فرق ومذاهب\العدد السابع والتسعون - رجب 1432 هـ
البهائية وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم
السبت 14 مايو 2011
 

 

 

 

د. سامي عطا حسن- جامعة آل البيت

 

 

 

 

الجذور التاريخية للبهائية:

 

البهائية وريثةُ البابية التي تنتسب إلى الباب: علي محمد الشيرازي، والباب لفظة كثيرة التداول في أدبيات الفرق الباطنية، يطلقونها على بعض أركان دعواتهم، فالباب عندهم: هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما يوجد داخل البناء، فهو إذن واسطة للمعرفة، متخذين من حديث يتردد على ألسنة الناس: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) ([1]) سنداً لصحة مزاعمهم، ولم تشتهر هذه اللفظة بمثل ما شهرها: علي محمد الشيرازي، الذي أسمى نفسه الباب، وتبعه أناس تلقبوا فيما بعد بالبابية، وكان عدد من اجتمع حوله من كبار تلامذة الرشتي ثمانية عشر شخصا أطلق عليهم لقب: أصحاب أو شهداء (حي)([2])، وأمرهم بالانتشار في إيران والعراق يبشرون به وبدعوته، وأوصاهم بكتمان اسمه حتى يظهره هو بنفسه، ثم عاد إلى إيران، وهناك أعلن عن دعوته، واشتهر اسمه، فثار المسلمون عليه، وحاربوا دعوته بوسائلهم المُتاحة، ثم جمع والي شيراز بينه وبين علماء إيران، فناظروه، وأظهروا ما في دعوته من رِدَّة، وغِواية، وضلال، فاعتقله الوالي في سجن شيراز، ولكن هذا الاعتقال لم يمنعه من الادعاء بأنه يُوحى إليه، فقرر الوالي قتله، لولا لجوء الباب إلى: التَّقِيّة، فأخفى معتقده، وأظهر ما يخالف ذلك، ونفى أنه يزعم أنه واسطة بين الناس والإمام المنتظر، فأطلق الوالي سراحه، ليبدأ الدعوة لمذهبه من جديد، فأمر الشاه ناصر الدين باعتقاله، وفي معتقله ألف الباب كتابه: (البيان)، وزعم أنه أُوحي إليه به، وأنه ناسخ للقرآن الكريم، فثار عليه العلماء، وكان من نتائج ذلك، أن أصدر "الشاه ناصر الدين" أوامره بإعدام الباب، فَقُتِل رمياً بالرصاص، وعُلقت جثته في ميدان عام بمدينة تبريز، ثم أخفى أتباعه جثته في تابوت، ودفنوه خارج طهران، ثم نبشوا القبر وأخرجوا التابوت حين طلب عباس أفندي الملقب بـ (غصن الله الأعظم)- نجل البهاء - ، نقل الجثة إلى ثغر (حيفا)، من ثغور فلسطين المحتلة حيث تم دفنه هناك([3])، ليصبح المكان فيما بعد قبلة للبابيين، ثم البهائيين، حيث تم دفن جثة (بهاء الله) بجوار (الباب) في (البهجة)، على منحدرات جبل الكرمل.([4])
 

 

نشأة البهائية:

 

البهائية نحلة ورثت البابية، لتعبد من دون الله: "حسين علي بن الميرزا عباس المازنداني"، الملقب "بالبهاء". عرف البهاء البابية على يد أحد دعاتها في طهران، فوقع في حبائلها، حتى أصبح من كبار دعاتها. ولما دبر البابيون مكيدة لاغتيال الشاه ناصر الدين، تبين للحكومة الإيرانية أن للبهاء وإخوانه يداً في تدبير هذه المكيدة الفاشلة، فأودعوهم السجن ريثما يصدر الأمر بالقصاص منهم، إلا أن تدخل القنصل الروسي، والسفير الإنجليزي لدى الشاه حال دون ذلك، فصدر الأمر بنفيهم إلى بغداد. وقد صرح (بهاء الله) بأنه لم ينج من الأغلال والسلاسل إلا بجهود قنصل الروس، فقال في سورة الهيكل: ( يا ملك الروس: ولما كنت في السلاسل والأغلال في سجن طهران نصرني سفيرك)([5]). وقال البهائي حشمت على أردو: ( لو أن سفيرا الروس والإنجليز لم يشفعا لبهاء الله أمام الحكومة الإيرانية، لخلا التاريخ من ذكر ذلك الشخص العظيم)([6]).
وكان وصول البهاء ونفر من أتباعه، إلى بغداد في اليوم الخامس من شهر جمادى الأولى عام 1269هـ، ويُعرف عند البهائيين بـ (عام بعد حين).
وكان الباب قد أوصى بخلافته من بعده للميرزا يحيى، الملقب بـ (صبح أزل)، وكتب بذلك كتاباً ختمه بخاتمه، وجعل أخاه الميرزا حسين (الملقب ببهاء الله) وكيلاً له. وكاد البهاء بدهائه وبمساعدة بعض البابيين فرض زعامته على من تبقى من البابيين لولا حادث ذهب بأمانيه أدراج الرياح، وهو نفي البابيين من بغداد إلى القسطنطينية وغيرها من البلاد، وذلك لأنهم يحتفلون في أول شهر المحرم من كل عام هجري بعيد ميلاد الباب، ففي أول المحرم من عام 1379هـ احتفل البابيون بهذا العيد، فاجتمعوا في حديقة تسمى: (باغ رضوان)، أي: جنة الرضوان، في جو مليء بمظاهر الفرح والسرور، فشق ذلك على الشيعة الإثني عشرية الذين يعتبرون هذا اليوم يوم حزن ومأتم، فاعتبروا فعلهم ذلك ازدراء بهم وبمعتقداتهم، ولولا تدخل الحكومة آنذاك، لفتك الشيعة بالبابيين وأفنوهم عن آخرهم، فاستقر الرأي على نفيهم من بغداد إلى القسطنطينية، التي لبثوا فيها أربعة شهور، ثم صدر الأمر بنفيهم إلى (أدرنة) وتسمى عند البهائيين بـ (أرض السر)، وفي أدرنة جهر البهاء بالدعوة إلى نفسه، ولفظ أخاه لفظ النواة، فوقع النزاع بين الشقيقين. وانقسم البابيون من أتباعهم إلى فرقتين: فئة انحازت إلى البهاء، وتسمى: (البابية البهائية)، وفئة ظلت على عهدها مع الميرزا يحيى، الملقب بـ (صبح أزل) فسميت بـ (البابية الأزلية)، معتقدة أنه هو خليفة الباب، وأن (البهاء) ليس له من الأمر شيء إلا أنه وكيل الأزل ونائبه، فاحتدم الجدال بين الفريقين، ورأى (صبح أزل) أن الأمر سيفلت من يده، فدس السم لأخيه في طعامه، ولكنه نجا من هذه المكيدة، فشرع يراسل البابيين يدعوهم إلى اتباعه، والإيمان به، ويبين لهم أنه هو المنوه عنه في كتب الباب بـ (من يظهره الله)، بل هو الذي أرسله كما أرسل مظاهره من قبل، مثل: (زرادشت، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، والباب)، ولما أفضى الأمر إلى الجدال فالقتال بين الوكيل والأصيل، خشيت دولة الخلافة أن تضطرم بـ (أدرنة) نيران الفتنة والثورة، فاتفقت وسفير الشاه على تغيير منفى القوم، والتفريق بين الحزبين والأخوين، فنفت (البهاء) ومن تبعه إلى مدينة (عكا) في فلسطين المحتلة، وسجنتهم في قلعتها، ونفت (صبح أزل) وأتباعه إلى جزيرة قبرص، وسجنتهم في قلعة (فاماغوستا)، ثم أطلقت السلطات سراح الأخوين وأتباعهما فيما بعد، على أن لا يغادر أحد منهم منفاه. ثم ادعى كل منهما أنه رسول مستقل، لا خليفة الباب ولا نائبه، وأن الله تعالى قد بعثه رحمة للعالمين بشريعة جديدة، ناسخة لما بين يديها من الشرائع، وجاء كل منهما بكتاب زعم أنه وحي من الله؛ لتصديق دعوته؛ وتكذيب دعوى أخيه، ولم يلبث أن خفت صوت (صبح أزل)، وتفرق عنه أشياعه، وقوي بالتالي أمر (البهاء) وامتد نفوذه، فكبرت مزاعمه، إذ بعد أن كان يدعي أنه خليفة الباب، أصبح يزعم أنه المهدي، ثم ادعى النبوة، فالرسالة، فالربوبية والألوهية، واستمر سادراً في غيه وضلاله، إلى أن هلك في ثاني ذي القعدة سنة 1309هـ الموافق لـ 28/5/1892م، فخلفه ولده الأكبر: الميرزا عباس، الذي تلقب في حياة والده بـ (غصن الله الأعظم)، وبعد هلاك أبيه بـ (عبد البهاء)، ولم يمض وقت طويل حتى غير عبد البهاء أحكام شريعة أبيه، وادعى النبوة، فالربوبية، حتى أن أخاه: (الميرزا محمد علي) أنكر عليه ذلك أشد الإنكار، ورماه بالكفر والمروق من دين البهاء، فانقسمت البهائية مجدداً إلى فريقين: فريق سمي بـ (الناقصين) ويرأسهم الميرزا محمد علي، وسمي الفريق الآخر بـ (المارقين)، ويرأسهم عبد البهاء (الميرزا عباس) الذي استطاع الظهور على أخيه، بمساعدة بريطانيا، والحركة الصهيونية، فأصبح أداة طيعة في أيديهم.([7])
 

 

شذرات من أحكام شريعة البهاء:

 

 يزعم البهاء كسلفه الباب، أن شريعته ناسخةً لما سبقها من الشرائع، ولشريعة الباب كذلك، بل أنشأ دينا جديدا هو مزيج عجيب من العقائد السماوية والوضعية، كحل وسط بين الأديان، وكطريقة عملية لإشاعة السلام في الأرض كما يدعي، ففي البهائية آيات من القرآن الكريم، ونصوص من التوراة والإنجيل، واقتباسات من الهندوسية، والكنفوشيوسية، والبوذية، ويؤولون هذه الاقتباسات بما تقتضيه ديانتهم الجديدة، التي وصفوها بأنها لا تنتمي إلى ديانة معينة بالذات، ولا هي فرقة أو مذهب، وإنما هي دعوة إلهية جديدة، من شأنها أن تختم الدورة السابقة - أي: الرسالة الإسلامية - وأن تعطل شعائرها وعباداتها، فعقيدتهم تخالف عقيدة المسلمين في الله، والرسول، والقرآن، والصلاة، والصوم، والحج، وفي كل الأصول والفروع [8].
 وسأورد شذرات من أحكام شريعة البهاء التي دونها في كتابه (الأقدس):
فقال في الأقدس عن الصلاة: (قد فرض عليكم الصلاة من أول البلوغ أمرا من لدى الله ربكم، ورب آبائكم الأولين، من كان في نفسه ضعف من المرض أو الهرم، عفا الله عنه فضلا من عنده، إنه لهو الغفور الكريم. ومن لم يجد الماء يذكر خمس مرات (بسم الله الأطهر) ثم يشرع في العمل، هذا ما حكم به مولى العالمين.
وقد عفونا عنكم صلاة الآيات - صلاتي الكسوف والخسوف – إذا ظهرت، أن اذكروا الله بالعظمة والاقتدار، إنه هو السميع البصير. وكتب عليكم الصلاة فرادى، قد رفع حكم الجماعة، إلا في صلاة الميت، إنه لهو الآمر الحكيم)([9]).
وحدد البهاء قبلة البهائيين في (الأقدس) بقوله: (إذا أردتم الصلاة ولوا وجوهكم شطري الأقدس، المقام المقدس -عكا- الذي جعله الله مطاف الملأ الأعلى، ومقبل أهل مدائن البقاء، ومصدر الأمر لمن في الأرضين والسموات)([10]). 
وفرض الحج على الرجال دون النساء، ولهم ثلاث مزارات يقدسونها ويحجون إليها، الأول: في شيراز، وهو المكان الذي ولد فيه الباب. والثاني: في بغداد، وهو المكان الذي جهر فيه البهاء بدعوته. والمكان الثالث: في عكا، حيث استقر به المقام، ودفن بعد هلاكه.
يقول في (الأقدس): (وقد حكم الله لمن استطاع منكم حج البيت - أي مكان إقامته ومدفنه فيما بعد- دون النساء، عفا الله عنهن رحمة من عنده، إنه لهو المعطي الوهاب)([11]).
وجعل البهاء الصيام تسعة عشر يوماً في شهر العلاء، ويكون عيد الفطر عندهم موافقاً: لما يسمى بـ (عيد النيروز)، ويوافق كذلك ما يسميه العالم اليوم: بـ [عيد الأم الموافق ليوم 21/3 من كل عام ميلادي]. قال في الأقدس: (ياقلم الأعلى، قل يا ملأ الإنشاء: قد كتبنا عليكم الصيام أياما معدودات، وجعلنا النيروز عيدا لكم بعد إكمالها)([12]).
أما حكم الزكاة عندهم: فقد بينه البهاء في (الأقدس) فقال: (والذي يملك مئة مثقال من الذهب، فتسعة عشر مثقالا لله فاطر الأرض والسماء، إياكم يا قوم أن تمنعوا أنفسكم عن هذا الفضل العظيم -هذه هي الإتاوة التي يتقاضاها الميرزا عباس وخلفاؤه من بعده من أتباعهم- قد أمرناكم بهذا بعد إذ كنا أغنياء عنكم وعن كل من في السموات والأرضين)([13]).
وحرمت البهائية على أتباعها الجهاد، ولم يوجدها من أوجدها إلا لذلك، وفرضت على أتباعها الدعوة إلى السلام، وعدم اللجوء إلى الحرب والقتال، بأية صورة من الصور.
وأكتفي بما أوردته من أحكام شريعة البهاء، وهي غيض من فيض، لا يتسع لها مثل هذا البحث.
 

 

نماذج من تأويلات البهائية، وبيان بطلانها:

 

بنت البهائية قواعد مبادئها - كغيرها من الفرق الباطنية الغالية- على التأويل الباطني، فقد أولوا (النبأ العظيم) في قوله تعالى: (عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون) (النبأ 1-2) بأنه: ظهور البهاء، ودعوته التي سيختلف فيها الناس([14]). بينما تؤولها طائفة الإسماعيلية تأويلاً مغايراً، فقال الداعي الإسماعيلي (جعفر بن منصور اليمن): (المراد بالنبأ العظيم: صاحب الزمان – الناطق السابع محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق-)([15]). وأولها (عبد الله بن سبأ) كذلك تأويلاً مغايراً فقال: بأنه علي بن أبي طالب وقال أتباعه: (هو أمير المؤمنين علي، ما لله نبأ أعظم منه، وما لله آية أكبر منه)([16]).    
وكأن مشركو مكة والعرب الذين نزل فيهم القرآن، كانوا مختلفين في أمر علي أو أمر البهاء وليس في أمر البعث والجزاء ..؟!! كما دلت على ذلك الآيات التالية من السورة، ثم إن هذا التأويل المتناقض للفرق الباطنية المختلفة يدل على أن كل طائفة تؤول بما شاء لها الهوى، وحسب انحراف مزاجها أو اعتداله !! كما يدل على أن البهائية ليست إلا امتداداً للباطنية القدامى، الذين لا يؤمنون بقرآن، ولا سنة، ولا دين، وإنما يتخذون من تأويل النصوص معاول لهدم الإسلام.
وأولوا الخروج في قوله تعالى: (واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب . يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج) (ق: 41-42)، فقالوا: إن المراد بالخروج: خروج البهاء !([17]). والخروج كما جاء في أوائل السورة يعني: خروج الموتى من قبورهم للبعث والحساب، كما قال تعالى: (إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير. يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير) (ق: 43-44) فيوم الخروج هو: يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً، ليخرجوا من الأجداث كأنهم جراد منتشر ([18]).
وفي تأويله لآيات من سورة الإنفطار (1-4) قال البهائي أحمد حمدي آل محمد: [ (إذا السماء انفطرت) أي: سماء الأديان انشقت. (وإذا الكواكب انتثرت)أي: رجال الدين لم يبق لهم أثر. (وإذا البحار فجرت) أي: فتحت القنوات، وفجر بحر على بحر (أي: كقناة السويس التي وصلت بين البحرين، الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر). (وإذا القبور بعثرت) أي: فتحت قبور الآشوريين، والفراعنة، والكلدانيين، لأجل دراستها]([19]).
وهذا مخالف لتأويل البهاء نفسه، إذ قال في تأويلها: (إن المقصود هنا سماء الأديان التي ترتفع في كل ظهور، ثم تنشق وتنفطر في الظهور الذي يأتي بعده، أي: أنها تصير باطلة منسوخة)([20]). بينما أولها الداعي الإسماعيلي: أحمد حميد الدين الكرماني بقوله: [ (إذا السماء انفطرت) قالوا في التفسير: -أي أهل الظاهر- انشقت، ونقول: -أي أهل الباطن- تبطل أحكام الشرائع. (وإذا الكواكب انتثرت) أي: تبطل مقامات الحدود في دين الله. (وإذا البحار فجرت) أي: تظهر السنن المتقدمة في الأديان، ويقام ذكر حدود الله في دينه، والتأويل في الشرائع.      (وإذا القبور بعثرت) أي: تظهر الحكم، والعلوم في العالم، وتكثر الخيرات. (علمت نفس ما قدمت وأخرت) أي: إذا كان ذلك، وقام حكم الاعتقادات بالعقل، فحينئذ تعلم النفس ما فعلت من خير، وتحس بالضرر فيما فعلت، من تأخير الفضلاء ؟ وتقديم المفضولين]([21]).
ألا تعطي هذه التأويلات المتناقضة صورة واضحة لمنهج الباطنيين المعوج في التلاعب بآيات القرآن الكريم حسب أهوائهم، وأغراضهم ؟ فليس لتأويلاتهم قواعد ثابتة، أو أصول راسخة، مع زعمهم أنهم يأخذون عن المعصوم، كما أنهم لم يلتزموا بقواعد التفسير أو التأويل التي اتفق عليها العلماء الثقات.
ثم إن الآيات السابقة لا تؤيد مدعاهم، فقد افتتحت السورة بتوقيت يوم الحساب بأشراط وعلامات، كاختلال نظام العوالم، ثم وعظت المشركين، ولفتت أنظارهم إلى ضرورة النظر في الأسباب التي حرفتهم عن التوحيد، وأبطلت دعاوى المشركين المنكرين للبعث، والجزاء، وخلصت إلى بيان جزاء الأعمال الصالحة بإيجاز، وأطنبت ببيان جزاء الأعمال الفاجرة، لأن مقام التهويل يقتضي الإطناب فيه، ثم آيسهم من أن يملك أحد لأحد نفعا، أو ضرا، وأن الأمر يومئذ كله لله تعالى، فليس في السورة ما زعموه بتأويلاتهم الباطلة، التي لا سند لها سوى الهوى الآثم، والكذب على الحق، والافتراء على الله.
وانظر تأويل البهائية لآيات من سورة التكوير (1-13)، إذ قال البهائي: أحمد حمدي آل محمد في تأويلها: [ (إذا الشمس كورت) أي: ذهب ضوؤها. (وإذا النجوم انكدرت) أي: أن الشريعة الإسلامية ذهب زمانها، واستبدلت بشريعة أخرى. (وإذا الجبال سيرت) أي: ظهرت الدساتير الحديثة. (وإذا العشار عطلت) أي: استعيض عنها بالقطارات. (وإذا البحار سجرت) أي: أنشئت فيها البواخر. (وإذا النفوس زوجت) أي: اجتمع اليهود، والنصارى، والمجوس، على دين واحد، فامتزجوا، وهو دين الميرزا حسين الملقب بالبهاء. (وإذا الموؤدة سئلت) وهي الجنين يسقط هذه الأيام فيموت، فيسأل عنه من قبل القوانين، لأنها تمنع الإجهاض. (وإذا الصحف نشرت) أي: كثرت الجرائد والمجلات. (وإذا السماء كشطت) أي: انقشعت الشريعة الإسلامية، ولم يعد أحد يستظل بها، وعطلت أحكامها. (وإذا الجحيم سعرت) لمن عارض الميرزا حسين (البهاء).      (وإذا الجنة أزلفت) أي: لأتباعه المؤمنين من البهائيين. ]([22])
بينما أولها الداعي الإسماعيلي أحمد حميد الدين الكرماني بقوله: [ (إذا الشمس كورت) أي: ذهبت آثار شرائع الأنبياء، التي هي كالضوء من الشمس. (وإذا النجوم انكدرت) أي: تسقط مراتب الحدود حتى لا يبقى لها أثر. (وإذا الجبال سيرت) أي: استخدم الجبارين في الأرض، فيكونون كلهم طائعين لصاحب القيامة. (وإذا العشار عطلت) أي: أبطل التعليم بإزالة الحدود من رتبهم. (وإذا الوحوش حشرت) أي: جمع من على وجه الأرض على الطاعة. (وإذا البحار سجرت) أي: أقيمت حدود ظاهر الشريعة، وأعيد ما كان محذوفاً منها من كلام المبتدعين والأبالسة ويكون ذلك في الوقت المعلوم. (وإذا النفوس زوجت) أي: وجمع كل إلى قرينه وشبيهه من المنافقين والمجرمين. (وإذا االموءودة سئلت بأي ذنب قتلت) أي: وسئلوا بأي حجة أخر من أخر من حدود الله عن مراتبهم، وقدم عليهم غيرهم. (وإذا السماء كشطت) أي: محي ذكر أئمة الضلال من القلوب، بإبطال دورهم. (وإذا الجحيم سعرت) أي: أقيمت آية وعيد الله للمعاندين لأمره من حجة صاحب القيامة. (وإذا الجنة أزلفت) أي: أقيمت موائد الله للمتقين في الدنيا والآخرة. (علمت نفس ما أحضرت) أي: حينئذ تعلم الأنفس حقائق ما جاءت به الرسل، ويبقى الموحدون ما دامت السموات والأرض، ولا تزال تنحل عنهم على مضي الأيام، المعالم الدينية ].([23])  
وفي الحقيقة لا نجد في هذا التأويل سوى سخافة وهذيان، من ورائه نحل ضالة تحارب الإسلام، وتعمل جاهدة للتشويش على عقائد المسلمين، ثم إن الآيات التي حملوها ما لا تحتمل، وأولوها على غير تأويلها لا تشهد لهم، فقد (ذكر فيها وقت قيام الساعة، وعلامات حضورها، والبعث، والحساب، والجزاء، وإثبات أن القرآن الذي أنذرهم بذلك وكذبوه، هو كتاب من عند الله، وتبرئة النبي صلى الله عليه وسلم من بعض ما وصمه به المشركون، من أنه ينطق بكلام الجن ، وذكر ذلك الوقت، والإطناب فيه، أسلوب من أساليب تحقيقه في النفوس)([24]).
ويرى البهائيون أن قوله تعالى: (ثم إن علينا بيانه)([25]) تصريح من جانب الحق بأن تأويله لا يظهر إلا عن طريق شخص يصطفيه الله للقيام بذلك، وهو الميرزا حسين علي (البهاء)([26]) ..
(وإذا الصحف نشرت) أي: مساوئ المذاهب والاعتقادات.
بينما يستدل البابيون - سلف البهائيين– أن المقصود بالآية هو (البيان) كتاب الباب (علي محمد الشيرازي) ؟!
وأول البهاء قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) (البقرة: 210)، وقوله تعالى: (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين) (الدخان: 10) فقال: (لم يدرك أكثر العلماء هذه الآيات، ولم يقفوا على المقصود من القيامة، ففسروها بقيامة موهومة من حيث لا يشعرون، والله الأحد شهيد بأنه لو كان لديهم شيء من البصيرة، لأدركوا من تلويح هاتين الآيتين جميع المطالب، التي هي عين المقصود)([27]).
وأول قوله تعالى: (ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد . وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) ( ق: 20-21)، فقال: (المقصود من الصور، هو: الصور المحمدي، والمقصود القيامة والمجيء: قيام الباب، ثم البهاء، ومجيئه بالأمر الإلهي) ([28]).    
فالصحابة الكرام، والتابعون لهم بإحسان، والمفسرون، والفقهاء، والعلماء، والمفكرون، كانوا محجوبين عن فهم هذه الآيات على وجهها إلى أن جاءهم هذا البهاء !! 
ثم إن هذه التأويلات البعيدة الغريبة، لا تدل عليها اللغة، ولا يشهد لها ظاهر الكلام، ولا سياقه كما تبين لنا تعارض وتناقض الفرق الباطنية في تأويل الشيء الواحد، وأن هذه الفرق اتخذت من التأويل الباطني الفاسد خطة منهجية في حربها على الإسلام، ومعولاً قوياً تهدم به – حسب اعتقادها – ما ظنت أنها قادرة على هدمه. وقد اعتمدوا في تأويلاتهم على الظن والوهم، (وميدان الظن واسع، وحكم الوهم غالب، فتعارضت الظنون وكثرت الأوهام)([29]).
وأول البهائي أحمد حمدي: الشجرة المباركة في قوله تعالى (يوقد من شجرة مباركة) (النور: 35) بأنها: الميرزا حسين علي، الملقب بالبهاء. وأول قوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة)(إبراهيم: 27)، فقال: الحياة الدنيا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والآخرة: الإيمان بالميرزا حسين علي اللقب بالبهاء.  
وأول قوله تعالى: (كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليه الضلالة) (الأعراف: 30) فقال: (فريقا هدى، فآمن ببهاء الله، وفريقا لم يؤمن فحق عليه الضلالة)([30]).
وأول قوله تعالى: (والسموات مطويات بيمينه) (الزمر:67) فقال: (المقصود بها: الأديان السبعة: البرهمية، والبوذية، والكونفوشيوسية، والزرادشتية، واليهودية، والنصرانية، والإسلام، ثم قال: إنها جميعا مطويات بيمينه، أي: بيمين الميرزا حسين – الملقب ببهاء الله - )([31]).
وهذا التأويل تلاعب صريح بمعاني القرآن، وإخراج لآياته عن مقاصدها الحقيقية، سنده الهوى الآثم، والكذب على الحق، والافتراء على الله.
والفرق الباطنية جميعها لم تكن تتظاهر بتكذيب آيات القرآن المجيد، وإنما اكتفوا بصرفها عن معانيها بتأويلات باطلة، ليصلوا عن طريق ذلك إلى نبذ المعتقدات الإسلامية، التي أجمعت الأمة عليها عبر العصور.
وسار البهائي أبو الفضائل محمد رضا الجرقادفاني - أحد دعاتهم المتعصبين - على نفس الطريقة ونسج على نفس المنوال في تأويل الآيات القرآنية الكريمة بما يتفق ومذاهب الباطنية، فمن ذلك تأويله لقوله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ) (الإسراء: 60) قال: (أطلق لفظ الشجرة الملعونة استعارة على أعداء الله، ومحاربي رسول الله، من السلالة الأموية، والسلطة العضوضية السفيانية)([32])
بينما المفسر الإسماعيلي ضياء الدين – من طائفة البهرة – يؤولها بقوله: (الشجرة الملعونة: يعني الأدلم – وهو لقب عمر عندهم - ومعاونيه من بني أمية وبني العاص – وكتبها بالرموز الإسماعيلية – ([33])، ومن قفا أثرهم في الضلال، وهم أغصانه، لكونه نما فيهم شيطنته، وما اتصل به من صاحبيه (أبو بكر وعثمان وكتبها كذلك بالرموز الإسماعيلية) من خبائث، تزيدهم إبليسية، وفرعنة، وشيطنة) ([34]).
وبعد مقارنة التأويلات البهائية بما سبقها من تأويلات باطنية، تعطينا هذه المقارنة دليلاً قوياً، وبرهاناً ساطعاً، على أن البهائية تقوم على أطلال الباطنية، ويهدفون من خلال تأويلاتهم الباطنية الفاسدة لآيات القرآن الكريم هدمه بمعول التأويل المنحرف، بعد أن فشل أسلافهم من غلاة الباطنية في تحريفه، كما حرفت الكتب السابقة.
أما البهائي: الدكتور رشاد خليفة ([35]) - وكان فنياً زراعياً بمنظمة التنمية الصناعية لهيئة الأمم المتحدة- فقد حاول التدليس على المسلمين، وإيهامهم بأنه اكتشف معجزة في القرآن، وأنه سيطلع المسلمين عليها بطريقة مادية ملموسة، وأن هذه المعجزة مبنية على الرقم (19)، وهو الرقم المقدس عند البابيين، والبهائيين. وبين يدي الآن نسخة عن هذه المعجزة المزعومة ([36])، وسأتوقف بالدليل أمام ما جاء فيها من نهج غير علمي، وترتيب مصطنع، يهدف من ورائه خدمة نحلته البهائية.
وكان الباب -مؤسس البابية - قد ادعى أنه هو المهدي المنتظر، ومخلص البشرية في القرن التاسع عشر، ثم استطاع أن يجمع حوله ثمانية عشر شخصاً ممن آمنوا به، وصاروا أتباعاً له، ورمز لهم بكلمة (حي).
 وكتابه (البيان) الذي كتب فيه تعاليمه، يحتوي على تسعة عشر واحدا، أي: قسماً، وكل واحد ينقسم إلى تسعة عشر باباً، فتكون أبواب الكتاب (361) باباً، وهذا العدد من مضاعفات الرقم (19). والسنة عند البابيين والبهائيين تسعة عشر شهراً ([37])،  والشهر عندهم تسعة عشر يوماً، فتكون مجموع أيام السنة عندهم (361) يوماً، وكل شيء عندهم يرتبط بالرقم (19) أو بمضاعفاته، فأراد البهائي الدكتور رشاد خليفة، - المسبوق بكل ما ذكره وافتراه - أن يوجد سنداً لهذه العقيدة من القرآن الكريم، فزعم أن حروف البسملة تتكون من تسعة عشر حرفاً، وذكر أن كلمة (اسم) تكررت في القرآن (19) مرة([38])، أما كلمة (بسم) فقد تكررت ثلاث مرات([39])، ولفظ الجلالة (الله) تكرر في القرآن (2698) مرة، وكلمة (الرحمن) تكررت (57) مرة، وكلمة الرحيم تكررت (114) مرة، وكلها من مضاعفات الرقم (19).    
وبعد مراجعة هذه الكلمات في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، نجد أن كلمة (بسم) كما وردت في البسملة تكررت ثلاث مرات، أما كلمة (اسم بدون الباء)، فقد تكررت تسع عشرة مرة، (إذا أضفنا إليها آية سورة الحجرات رقم 11). وكلمة (اسمه) تكررت خمس مرات، فلماذا لم يحص كلمة (اسم) بكل حالاتها ؟؟ لأن المجموع سيكون حينئذ سبعاً وعشرين مرة، وهذا عدد لا يقبل القسمة على الرقم تسعة عشر !! 
ووردت كلمة (اسم) في القرآن بصيغة الجمع على النحو التالي: بصيغة (أسماء) تسع مرات، وبصيغة (أسمائه) مرة واحدة، وبصيغة (أسمائهم) مرتين، فلماذا لم يحص كل الحالات التي ردت فيها (اسم) ومشتقاتها، بل اقتصر على (اسم) لأنها تسع عشرة مرة، وأهمل ذكر حالة (بسم)، مع أنها تطابق البسملة ؟ ([40])    
أما كلمة (الرحيم) فقد وردت في كل حالاتها (115) مرة، وليس (114) مرة كما زعم فقد وردت بصيغتي الرفع والجر(95) مرة، وبصيغة النصب (20) مرة، فزور الرقم وقال: إنه (114) مرة، ليكون من مضاعفات الرقم تسعة عشر.
 وكلمة لفظ الجلالة (الله) وردت في حالة الرفع (900) مرة، و(592) مرة في حالة النصب    وفي حالة الجر(1125) مرة، ومجموعها في كل حالاتها: (2697) مرة ([41]). 
ولكن الدكتور رشاد خليفة يضيف إليها رقماً ليصبح المجموع (2698)، وهو من مضاعفات الرقم تسعة عشر، وبذلك يتضح لنا التلاعب الذي تعمده صاحب الاكتشاف المزعوم ليتوافق مع العدد المقدس عند البابيين والبهائيين.
ويقول الدكتور رشاد خليفة: (إذا عددنا الحرف (ص) في السور الثلاث التي تفتتح بهذا الحرف وهي: سورة الأعراف (ألمص)، وسورة (صاد)، وسورة مريم (كهيعص)، نجد أن مجموع الحرف (ص) في السور الثلاث يبلغ (152) حرفاً، وهذا العدد من مضاعفات الرقم (19)، وإذا عدنا إلى السور الثلاث المذكورة، نجد أن الحرف (ص) يتكرر في سورة الأعراف (98) مرة، وفي سورة مريم (26) مرة، وفي سورة (صاد (29) مرة، ومجموعها هو (153) حرفاً، وليس (152) حرفاً، وهذا العدد غير قابل للقسمة على الرقم (19)، وهنا نلاحظ التلاعب خدمة للهدف النهائي.
وهنا نتساءل: لماذا اختار معجزته المزعومة من السور المفتتحة بالحرف (ص)، ولم يختر فواتح السور التي ورد فيها الحرف (س) مثلاً ؟ وما هو المنهج الذي اعتمده ؟
يقول الدكتور خليفة: [(إذا عددنا الحرف (ي) والحرف (س) في سورة (يس) نجد مجموع الحرفين (285) حرفاً، وهو من مضاعفات الرقم (19) ]([42])، وهنا نقول: لماذا اعتمد في سورة (يس) الحرفين اللذين افتتحت بهما السورة، ولم يعتمد نفس المنهج في مفتتح سورة البقرة مثلاً، ( أ ، ل ، م )، وفقاً لما اعتمده في سورة (يس) ؟
ويقول الدكتور رشاد خليفة: (إذا عددنا الحروف (أ،ل،ر) في السور الخمس التي تفتتح بالحروف (ألر) وهي سورة: يونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والحجر، ثم أضفنا عدد الحرف (ر) في (سورة الرعد) المفتتحة بقوله (ألمر)، نجد المجموع: (9709)، وهو من مضاعفات الرقم (19). ونقول: ولم اختار الحرف (ر) من الحروف التي جاءت في مفتتح سورة (الرعد)، ولماذا لم يختر الحرف ( أ ) أو الحرف ( ل ) أو الحرف ( م ) ؟ وهل كان اختياره العشوائي بلا منهج محدد إلا افتراء ومحاولة مكشوفة لتبرير الاعتقاد البهائي ؟
فما قام به الدكتور رشاد خليفة ليس إلا من جملة التأويلات الفاسدة التي نجدها عند الفرق الباطنية المارقة، والتي تحاول أن تؤول آيات القرآن الكريم وفق عقيدتها، دون الاعتماد على قواعد التفسير، أو ضوابط التأويل وهو بذلك قد خالف من سبقه من البهائيين الذين اتخذوا من البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) دليلاً على ما زعموه من أن وحدة اللاهوت عندهم مكونة من ثلاثة أقانيم، هي: البهاء، وهو الرئيس، وابنه الميرزا عباس، الملقب بغصن الله الأعظم، والباب. وهم المعبر عنهم في الإنجيل بـ: الأب، والابن، والروح القدس. وفي القرآن بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم).([43])
والبهائية أخذت هذا التأويل عمن سبقهم من الباطنيين الإسماعيليين، إذ قال الداعي الإسماعيلي: ابن حوشب منصور اليمن: (أول القرآن: (بسم الله الرحمن الرحيم) فـ (بسم الله) سبعة أحرف، والسورة سورة الحمد، وهي سبع آيات، فالسبع التي هي (بسم الله) تدل على النطقاء السبعة ([44])، يتفرع منها اثنا عشر، تدل على أن لكل ناطق اثني عشر نقيباً، ثم الاثنا عشر التي هي  (الرحمن الرحيم) فدل ذلك على أن النطقاء يتفرع منهم بعد كل ناطق سبعة أئمة، واثنا عشر حجة، فذلك (تسعة عشر)، والسبع آيات التي هي سورة الحمد، أمثال لمراتب الدين السبع، فسورة الحمد يستفتح بها كتاب الله، كذلك مراتب الدين يستفتح بها أبواب علم دين الله)([45])  
أما الداعي الإسماعيلي: حاتم بن عمران (ت552هـ ) فقد قال في تأويل (بسم الله الرحمن الرحيم) قولاً مخالفاً لكل من سبقه، فقال: [ إن حروف (بسم الله الرحمن الرحيم) هم مثل على: (محمد)، و(علي) و(حسن) و(حسين) و(فاطمة) لأنهم تسعة عشر حرفاً، وهم أيضا مثل على عدد الملائكة الكبار الشداد، الذين لا يعصون الله ما أمرهم به ] ([46])
هذه بعض التأويلات الباطنية المتعارضة والمتناقضة للبسملة، والتي نهلت منها البهائية في تأويلاتها، وهي تأويلات لا يقبلها العقل السليم، ولا يؤيدها النقل، لمجافاتها لقواعد التفسير، ولضوابط التأويل المقبول. مما يدل على أن دينهم واحد، ونسيجهم غير مختلف، يدعون إلى تأليه البشر وعبادتهم من دون الله، خلافا لدعوة الرسل والأنبياء – عليهم الصلاة والسلام -.
  
الهوامش


([1]) - حديث موضوع، قال البخاري: ليس له وجه صحيح. وأسهب العجلوني في الحديث عنه في كشف الخفاء ج1/ ص 213. (رقم: 618).
([2]) - الحاء بحساب الجُمَّل تساوي: (8)، والياء تساوي: (10) ويضاف إلى الرقم (18) الباب نفسه فيصبح العدد: (19). وقد عرفه اليهود من قديم بحساب أبي جاد، وسماه العرب حساب الجُمل، وقد أدخله اليهود بلاد العرب. ويقوم هذا الحساب على أن كل حرف من حروف الهجاء يقابله عدد، فالألف يقابله الرقم واحد، والباء: اثنان، وهكذا.
([3] )- مفتاح باب الأبواب، ص 246-247.
([4] )- الحراب في صدر البهاء والباب، ص 219 .
([5] )- البابية عرض ونقد، ص 63.
([6] )- تعليمات حضرة بهاء الله، ص 30 .
([7]) - الحراب في صدر البهاء، ص 255-270، مفتاح باب الأبواب، ص431-440، بتصرف واختصار .
([8]) - الحراب في صدر البهاء، ص 99-103، وخفايا الطائفة البهائية، ص 127، والبهائية حقيقتها وأهدافها، ص 93- 102 .
([9] )- الحِراب في صدر البهاء والباب، ص 272. 
([10] )- انظر المرجع السابق، ص 271.
([11] )- انظر المرجع السابق، ص 272.
([12] ) - مفتاح باب الأبواب، ص 391. والحراب في صدر البهاء والباب، ص 276 .
([13] ) - انظر المرجع السابق، ص 278 .
([14] ) - انظر المرجع السابق، ص55
([15] ) - الكشف، ص 31.
([16] ) - الهداية الكبرى، ص 230 .
([17] ) - الحراب في صدر البهاء والباب، ص 56
([18] ) - من محاذير التفسير: سوء التأويل، د. يوسف القرضاوي، مقال بمجلة إسلامية المعرفة.
([19] ) - التبيان والبرهان، ج2/ ص 131.
([20] ) – الإيقان، ص 31.
([21] ) - راحة العقل، ص 586.
([22] ) - التبيان والبرهان، ج2/ ص 120-121.
([23] ) - راحة العقل: ص 587-588.
([24] ) - تفسير التحرير والتنوير، جزء عم: ص 181 .
([25] ) - سورة القيامة، آية/ 19. وهذا شبيه بما فعله (بيان بن سمعان) زعيم فرقة البيانية، الذي زعم أنه المقصود في قوله تعالى (هذا بيان للناس) (آل عمران138)، فادعى الألوهية. وبما زعمته فرقة سبئية بائدة من أن في مصحف ابن مسعود: (إن عليا جمعه وقرأه) فحرفها النساخ إلى:(إن علينا جمعه وقرآنه) !! وشبيه كذلك بما زعمته فرقة السليمانية البائدة التي قالت بنبوة (سلمان الفارسي)، وتأولوا في ذلك قوله تعالى ( واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا) (الزخرف 45) فقالوا: المقصود بذلك (سلمان)، فقد كتبت (الميم) في المصحف ملصقة (بالنون بلا ألف) كما كتبت (لقمن) و(عثمن) بلا ألف ..! (أي: أن (واسأل من) أصلها (وسلمن) .. وكان آخر من زعم مثل ذلك هو البهائي (رشاد خليفة) فقال في تشرة صادرة عن مسجد توسان في أمريكا تحت عنوان   (رسالة إلى العالم الجديد): ( إن اسمي الأول (رشاد) ذكر في القرآن مرتين [ انظر غافر 29 ، 38 ] واسمي الأخير هو ( خليفة ) ذكر مرتين [ انظر البقرة 30، وسورة صاد 26] على أنني الإنسان الذي سيفسر هذا القانون الرياضي المعتمد على الرقم (19) إلى أن يقول في نهايتها: كل هذه الحقائق في القرآن، حيث أنه أوحي به منذ 1400سنة، لذلك فإن الله قد أعطى برهان حقيقي ومادي بأنه رسوله ).. وكان ادعاؤه النبوة في شهر مايو سنة 1980م .. وكل هذا يدل على أن هدف الباطنيين واحد ونسيجهم غير مختلف. انظر: الزينة في الكلمات الإسلامية العربية: ص306. والفصل في الملل والأهواء والنحل، ج4/ ص185. وانظر نص الرسالة في كتاب: مسيلمة في مسجد توسان، ص 238.
([26] ) - الحجج البهية، ص85. وانظر تركيز الدكتور فلاح الطويل على هذا المعنى - الذي ذهب إليه الجرفادقاني في كتابه : عالمية القرآن والرمزية فيه، ص 9 ، 37، 154، وغيرها.
([27] ) – الإيقان، ص 154.
([28] ) - الإيقان،ص 161.
([29] ) - المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار : ج3/ ص 313.
([30] ) - التبيان والبرهان، ج2/ ص 120-128.
([31] ) - التبيان والبرهان، ج2/ ص 100، 137.
([32] ) - الحجج البهية، ص 175-176.
([33] ) - انظر هذه الرموز في كتاب: أربعة كتب إسماعيلية، ص 178.
([34] ) - تفسير مزاج التسنيم، ص 139.
([35] ) - وقع رشاد عبد الحليم محمد خليفة كتابه (القرآن والحديث والإسلام) الذي أنكر فيه السنة النبوية .. باسم رشاد خليفة، مع أنه مسجل في قيد المواليد بناحية ( كفر الزيات، محافظة الغربية بمصر سنة 1935م باسم: رشاد عبد الحليم محمد خليفة ) ولكنه في كتابه الإعجاز العددي، وقعه باسم: محمد رشاد خليفة ... ولمعرفة سر ذلك انظر: كتاب مسيلمة في مسجد توسان، ص 62، 163.
([36] ) - انظر: معجزة القرآن. وعالمية القرآن والرمزية فيه، ص 13 وما بعدها. إذ أكد على هذه المعجزة في الباب الأول تحت عنوان: أرقام لها دلالات .
([37] ) - الحراب في صدر البهاء والباب، ص 274-275. والبهائية حقيقتها وأهدافها، ص 64- 65 .
([38] ) - على اعتبار أن (الاسم) الواردة في سورة الحجرات ( آية 11) من ضمن الكلمات المعدودة ، مع أنها تخالفها في الرسم ، انظر: المعجم المفهرس، ص 361.
([39]) - في سورة الفاتحة ( آية 1 ) ، وسورة هود ( آية 41) ، وسورة النمل ( آية 30) .
([40]) - المعجم المفهرس، ص 361.
([41]) - المرجع السابق، ص 40-75 . وانظر كتاب: ( تسعة عشر ملكا، بيان أن فرية الإعجاز العددي للقرآن خدعة بهائية ) ص 103-117.
([42] ) - معجزة القرآن، ص 10 .
([43] )  - الحراب في صدر البهاء والباب، ص 226. وإن كان للباب رأي مختلف، إذ يروي كذبا أن (علي بن أبي طالب) قال: إن كل ما يحتويه القرآن محصور في سورة الحمد، وكل ما تحويه محصور في البسملة، وكل ما تحويه البسملة محصور في الباء، وكل ما في الباء محصور في النقطة) ثم زعم أنه تلك النقطة التي تحت الباء، لذا يسميه البابيون بـ (النقطة الأولى). انظر: الحراب في صدر البهاء والباب، ص 238 .
([44] )  - انظر في معنى كلمة الناطق في كتاب: أساس التأويل، ص 40 ، 41 ، 51، 52 ، وفضائح الباطنية، ص 44، والنطقاء السبعة عند الاسماعيلية هم: آدم، نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد، - صلوات الله وسلامه عليهم والناطق السابع هو (محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق). قال الداعي الإسماعيلي: إبراهيم الحامدي في كتابه (كنز الولد ص 268-269 ): ( والنطقاء السبعة أولهم آدم، مثله مثل السلالة لأن ابتداءه كان ضعيفا، ونوح مثل النطفة، وإبراهيم مثل العلقة، وموسى مثل المضغة، وعيسى مثل العظام، ومحمد صلى الله عليه وسلم، مثله مثل اللحم، والقائم الناطق السابع - مَثَلُه مثل: ( أنشاناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) (المؤمنون، 14) على إتقان الروحانيين والجسمانيين بأمره ووحيه وكلمته، فدل ذلك على أن الولد التام في الحقيقة هو صاحب القيامة، لأن الله سبحانه قد بين ذلك بقوله ( ثم أنشأناه خلقا آخر ). وقال القاضي النعمان الإسماعيلي المغربي: في كتابه ( أساس التأويل ص 62 ): ( القائم: لا شريعة له بل هو يزيل الشرائع وينسخها بإقامة التأويل المحض) وهذا ما ينادي به كثير من الكتاب العلمانيين المعاصرين، فمصدرهم جميعا واحد، وهو أدبيات الباطنيين.
ويقول الداعي الإسماعيلي أبو يعقوب السجستاني ( في كتابه الكشف ص 65): والناطق: هو صاحب التنزيل والشريعة، والقائم: صاحب التأويل وعلم الباطن ). ويقول :السجستاني في كتابه إثبات النبوات ص 183): ( وإذا ظهر القائم – عليه السلام – وتخلص المؤمنون من الستر والكتمان، وقدروا على كشف مذاهبهم، وجب رفع هذه الشريعة ..؟! ) أليس هذا ما يسعى إليه العَلمانيون ، والحداثيون ..؟
([45] )  - كتاب الرشد والهداية، ص 190. 
([46] )  - الأصول والأحكام، ص 11 ، ضمن خمس رسائل إسماعيلية .  
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: