على السماع أو بالاطلاع المتدرج غير صحيحة كما نفى قصة تشجيع ورقة ابن نوفل للنبي -محمد صلى الله عليه وسلم- لأن "ما قاله ورقة لا معنى له". بل يعد قصة ورقة ابتدعت لإضفاء صبغة الحقيقة لما أتى به النبي في الأول.

وأشار إلى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم- لا بد أن يكون قد تلقى بعض التأثيرات المسيحية حتى قبل أن يبدأ رحلاته للشام حيث تعمقت تلك المعارف وما ساعده على ذلك هو أنه كان يعرف السريانية وهو ما ينفي فكرة أن النبي كان أمياً.

والحقيقة إن المرء ليعجب مرة أخرى أن يصدر مثل هذا الكلام عن حامل للدكتوراة في التاريخ الإسلامي كيف يقوله وهو الذي من المفترض أن يكون ملماً بشكل جيد بأدوات البحث العلمي التي يجب أن يتبعها الباحث.

لكن وعلى أية حال فإن من باب الأمانة العلمية أن نفند بعضاً مما جاء في كتابات جعيط ومنها حديثه عن الأثر المسيحي في القرآن الكريم وهو ما كان قد ردده نولدكه من قبل إذ قال في مؤلفه الضخم "تاريخ القرآن" "1860م" "الإسلام في جوهره دين يقتفي آثار المسيحية أو بعبارة أخرى أن الإسلام هو الصيغة التي دخلت بها المسيحية إلى بلاد العرب كلها".

ويرتبط بالرد على هذه القضية ما أثاره جعيط أيضاً من أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن أمياً وأنه كان ملماً باللغة السريانية وهي معلومات أقل ما توصف بأنها تتعارض مع ما جاء في القرآن الكريم نفسه الذي وصف الرسول بأنه النبي الأمي يقول تعالى " فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي" كما أنها تتعارض مع المنطق الإسلامي من كون الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلع على كتابات تتعلق بالحضارات الأخرى انطلاقاً من حكمة إلهية.

والأمر عند جعيط لم يقتصر على مجرد أن يلم النبي الكريم بالقراءة والكتابة باللغة العربية بل وصل إلى حد أنه كان صلى الله عليه وسلم ملما باللغة السريانية وهي معلومات لا نعلم من أين أتى بها جعيط؟!

وفيما يخص بعث الرسول في الأربعين يبدو أن جعيط لم يفهم المعنى من الآية "حَتّىَ إِذَا بَلَغَ أَشُدّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً" وظن أن أشده هنا تعني القوة البدنية بالرغم من أن المعنى يقصد به النضج الفكري الكامل وبالتالي ليس ثمة استبعاد لبدء دعوة النبي في هذا السن.

يبدو من هذا الاستعراض السابق أن الهدف لدى جعيط ليس الكتابة حول السيرة في ذاتها؛ فالأمر ليس إلا محاولة لزعزعة بعض المسلمات والثوابت حتى وإن لم تكن ذات علاقة مباشرة بالفكرة الرئيسة التي يحاول جعيط الوصول بها إذ أن ذلك ربما يكون مدخلاً لما هو أهم.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: