فرق ومذاهب\العدد السادس والتسعون - جمادى الآخرة 1432 هـ
لمحة عن النصيرية
الأربعاء 4 مايو 2011

 

[هذه مقتطفات من كتاب "الإخوان المسلمون في سوريا"، ج2، للأستاذ عدنان سعد الدين، المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، نعيد نشرها في ظل ما تعانيه الثورة السورية من قمع وبطش فظيع، وننشرها بشيء من الاختصار،  ونعتذر عن عدم ترابط بعض الفقرات بسبب ورودها هكذا في الأصل. الراصد]

تنتسب الطائفة النصيرية إلى أبي شعيب محمود بن نصير، الذي عاش في القرن الثالث الهجري، وقد عاصرت في ظهورها ونشأتها حركة القرامطة الباطنية الذين بدأ نشاطهم الديني والسياسي عام 271ه، كما عاصرت زحف أبي عبد الله - داعي دعاة الفاطميين في المغرب العربي.

كان محمد بن نصير النمري (أو العبدي أو المهري كما جاء في بعض المراجع) مؤسس العقيدة النصيرية من بلاد الشام يمجد شخصيات فارسية مثل أزدشير وسابور اللذين يعدان في نظر الفرس تجسيدا للألوهية.

وجدت الطائفة النصيرية في جبال بهراء الوعرة - جبال النصيرية فيما بعد - مأوى لها، فتوافدت إليها، واتخذت منها مسكنا دائما لها حتى يومنا هذا. ومنذ أن استوطنوها أخذوا يفرضون عاداتهم وتقاليدهم عليها.

1- بدأت حركة مناهضة الطائفة النصيرية للسلطة العربية الإسلامية في عصر الدولة (الزنكية- الأيوبية) التي تصدت للصليبيين، إذ الثابت أن السواحل الشامية إنما استولى عليها الصليبيون من جهتهم - أماكن سكنى النصيريين - وإن أعيان الطائفة يؤكدون على هذا، ويعتبرونه مصدر اعتزاز لهم وفي تاريخهم، فعندما رفع أعيان النصيريين مذكرة إلى الحكومة الفرنسية في 3/7/1936 قالوا فيها: هل يجهل فرنسيو اليوم بأن حملات الصليبيين ما كان لها أن تنجح، وما كان لحصونها أن تبقى إلا في القسم الشمالي الغربي من سورية، أي في بلاد النصيرية، إننا أكثر الشعوب إخلاصا لفرنسا. لهذا دبروا محاولة مزدوجة لاغتيال الفاتح صلاح الدين الأيوبي وإنهاء حياته، ولو وفقوا كما يقول محمد كرد علي- إلى قتله لقتلوا أمة بأسرها.

وعندما تصدى الحاكم المملوكي الظاهر بيبرس لحملات المغول، وأفلح في صد اجتياحهم الأسود للمنطقة العربية، أيدهم النصيريون، فكانوا لهم عونا، فما دخل التتار بلاد الإسلام، وتمكنوا من حلب ودمشق وغيرهما من الحواضر الإسلامية إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم لهم. لهذا ما إن انتهى الظاهر بيبرس سنة 676هـ من التتار، وقضى على جموعهم الكاسرة - مع قطز- في عين جالوت 1268م، ودفع عن الشام عادية المغول، حتى توجه إلى حصون النصيرية وقلاعهم، فعمل فيها الهدم والتخريب.

2- في مطلع القرن الثامن للهجرة، خرجت النصيرية في عصيان، قاده رجل منهم يقال له: محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله، وتارة يدعي أنه على بن أبي طالب فاطر السموات والأرض، وتارة يدعي أنه محمد بن عبد الله صاحب البلاد، وخرج يكفّر المسلمين واحتوى على عقول كثير من كبار النصيرية، فحملوا على مدينة جبلة فدخلوها، وقتلوا خلقا كثيرا من أهلها، وخرجوا منها يقولون: لا إله إلا علي، ولا حجاب إلا محمد، ولا باب إلا سلمان- وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن هذا ليذكر بالمظاهرات التي انطلقت في القسم الجنوبي من العراق إثر احتلال الأمريكان للعراق عام 2003 يهتفون: (لا إمام إلا علي، ونريد حاكم جعفري) - فلم يكن لأهل جبلة ناصر ولا منجد، وأمر المهدي أصحابه بخراب المساجد، واتخاذها خمارات، وكانوا يقولون لمن رأوه من المسلمين، قل: لا إله إلا علي، واسجد لإلهك المهدي الذي يحيي ويميت، حتى يحقن دمك([1])، وهذا نفسه الذي وقع في عصرنا لمدينة حماة عندما احتلها الطائفيون ووحدات من الجيش - الوحدات الخاصة وسرايا الدفاع - وقتلوا من أهلها عشرات الألوف، بأساليب تقشعر من هولها الأبدان، وهجّروا زهاء مئة وخمسين ألفا مع أعداد كبيرة من المفقودين، ولاسيما من الفتيان والفتيات، أما من بقي على قيد الحياة، وعجز عن الرحيل، أو وقع في الأسر، فكان البغاة المتوحشون يقولون له: (اركع لحافظ أسد)، هذا ما تواترت به الروايات والأخبار.

ومع هجوم المغول في مطلع القرن التاسع الهجري بزعامة تيمورلنك الأعرج الذي عصف بالحياة المدنية والفكرية في بلاد الشام، وقفت النصيرية من جديد بجانب الغزاة، يغزونهم بالعداوة وشن حملة إبادة ضد العرب والمسلمين.

        النصيرية في العصر الحديث

جرت محاولات جادة ومتكررة لدمج الطائفة العلوية بالمجتمع السوري في سنوات القرن العشرين، عندما كانت تركيا تحكم بلاد الشام، وكذلك بعد زوال الحكم التركي، من أشهرها ما قام به متصرف اللاذقية ضياء الدين الذي كتب تقريرا إلى السلطان عبد الحميد يقول فيه: إن النصيرية أداة بيد إيران، فهم يميلون بعواطفهم إليها، كما أن وجود الأمريكان في بعض أنحاء الجبال يضر بسياسة الدولة، فلابد من إقامة مدارس حكومية للاستعاضة عن المدارس الأمريكية، فأخذ السلطان برأيه ووافقه على مقترحه، فاستدعى المتصرف رؤساء النصيرية، وكتب بحضورهم مذكرة إلى السلطان قال: إن جميع أبناء الطائفة دخلوا في الإسلام عن رضا وطيب خاطر، وأنهم أرسلوا رؤساءهم ومشايخهم لينوبوا عنهم بالإقرار والاعتراف بإسلامهم، فشرع المتصرف بتشييد المدارس والمساجد، وأقنع السلطة بأنهم مسلمون، وما إن توفي المتصرف حتى قام النصيريون بحرق المساجد وهدمها، وتحويل المدارس إلى مساكن.

وقد تكررت هذه المحاولات في ظل الحكم الوطني في سورية على نطاق شعبي، وبجهود من الدعاة والعلماء، ولاسيما في محافظة حمص، وفتح كثير من النصيريين قلوبهم للإسلام، وزالت الحواجز فيما بينهم وبين السكان الآخرين، وفرح سكان المدن في حمص وحماة وغيرهما في هذا التقارب بين أبناء الأمة الواحدة الذي ظهر جليا في بعض قرى النصيريين مثل قرية شين وغيرها، ولا ينسى من يرصد هذه الأحداث جهود الرجل الصالح الشيخ بكور رحمه الله، وكانت الأمور تسير في الاتجاه الصحيح لترسيخ الأخوة الإيمانية والوطنية بين أبناء الأمة الواحدة، لولا انقلاب 8 آذار سنة 1963، وتسلط هذه الفئة ذات الروح الطائفية الباطنية على مقدرات سورية، فأفسدت هذا الأمر وغيره في الوطن الذي حلت به هذه النكبة باستلامهم السلطة وتسلطهم على الحكم.

* أطلقت فرنسا على منطقة جبال النصيرية شعبا وأرضا عام 1919 تسمية بلاد العلويين، بعد أن كانت تسمى لأكثر من عشرة قرون، الطائفة النصيرية وجبال النصيرية، بل إن كتب الجغرافيا في ثلاثينيات القرن العشرين استمرت في تسمية جبال النصيرية، كما شاهدتها في صفوف المرحلة الابتدائية عام 1938، وقد زعم دعي يعيش في أوربا، ويصدر نشرة أسبوعية أن الإخوان المسلمين أطلقوا على العلويين اسم النصيرية حتى عمت، وهذا ادعاء يجافي الحقيقة كل المجافاة، بل هو على عكس الواقع، فجميع كتب التاريخ والجغرافيا في القديم والحديث تخلوا على سبيل الحصر من اسم العلويين، وكلها مثل مروج الذهب للمسعودي والكامل لابن الأثير والبداية والنهاية لابن كثير وعشرات المراجع القديمة والحديثة التي مر معنا عدد منها مثل خطط الشام لمحمد كرد علي وغيره درجت على تسمية جبال العلويين والطائفة العلوية، بجبال النصيرية والطائفة النصيرية، حتى أصدر المفوض السامي عام 1919 التسمية الجديدة: جبال العلويين وطائفة العلويين، وقد ارتاح النصيريون لهذه التسمية، وتمسكوا بها، وأعلنوها وعمّمومها حتى صارت مألوفة ومعروفة منذ أوائل الأربعينيات من القرن الماضي، وحتى يومنا هذا ، فدخلت كتب التاريخ والجغرافيا، والمناهج بالمقررات المدرسية.

* لقد لعبت فرنسا منذ وطئت قدمها أرض الشام بالورقة الطائفية، ووظفتها لصالحها، وهيجت أبناء الأقليات الدرزية والإسماعيلية والعلوية على الحكومات العربية في سورية، وشجعوهم على الانفصال عن الوطن الأم، فقد أرسل الجنرال غورو الذي قاد جيش الاحتلال، وعينته فرنسا مفوضا ساميا في بيروت برقية إلى رئيس وزراء فرنسا، جاء فيها : وأفيدكم بهذا الصدد أن النصيريين قد ساعدوني كثيرا في قمع الفتنة التي أثارها الشريف في منطقة تلكخ، وقد تلقيت برقية تفيد أن 73 زعيما نصيريا يتحدثون باسم القبائل، يطالبون بإنشاء اتحاد نصيري مستقل تحت حمايتنا المطلقة، ويضيف غورو: إن انقسامات سورية - السوريين- ذات فائدة كبيرة لنا من أجل احتواء الحركة المنظمة ضدنا.

* أين تقع ثورة صالح العلي من موضوع تعاون العلويين مع فرنسا، هل هي التي حملت السلاح ضد الفرنسيين؟ يقول محمد كرد على في كتابه الشهير (خطط الشام): إن ثورة صالح العلي ترتبط بالصراع الذي كان قائما بين النصيرية والإسماعيلية، وهو صراع قديم منذ أيام الدولة الفاطمية، ثم اشتد في الحقبة التي استولى فيها الإسماعيليون على قلعة قدموس التي كانت تعد من أهم مراكز النصيرية، وقد غذت هذا الصراع حكومة الملك فيصل برجال من جيشها، كما غذته الحركة الكمالية، لإخراج الفرنسيين من الأراضي التركية في كيليكية، فأمدت صالح العلي بالسلاح، لإيجاد عامل ضغط على الفرنسيين، أثمر انسحابهم من كيليكية عام 1921، فعقد الأتراك اتفاقا مع الفرنسيين، وتخلوا عن صالح العلي، وفي هذا الوقت استعان غورو بقادة العلويين الذين مر ذكرهم، لإنهاء النزاع بين فرنسا وصالح العلي، كما طلب الفرنسيون من أحد زعماء الجبل وهو أحمد الحامد أن يعرض على الشيخ صالح العلي رغبتهم في إنهاء الحرب والدخول في مفاوضات، فانتهت الثورة باستسلام صالح العلي في تشرين الأول عام 1921.

تكشف البرقيات المتبادلة بين رئيس الوزراء الفرنسي ميليران والجنرال غورو بعد احتلال دمشق مباشرة، أن ميليران ذكر في برقية مؤرخة في 6/8/1920 تحمل عنوان: مخطط لتنظيم الانتداب في سورية، استعرض الخطوط العريضة لتنظيم الجماعات التي تتشكل منها المنطقة فيقول: بالنسبة لهؤلاء المقيمين في المنطقة الساحلية، والذين يتكلمون اللغة العربية، يشكلون جماعة دينية، مرتبطة نظريا بالإسلام، لكنها في الواقع منفصلة عنه تماما، ويجب أن لا تندمج بالمسلمين. في الأيام الأولى من أيلول 1920 أصدر غورو عدة قرارات تقضي بتقسيم سورية إلى دويلات ، دولة لبنان - الكبير- ودولة حلب، وقد منح بلاد النصيرية إدارة مستقلة، بغية إعطاء النصيرية حجما يوازي حجم دمشق وحلب أعلنت فرنسا أول تموز/ يوليو سنة 1922 قيام دولتهم المستقلة، فتألفت من لواء اللاذقية، بما فيه أقضية صهيون وجبلة وبانياس وحي الأكراد – والمرقب - وصافيتا ولواء طرابلس الشام القديم، وناحية طرطوس، وقضاء مصياف من أعمال حماة ، وقد قررت مساحة الدولة العلوية بين 6500 - 7000 كم2.

وفي إطار أهداف النصيرية - العلويين- رفض مجلسهم - مجلس دولة العلويين- أي فكرة لوحدة مع دمشق وحلب. اندلعت ثورة كبرى ضد الاحتلال الفرنسي عام 1925، واستمرت ما يقرب من سنتين، شملت البلاد كلها باستثناء الجزء الذي يقطنه العلويون، فقد ذكر المؤرخون وكاتبو المذكرات من الساسة عن تلك الحقبة أن جبال العلويين لم تشهد أي مشاركة في ثورة 1925 والتي تعد علامة فارقة في النضال الوطني من أجل التحرر والاستقلال، فكان أول تنازل من فرنسا للوطنيين، تغيير الاسم لجبل العلويين إذ استعيض عن اسم دولة العلويين المثير للقلق باسم حكومة اللاذقية، بموجب القانون التنظيمي الذي أصدرته السلطات الفرنسية في 14/5/1930 ، فأبدى الزعماء النصيريون قلقهم.

* قدم زعماء النصيرية إلى سلطات الاحتلال العديد من المذكرات التي تطالب بالإبقاء على انفصال منطقتهم. فقد ذكر المفوض السامي هنري بونسو في خطاب بعث به إلى وزير الشئون الخارجية الفرنسية بتاريخ 28/4/1933 أن وفدا من وجهاء النصيرية يترأسه رئيس المجلس التمثيلي في اللاذقية إبراهيم الكنج وصل إلى بيروت ليعرض وجهة نظرهم بشأن وحدة البلاد السورية، وقد حدد رئيس المجلس الموقف بقوله: إنا لا نريدها، بل على العكس، نحن نعارضها، فالسوريون يعادوننا من الوجهة الدينية، ومن جهة أخرى، فهم شديدو الانعزال عنا، وبهذا فلا يمكن لنا التعاون معهم، وأكد أن العلويين يعارضون أي ارتباط لهم مع سورية ، حتى ولو كان ذلك على شكل اتحاد فيدرالي.

وفي خطاب آخر للمفوض السامي بونسو المؤرخ في 16/6/1933م إلى وزير الخارجية الفرنسية، يؤكد أن المطالب الشعبية بالوحدة أثارت موجة من الغضب لدى الأوساط النصيرية، مرفقا مع خطابه مذكرة مؤرخة في 12/5/1933 بعنوان: النصيرية قبل الانتداب وبعده تحمل اسم أحد أعضاء المجلس التمثيلي لحكومة اللاذقية، وهو محمد سليمان الأحمد - بدوي الجبل- الابن الأكبر للشيخ سليمان الأحمد أحد زعماء العلويين البارزين، جاء في المذكرة: إن النصيرية ليسوا بمسلمين، والعالم الشهرستاني صاحب أكبر موسوعة إسلامية تبحث في الأديان، يذكر في كتابه (الملل والنحل): إن المذهب النصيري من المذاهب الإلحادية، ولا صلة له بالدين الإسلامي وتشير المذكرة إلى أن كتب التاريخ والشريعة الإسلامية تعتبر ادعاء النصيرية بأن القرآن كتاب مقدس بالنسبة إليهم، وتسمية أنفسهم مسلمين محض افتراء، لجأوا إليه لتغطية زندقتهم.

ورفع رئيس وأعضاء المجلس التمثيلي من النصيرية إلى وزير خارجية فرنسا عريضة بتاريخ 24/6/1936 وربما كانت أخطر العرائض وأوضحها جاء فيها: «نحن نرفض رفضا قاطعا أي اندماج بسورية، نحن نطالب باستقلالنا تحت وصاية فرنسا، إن الوفد السوري الموجود في باريس حاليا لا يملك حق تمثيلنا، إن من غير المعقول أن تتخلى فرنسا الحرة عنا، نحن الشعب الصغير الضعيف الوفي، دون علمنا، وخلافا لرغبتنا التي عبرنا عنها بوضوح..».

لم تجدِ محاولات النصيرية هذه نفعا، إذ تم توقيع المعاهدة السورية الفرنسية، بين فرنسا والوفد السوري في 9/9/1936 على غرار المعاهدة البريطانية العراقية لعام 1930، ونصت المعاهدة على إدخال سورية في عضوية عصبة الأمم بعد ثلاث سنوات من تاريخ تصديقها، لكن إعلان الحرب العالمية الثانية عام 1939 ألغى عمليا كل ما تم من اتفاقيات، فعادت سورية إلى الخضوع للاحتلال العسكري الفرنسي وقوات أخرى من الحلفاء حتى نهاية الحرب.

بعد أن أدرك العلويون خطورة توجهات الحكومة، وكشفها لخطتهم الرامية إلى الانفصال عن سورية، والمتسق مع المخططات الدولية، فكثفوا من وجودهم ضمن القوات المسلحة، وانضموا تحت لواء الأحزاب السياسية المختلفة بدءا من الحزب القومي السوري الاجتماعي وفي مقدمتها حزب البعث، على أمل تحقيق أهدافهم عند توافر الظروف المواتية لذلك. ومما ساعد على التغلغل النصيري واستمراره في القوات المسلحة، عوامل عدة، أهمها:

أ- التوسع في التعليم الذي شهدته سورية بعد استقلالها، والذي أتاح للطائفة النصيرية فرصة إدخال أبنائهم إلى المدارس والكليات العسكرية والبحرية والجوية. بيد أن انصراف العلويين إلى الحياة العسكرية سبق هذه الفترة، ففي ظل الانتداب الفرنسي، وتشكيل جيش الشرق الفرنسي، أفسح الفرنسيون لأبناء الأقليات الالتحاق بجيش الشرق جيش الانتداب ولاسيما أبناء الطائفة العلوية الذين طغت أعدادهم على مجموع أفراد الجيش، حتى بلغت نسبة العلويين في هذا الجيش الفرنسي 80 %، وعلى الأخص في سلاح المشاة كما يقول الضابط العلوي المخضرم محمد معروف.

ب- سيطرة الجيش على الحياة السياسية منذ انقلاب حسني الزعيم عام 1949، وتسريح عدد من الضباط المسلمين أو فصلهم أو نقلهم إلى وظائف مدنية.

ج- استغلال الضباط النصيريين للتطورات التي أعقبت انقلاب 28/9/1961 في مواصلة التغلغل في القوات المسلحة، والذي اتخذ أبعاده بشكل واضح بعد انقلاب 8/3/1963 ، وبالرغم من أن صلاح جديد وحافظ الأسد ومحمد عمران - أعضاء اللجنة العسكرية ومؤسسيها - لم يشتركوا في الانقلاب، إلا أنهم سرعان ما استدعوا والتحقوا بالقوات المسلحة، وفي مواقع حساسة وذات أهمية بعد مدة وجيزة من الانقلاب، إذ استدعوا على عجل كغيرهم من عشرات الضباط المسرحين والمبعدين عن طريق الإذاعة التي كان سليم حاطوم يسيطر عليها، فصار بعضهم يداوم في مبنى الأركان، وفي شُعب القيادة الرئيسية، وهذا الانقلاب السهل الذي جاء به ضعف السلطة، وتخاذل رئيس الجمهورية، مما سهل لهذه الفئة الصغيرة أن تسيطر على الحكم، دون أن يتصدى لها حاكم أو مسئول عسكري أو مدني.

ذكر كتاب المذكرات عن تلك الفترة، من أمثال زهر الدين والسمان والعظم، أن اللواء الذي قاده العقيد زياد الحريري من الجبهة إلى دمشق مر بعدد من المواقع العسكرية، تزيد أعدادها على عشرين ألفا، أي أضعاف أعداد اللواء، فلم يتصد لهذا اللواء أحد، ولم يتلق أي موقع أمرا بمنع هذا اللواء من متابعة طريقه، بل إن مسئولا كبيرا في الطيران هو الضابط المهايني، استأذن من القصر أو رئيس الجمهورية الشجاع جدا أن يقصف هذه القوة المتمردة فلم يأذن له.

تسلل الأقليات إلى الأحزاب السياسية

كتب مفكرون وسياسيون عن ظاهرة تسلل الأقليات إلى الأحزاب القومية والعلمانية، وملء كوادرها بشكل لفت أنظار المراقبين، فالأستاذ مطاع الصفدي البعثي المخضرم، والممعن في الفكر العلماني، أصدر كتابا جاء فيه: إن البعث كان في الأصل حركة طائفية ترمي إلى استئصال النظام التقليدي الواقع تحت هيمنة السنيين، إن الأقليات الدينية وعلى رأسها العلويون، ويليهم الدروز والإسماعيليون والمسيحيون، كانوا الأكثر طموحا إلى غزو هرم المجتمع القديم التقليدي الذي تسيطر عليه طبقات المدن الإسلامية السنية، وإن البعث كان يسوده أقليات دينية منذ البداية.

ويقول فان دام في كتابه الصراع على السلطة في سوريا: منذ تولي حزب البعث زمام السلطة عام 1963 فإن أعضاء الأقليات الدينية والمتحدثين باللغة العربية، كالعلويين والدروز والإسماعيليين قد لعبوا دورا سياسيا مرموقا.

* كانت إحدى أدوات الإغراء الفرنسية للعلويين، تجنيدهم في قوات جيش الشرق جيش الاحتلال ولاسيما في سلاح المشاة، كما ذكر الضابط العلوي المخضرم محمد معروف في كتابه: أيام عشتها كما رأينا، وفي هذا السياق ما زلت أذكر عندما كنا طلابا في المدارس الابتدائية والمتوسطة، ونشارك في مظاهرات طلابية وشعبية تطالب بالاستقلال والجلاء، كيف كانت خيالة جيش الانتداب تلاحقنا بالبنادق التي تحمل في مقدمتها أو في قوتها الحراب، وهم يزمجرون باللهجة العلوية الجبلية المألوفة على أسماعنا، فنفرّ منهم كأسراب الطيور المذعورة، وفي حين كانت السلطة المطلقة في يد الحاكم الفرنسي وموظفيه وضباطه المختصين بالشئون العامة، فإنا على الصعيد المحلي كانت في يد بعض العلويين المستعدين لأن يلعبوا الدور الفرنسي، وكان أبرز المتعاونين مع الفرنسيين الأخوين كنج - إبراهيم وعلي - وهم الفلاحون الدهاة الذين أيدوا الفرنسيين من لحظة وصولهم سنة 1918 ، فكوفئوا بالثروة والنفوذ، فإبراهيم الكنج عين سنة 1931 رئيسا لمجلس اللاذقية، وحصل على جوقة الشرف - ليجيون دي لور- وعلى أرض واسعة، وارتقى ليصبح صاحب أكبر نفوذ في زعامة عشيرة الحدادين، أما أخوه علي فكان المدير الذي لا يرحم للشئون الداخلية في الإقليم، وكان هناك عمود ثالث للإدارة الفرنسية يتمثل في آل عباس زعماء عشيرة الخياطين الدينية.

وضمن تجمع أسر الكليبة التي كانت تنتسب إليها عائلة الأسد، كان يوجد وطنيون، كما كان يوجد متعاونون مع فرنسا، وكان اثنان من الشخصيات الرئيسية في العشيرة، وهما: محمد بك الجنيد، وصقر خير بك، قد قضيا سنوات الانتداب متأرجحين، بين نزعة الانفصال العلوي، وبين الوحدة السورية، وكان النجم الحقيقي للكلبية وأحد شخصياتها الدينية الرئيسة هو الشيخ سليمان الأحمد عضو المجمع العلمي العربي الذي أسس في دمشق عام 1919 خلال العهد الفيصلي على قصره، وكذا ولده محمد بن سليمان الأحمد الذي ذاع صيته كشاعر فذ في جميع أنحاء الوطن العربي تحت اسم مستعار بدوي الجبل الذي نشأ في أول شبابه وطنيا، ثم سكرتيرا لإبراهيم الكنج حتى عام 1936، فجنح إلى التعاون مع الفرنسيين، وقال قصيدة مدح فيها المفوض السامي، ثم عاد وطنيا عنيفا ضد الفرنسيين، وعضوا في البرلمان السوري، ثم عمل أستاذا للعربية في دار المعلمين العالية في بغداد، حيث يقال: إنه أيد ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد بريطانيا عام 1941، وهذا يوضح المد والجزر في الولاء العلوي تحت الانتداب، وفي هذا السياق سمعت من الشيخ محمد المجذوب - رحمه الله- وكان رفيقا وصديقا للشاعر الكبير بدوي الجبل فقال: كان محمد بن سليمان الأحمد والمجذوب ضمن مجموعة من الشباب الذين يناهضون الانتداب الفرنسي وفجأة نظم بدوي الجبل، قصيدة في مدح المفوض السامي، فصار أترابه وقرناؤه ينظرون إليه شذرا، فضاقت به أرض الوطن ونزح إلى بيروت، فذهبنا إليه لمعرفتنا بمواقفه الوطنية الرائعة، فذكرناه بماضيه الناصع، وأن عليه أن يستأنفه كمناضل وطني بارز، كما هو العهد به، وعدنا جمعيا ومعنا بدوي الجبل إلى اللاذقية، فصدع بمواقف وأشعار خالدات في التاريخ والوطنية والإشادة بعظماء الصحابة كسيدنا عمر بن الخطاب.

 

 



[1] - المختصر في تاريخ البشر، لأبي الفداء ، ج4/53. 

 

 
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: