هل تخلت إيران عن مبدأ تصدير الثورة؟
الأربعاء 4 مايو 2011

 

 

 بوزيدي يحيى

 

خاص بالراصد

تصريحات المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي والرئيس الإيراني أحمدي نجاد مؤخراً حول الأحداث التي تشهدها المنطقة العربية تذكرنا بمواقف الخميني عقب نجاح الثورة سنة 1979، ومحاولته تصديرها إلى الجوار العربي، بل تجاوزت هذه التصريحات الجديدة بإفصاحها بكل وضوح عن البعد الطائفي عبر التحذير من عدم وقوف إيران مكتوفة الأيدي تجاه ما يتعرض له الشيعة في البحرين كما جاء على لسان أكثر من مسؤول إيراني، بينما كانت تصريحات الخميني تتخفى خلف رفع شعارات نصرة المستضعفين أمام المستكبرين أو محاربة الشيطان الأكبر وعملائه في المنطقة، كما اعتبرت هذه التصريحات الثورات العربية امتدادا لثورة الخميني، وأنها ثمرة من ثمراتها، واصفة إياها بالصحوة الإسلامية رغم أنه لم يرفع فيها أي شعار إسلامي، وعلى نفس النهج سار حسن نصر الله في محاولة منه لدعم موقف وليّه الفقيه الإيراني.  

تصدير فكر الثورة  

رغم الآثار السلبية لمبدأ تصدير الثورة على الجمهورية الإسلامية، والمواقف الحازمة والرافضة للأنظمة العربية تجاه ما يعرف بتنظمات حزب الله الشيعية في الخليج العربي، إلا أن صانع القرار الإيراني لم يستطع تجاوز هذا المحدد في سياسة بلاده الخارجية، حتى بعد وفاة مؤسسها آية الله الخميني، لينتهج بعدها الجناح البراغماتي ممثلاً في هاشمي رفسنجاني مبدأً وسطياً حافظ فيه على التوازن بين القوى المؤثرة في النظام ومصالحه الخارجية، من خلال تبنيه لمبدأ تصدير فكر الثورة عبر تنمية إيران والنهوض بها في مختلف المجالات كنموذج يدفع الدول الأخرى أو بالأحرى الحركات الإسلامية المتأثرة بها إلى تقليدها والحذو حذوها، وقد استمر الإصلاحيون بعده على نفس النهج، غير أن ذلك لم يمنع الحرس الثوري والمخابرات من مواصلة أنشطتها بزرع الخلايا السرية ونشر التشيع في الدول العربية والأفريقية ودعم حركات التمرد في تلك الدول بشكل مباشر أو غير مباشر كما رصدته العديد من التقارير، ناهيك عن عملها الروتيني في اغتيال المعارضين الإيرانيين للنظام في الخارج، وكان  للحوزات دور مؤثر أيضاً في حركة التشيع، ونظراً للاستقلالية التي تتمتع بها مكنت النظام من تجنب أي مسؤولية تترتب عن أعمالها عند اكتشاف تلك الممارسات، كما حصل خلال الحرب الأخيرة بين الحوثيين والنظام اليمني.

من تصدير الثورة إلى سرقتها

يدرك النظام الإيراني الوعي الذي أحدثته وسائل الإعلام الحديثة لدى الشارع العربي، ولم يعد بالإمكان تمرير السياسات والمواقف بشكل يصل إلى درجة الاستغباء والاستغفال كما حصل في بداية الثمانينات عندما انخدع الكثير من العرب بشعارات النظام الإيراني الشعبوية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، ولم يسمح لوسائل الإعلام حينها بإثبات تناقضات النظام الإيراني، إلى جانب اشتعال الحرب العراقية الإيرانية التي ساهم دخانها في تضليل الرأي العام العربي عن إدراك الكثير من الحقائق عن طائفية نظام الملالي ومشروعِه الشيعي إضافة إلى عقد الرئيس المصري السابق أنور السادات معاهدة السلام مع إسرائيل وغيرها من الأسباب.   

ومع ذلك لم يتوانَ النظام الإيراني في نسب الثورات إليه، وتمرير رسائله إلى الشعوب العربية لتبني أفكاره عندما خطب المرشد الأعلى علي خامنئي خطبة الجمعة باللغة العربية، وعندما أرسلت إيران سفينة حربية  إلى سوريا عبر قناة السويس، كما أن الخطوات الجارية لتحسين العلاقات مع مصر، والتي قرئت جميعها  في الإعلام الإيراني على أنها انتصار للجمهورية الإسلامية وإحدى ثمرات الثورات الإسلامية ومحددة لمعالم شرق أوسط إسلامي بديل عن الشرق الأوسط الجديد الذي كانت تريده واشنطن، وفي هذا الإطار تحرك حزب الله في لبنان ليدعم ثورتي تونس ومصر، لكنه وقع في الفخ الطائفي عندما شن هجوماً متواصلاً على الدول الخليجية بعد تدخلها في البحرين بطلب من الحكومة، واتهامه لها بارتكاب جرائم في حق الشيعة هناك، وفي نفس الوقت اتهم المتظاهرين في سوريا على غرار النظام الإيراني بالعمالة للغرب وأن ما يجري مؤامرة أمريكية ضد المقاومة، وهو موقف كان أكثر تهوراً من النظام السوري نفسه الذي دخل في تناقضات عديدة باتهامه لأطراف خارجية بالوقوف وراء الأحداث كجماعة الإخوان المسلمين ثم بعض المعارضين وبعدها جماعات إرهابية مسلحة وآخرها مجموعات سلفية وفي نفس الوقت اعتباره الضحايا كلهم شهداء!!

تغيير تكتيكي لا أكثر

الأحداث الجارية وما سبقها من مواقف إيرانية تبين أن نظام الملالي لم يتخلّ في أي يوم من الأيام عن مبدأ تصدير الثورة، ورغم فشل محاولات التغيير عن طريق السلاح التي قامت بها التنظيمات الشيعية المؤمنة بولاية الفقيه في دول الخليج العربي والعراق إلا أن النظام الإيراني واصل دعمه لتلك التنظيمات وزرع خلايا التجسس لصالحه كما كشف مؤخراً عن ذلك في الكويت وقبلها في مصر، وكما دفع بتلك التنظيمات إبان الغزو الأمريكي للعراق لتستحوذ على السلطة فيه وتصبح ورقة لا تقل أهمية عن ورقة حزب الله في لبنان لمقايضة الولايات المتحدة هناك.. مما يثبت أن القوى الشيعية الأخرى أيضا رغم إعلانها تخليها عن خيار إسقاط النظام وتغييره بقوة السلاح ودخولها في العملية السياسية، إلا أن ذلك كان مجرد تغيير تكتيكي فرضته معطيات المرحلة وتكيفاً مع الأوضاع في دولها مع محاولة المحافظة على المبادئ المتوافقة عليها في حدها الأدنى مع النظام الإيراني فيما يتعلق بالمواقف الدولية، وسرعان ما تبين هذا عندما رفعت جمعية الوفاق الشيعية سقف المطالب إلى تغيير النظام مستغلة الأوضاع الجديدة في المنطقة العربية ليقف النظام الإيراني وأذرعه الإعلامية الفارسية والعربية إلى جانبها كاشفاً عن المبدأ الأصلى للثورة الإيرانية ألا وهو تصدير الثورة، وتمديد سلطات الولي الفقيه لتعم كل العالم العربي.

وفي هذا السياق تطرح علامات استفهام كبيرة عن موقف الحوثيين من الثورة في اليمن، وليس المقصود هنا هو موقفهم من نظام علي صالح الذي شنوا ضده العديد من الحروب بعدما كانوا ممثلين في البرلمان، وإنما هل تغيرت قناعاتهم جذرياً بعدم اللجوء إلى العمل المسلح أم أنها مجرد استغلال للظروف وتأخير لمطالبهم إلى وقت لاحق، وهل إذا شاركوا في الانتخابات والبرلمان فستكون هناك حدود فاصلة بينهم وبين إيران أم أن سلوكهم لن يختلف على جمعية الوفاق في البحرين؟

 في الخاتمة يجدر بنا الإشارة إلى أن تأزم العلاقات الخليجية الإيرانية جاء بُعيد تعيين وزير الخارجية الجديد علي أكبر صالحي الذي أعلن في أول مؤتمر صحفي له أن كبرى أولويات إيران دبلوماسياً ينبغي أن تكون مع الجيران والعالم الإسلامي وبشكل خاص السعودية وتركيا وأن السعودية تستحق إقامة علاقات سياسية مميزة مع إيران، وأن الدولتين يمكنهما حل الكثير من المشاكل معا في العالم الإسلامي. ولكن سرعان ما بدأ التأزيم ليس من طرفه فقط وإنما من طرف الرئيس الإيراني أحمدي نجاد والمرشد الأعلى علي خامنئي ما يؤكد مرة أخرى أن نظام الملالي لم ولن يتخلى عن مبدأ تصدير الثورة سواء بالطرق الصلبة أو الناعمة لأنه مبدأ متجذر فيه من أجل الهيمنة على المنطقة. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: