من أسرار المرجعية الشيعية (2)
الأربعاء 1 يونيو 2011

2-  مرجعية محمد صادق الصدر:

خاص بالراصد

نشأ محمد محمد صادق الصدر وترعرع في النجف كطالب علم فيها، وهو ابن عائلة دينية معروفة ويقال أن أصل العائلة هو من الجنوب اللبناني، وقبل عشرات السنين قدمت إلى العراق, وهو من المجتهدين الذين قاموا بتأليف العديد من الكتب الدينية ومنها: الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات، وفقه القضاء، ومنية الصائمين، وأصول الفقه، ولعله برز بشكل تام في علم الأصول.

وهو ابن عم محمد باقر الصدر، المجتهد والمفكر والمؤسس لحزب الدعوة الشيعي، والذي أعدمه حزب البعث في سنة 1980م، بسبب نيته القيام بثورة شيعية في العراق على غرار ثورة الخميني في إيران.

وسبق في الحلقة الماضية أن أشرنا لقيام الإيراني محمد تقي نجل المرجع الخوئي بنشر بيان باسم لجنة حفظ الأمن وذكر فيها اسم محمد الصدر باعتباره المرشد الروحي لحزب الدعوة كأحد الأشخاص التسعة إبان قيام حركة التمرد الشيعية في العراق عام 1991 عقب تحرير الكويت، ولذلك حين سيطر الجيش على محافظة النجف تم اعتقال محمد صادق الصدر، ولكن يبدو أنه لم يكن له دور حقيقي في الانتفاضة الشيعية، بل إنه أنكر حتى معرفته بوجود اللجنة والبيان أصلاً!!

ويبدو أنه عقد صفقة مع السلطة العراقية فتم الإفراج عنه، ومن المؤشرات على هذه الصفقة التي سهلت تزعمه للمرجعية الشيعية:

1- السماح له بفتح "البراني" الخاص به، بإدارة ابنه مصطفى الذي كانت السلطات تلتقي به بشكل دوري.

2- إعفاء كافة طلبته من الخدمة العسكرية أو تأجيلها لهم، مما دفع الكثيرين من الهاربين من الخدمة للانضواء تحت لوائه.

3- منح خطوط هاتفية في وقت كان هذا من المستحيلات، منها خط مباشر مع بغداد.

4- طبعت رسالته العلمية وبعض مؤلفاته وتم نشرها في عدد من دول الجوار.

5- دعمه مادياً ليمنح الرواتب والمساعدات الشهرية لطلبته والمترددين إليه.

6- تأمين دعم كافة شيوخ العشائر له في المحافظات من قبل السلطات.

10- تسهيل اتصال الوكلاء بالمحافظات بمكتبه لأداء الحقوق الشرعية (الخمس) له.

11- تسهيل كافة مهامه في المحافظة وكذلك طلباته الرسمية في بغداد.

ساعدت هذه الصفقة على استمرار مرجعية الصدر لمدة ثمانية أعوام، والتي كانت الدوافع لها بين الطرفين:

1- سحب قيادة الحوزة الشيعية من العنصر الإيراني ذي المنهج الفارسي في الفكر والتطبيق والذي طالما سيطر على كافة مجريات وأمور الحوزة في النجف، وتحقيق طموح الصدر بالتربع على كرسي المرجعية وهو الحلم الذي لم يتحقق لابن عمه محمد باقر الصدر.

2- تأمين الجبهة الداخلية العراقية خلال زمن الحرب مع إيران.

3-  السيطرة على الحوزة الشيعية والتحكم بتطلعاتها السياسية بعد نجاح الثورة الخمينية.

4-  التماهي مع القومية العربية التي يقوم عليها حزب البعث، بتعريب الحوزة الشيعية.

 

وهكذا بالدعم المالي والسياسي تمكن محمد الصدر من تجاوز أكبر حاجز صنعه المراجع الإيرانيون في وجه أي عراقي يطمح للتصدي لزعامة الحوزة ونيل صفة المرجع الأعلى، وكذلك الحال مع بقية الجنسيات فمن يدرس واقع توزيع الحقوق أو الرواتب على الطلبة في الحوزات يلاحظ أن الطالب الإيراني يحظى بدعم يساوي عشرة أضعاف الطالب العراقي أو غيره من الجنسيات، وبذلك فهو لا يتمكن من طبع رسائله أو كتبه، ويبقى طيلة عمره يحاول سد رمقه وعائلته في ظل الحصار على العراق.

ولذلك فهذا الدعم الحكومي حقق للصدر نجاحات كبيرة ساعدت على تصديه للمرجعية في العراق، منها:

1- تمكن وبسرعة كبيرة من تقديم رواتب شهرية تترواح بين (2000 - 6000 دينار) للطلبة، رغم أنها تقل عن الرواتب التي كان يمنحها السيستاني.

2- فتح ورمم ثماني مدارس من التي تضررت بعد دخول الجيش إلى محافظة النجف عام 1991.

3- قام بطبع مؤلفاته وتوزيعها على العديد من طلبته، واستقطب أغلب الأساتذة العراقيين حوله ومنهم (محمد اليعقوبي) الذي يمتاز برصانته العلمية وكثرة مؤلفاته.

4- نافس بشكل قوي مرجعية علي السيستاني، مما أثار ارتياب أغلب رجال الدين ومنهم محمد تقي الخوئي الذي كان منشغلاً في نقل المرجعية شكلياً إلى الإيراني علي السيستاني، وقد كانت أول فرصة لسحب البساط من تحت الهيمنة الفارسية على المرجعية.

5- رتب محمد الصدر موضوع الخدمة الإلزامية في الجيش للعديد من طلبته الذين لم يكن وضعهم قانونيا, كذلك تمكن من تقليل تدخل مديرية أوقاف النجف بالمدارس الدينية العائدة له.

6- أتاحت حركته بتولي المرجعية بفتح الباب للعديد من المجتهدين غير الإيرانيين لكي يتصدوا للمرجعية مثل الباكستاني بشير والغروي والأفغاني محمد إسحاق فياض والعراقي حسين بحر العلوم والعراقي محمد سعيد الحكيم، ولذلك أفصح بعض الإيرانيين مثل مرتضى البروجردي وعلي الغروي عن غضبهم من الصدر واتهموه بتشتيت المرجعية على ابن جنسيتهم السيستاني.

7- ولأول مرة في التاريخ الحديث خلق الصدر تحدياً مع المرجعية في إيران وحوزاتها في قم، فلطالما ضمن صانع القرار السياسي الإيراني أن المرجعية الشيعية في النجف بيد إيراني، إلا أنه وبعد ما أعلن أحد العراقيين عن مرجعيته فإن الحال اختلف خصوصاً وأنه مدعوم من قبل نظام صدام حسين.

 

لكن الصدر عجز عن التصدى لمنصب الزعامة المطلقة للمرجعية الدينية في النجف، لأسباب متعددة ذاتية وموضوعية نتطرق على سبيل المثال لا الحصر لها في ما يلي:

1- عصبيته ومزاجه الحاد وإفراطه في الانتقاد لخصومه، ولذلك صدرت منه بعض التصرفات التي لا تليق به كمرجع أعلى مثل قيامه بالبصق بوجه أحد الأشخاص داخل الروضة الحيدرية، واستثمر منافسوه هذه التصرفات لإثبات أنه لايستحق أن يكون زعامة المرجعية، ولذلك كانوا يصفونه بالجنون.

2-  اتهامه بالعمالة لنظام صدام حسين بسبب علاقته غير السرية مع الحكومة.

3-  تواطؤ ابن عمه (حسين إسماعيل الصدر) مرجع الكاظمية مع السيستاني، حفاظاً على مصالحه المالية كونه وكيلا مطلقا للخوئي في بغداد، وقد تجلى هذا التواطؤ حين ركع حسين الصدر للسيستاني وقبّل يده أمام حشد كبير في الروضة الحيدرية عام 1993، مما شكل موقفاً فاصلاً في تأكيد مرجعية السيستاني على حساب ابن عمه محمد الصدر.

 

إن محمد الصدر كان برأي الكثيرين الأعلم بين المرشحين لزعامة المرجعية، حيث يشاع بين الطلبة أن الصدر تفوق على السيستاني في المناظرات التي كانت تتم من خلال الوسطاء في علم الأصول والفقه خصوصاً (فقه القضاء) الذي برع به الصدر.

إلا أن الضغوط التي تعرض لها الصدر من قبل إيران والمراجع المرتبطين بها بسبب صفقته مع الحكومة العراقية يبدو أنها دفعت به في اتجاه بعيد ضد منافسيه وخصومه، حيث شهدت هذه المرحلة عدة أحداث أثرت بشكل أو بآخر في مسيرة المرجعية الدينية في النجف وتطوراتها، ومن هذه الأحداث:

أولا- اغتيال الإيراني محمد تقي الخوئي، عام 1994 بحادث سيارة على طريق كربلاء – النجف.

ثانياً- اغتيال المجتهدين الإيرانيين (مرتضى علي البروجردي، وعلي أسد الله وقد بث تلفزيون الشباب العراقي - كانأ ولاية الفقيه، فالخوئي حاول الفصل ما بين الدين والسياسة ولعل الحرب الإيرانية العراقية سبب لذلك، فرغم أن الحرب استمرت زهاء ثمانية أعوام إلا أن الخوئي لم يتدخل البتة بموضوعها وبشكل مطلق، حتى لم يسمع له أية تصريحات سرية عنها بعد موته أو بعد احتلال العراق.

إن مرض الخوئي وكبر سنه جعلا العديد من المراجع الدينية يهيئون أنفسهم لتزعمها وعلى الرغم من مساعي ابنه محمد تقي لتحديدها بمرجع تم اختياره مسبقاً ولأسباب ذاتية هو (علي السيستاني)، إلا أن العام الذي توفي فيه الخوئي شهد تحولاً كبيراً، ففي هذا العام 1992 أعلن بين مجتهدي حوزة قم وبدفع من (علي خامنئي) ترشيح الإيراني (محمد صادق الروحاني) لخلافة الخوئي وأيده عدد من مراجع النجف منهم الغروي والبروجردي، لكن وبعد عام واحد توفي الروحاني، وهنا أيد كافة المجتهدين أن تكون المرجعية للسبزواري الذي كان يقيم في النجف إلا أنه توفي بعد سنه من ترشيحه حيث كان يناهز التسعين من العمر، وهنا أعلن في قم أن الإيراني (محمد الأراكي) الذي خلف الروحاني منح علي خامنئي رتبة المرجعية، وما لبث أن توفي بعد أشهر من منح المرجعية لخامنئي.

في ذات الوقت كان محمد تقي الخوئي يرسم الخطوط العامة لخلافة المرجعية ولم يبارك مرجعية أي من الايرانيين في قم، لأنها ستقضي على طموحاته المستقبلية ونفوذه الحالى كما سبق بيانه في الحلقة الأولى.

وبالمقابل فإن علي خامنئي وضع وبعناية تامة خطة الاستيلاء على المرجعية مستفيداً من منصبه كأعلى سلطة تشريعية في إيران وكونه مسيطراً على أغلب جوانب القرار السياسي، وعلى الرغم من أن مرجعيته لم تلقَ قبولاً حتى في قم، لأن الآراكي يعد بين المراجع الإيرانيين باعتباره مرجعاً مؤسساتياً حكومياً وليس مرجعاً علمياً للحوزة، إلا أن خامنئي أرسل رسالته (الأحكام الشرعية) عام 1997 إلى العراق وخصوصاً إلى مدينة صدام (مدينة الثورة سابقاً وحالياً مدينة الصدر) كونها ساحة هذا الصراع، ولعل هذا يوضح جانباً من صورة الصراع بين قم والنجف فقد كان خامنئي يهدف إلى إضعاف شعبية الصدر التي تنامت في هذه المدينة المؤثرة على مركز السلطة في العراق ويبلغ تعداد سكانها حوالي مليوني نسمة، وينتشر أغلب أفرادها في كافة نواحي بغداد وهم مستعدون للموت من أجل مرجعهم الذي سيختارونه، فإذا ما كسب هذه القوة الشيعية فيمكنه عمل مايريد.

اتسم الصراع بين طهران وبغداد بالشدة لحد التنافس بين المؤسسات الرسمية في البلدين، فمثلما كان خامنئي حريصاً على تولي منصب المرجع الأعلى للشيعة كدرجة دينية بغرض التأثير في الشأن العراقي ومن ثم في باقي ساحات الدول العربية، كان صدام حسين أشد حرصاً على دعم العراقي (محمد الصدر) لتولي هذه الزعامة المرجعية، وحشد أكبر عدد من المقلدين العراقيين خلفه خشية أن تتبع هذه الجموع الفتوى الصادرة في إيران، وهو ما يشكل خطراً كبيراً على بغداد.

استمر هذا الصراع بين خامنئي والصدر، حتى وصل لمرحلة إعلان الصدر وجوب أداء صلاة الجمعة في الكوفة، وهو ما أثار الكثير من التساؤلات حول مغزى هذا الإعلان وهل هو اعتراف صريح وعلني من قبل الصدر بعدالة النظام القائم في العراق ومشروعيته؟ حيث أن صلاة الجمعة تعطلت كما هو معروف عند الشيعة لعدم وجود إمام عادل، وهو ما رجحه الإيرانيون الذين لا يرونه سوى عميل للنظام العراقي.

أم أن المقصود من ذلك هو إعلان الصدر لزعامته المطلقة حتى على سلطة بغداد؟! وهو ما خشيته السلطات العراقية، خاصة أن الصدر دعا إلى إنشاء محاكم شرعية في النجف برئاسته تنوب عن محاكم القانون العراقية، كما طالب بإطلاق سراح السجناء من المعتقلات التابعة للسلطة.

وقد يكون هذا الإعلان سبباً لسرعة التخلص من الصدر، والذي لم يتأكد لليوم من كان خلف مقتله: النظام العراقي الذي خشي من تغوله عليه، أم النظام الإيراني الذي تعارضت مطامعه مع تطلعات الصدر؟؟ وهو موضوع الحلقة القادمة.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: