فرق ومذاهب\العدد الثامن والتسعون - شعبان 1432 هـ
مسيح الهند القادياني الدجال ودعاة مسيحيته في سورية
السبت 2 يوليو 2011

  بقلم العلامة محمد رشيد رضا

( من مجلة المنار - مجلد 31)

( 1 )

إن هؤلاء المسيحيين الإسلاميين قد جمعوا من الهند أموالاً كثيرة بثُّوا بها دعايتهم في البلاد، وقد طبع دعاتهم في سورية رسائل متعددة في الدعوة إلى نِحْلته فانخدع بها شاب دمشقي عنده هوس في الأفكار الدينية بغير علم بأصول الإسلام الصحيحة ولا فروعه، اسمه (منير الحصني) جاء مصر في العام الماضي فتمنينا لو يلقانا لنتكلم معه فلم يكن ذلك. وأخيرًا جاءنا منه رسالة يرد فيها على بعض ما كنا نشرناه في المنار من تفنيد هذه المسيحية وتكذيب دجالها القادياني في حال حياته، وإننا لكثرة الشواغل لم نفرغ للاطِّلاع على شيء من تلك الرسائل التي طبعوها أخيرًا .

وأما هذه الرسالة الخطية فقد كنت أراجع في آخر هذا الشهر (رجب) إِضْبارَة الرسائل المحفوظة للمراجعة فوقعت عيني عليها، وكان تحرير الجزء الخامس من المنار لم يتم فأحببت أن ألخصها وأبين أهم ما فيها من حجج القوم الداحضة. والرد عليها بالبينة الناهضة. يرد هذا الداعية للمسيحية الإسلامية التي يسمونها (الأحمدية) على المنار في ثلاث مسائل:

1-   ما أنذر مسيحهم به صاحب المنار فكان إنذاره كاذبًا.

2-   نسخ مسيحهم لمشروعية الجهاد.

3-   كوْنهم أعداءً للإسلام، كافرين ببعض القطعيات من أصوله، مضللين لأهله.

 1 - إنذار القادياني لصاحب المنار: ذكر الكاتب في مقدمة رسالته أن مسيحهم بلغني دعوته فأنكرتها عليه (بلا دليل بيِّن ولا حجة دامغة) لجهله ما اتفق عليه علماء الشرع والعقل من أن البينة على المدعي، ثم قال: (وقد جئت بأسطري هذه ردًّا على ما يمس الأحمدية التي هي عندي الإسلام الصحيح من تُهَمك المنشورة عنها في المنار، وأملاً أن تذعن للحق ولو على نفسك، كما أنني أفعل ذلك إذا أظهرت لي بعض الخطأ، والله على ما أقول شهيد). ثم قال: (ذكرت في مجلتك كما كتبت إلى أحد قرائها في بيروت ما مفاده بأن أحمد المسيح الموعود عليه السلام كان أنبأ في كتابه -الهدى والتبصرة لمن يرى- بوحي من الله عن موتك في حياته ولكن نبوته لم تصدق إذ مات في حياتك وهذا ما أدرجته في منارك بنصه: (وقد رددنا عليه في حياته بما أظهر بهتانه حتى بنفس مماته فإنه كان رد علينا في كتابه الهدى والتبصرة لمن يرى فزعم أنه قد جاءه الوحي بأن صاحب المنار (سيهزم فلا يرى نبأ من الله الذي يعلم السر وأخفى) يعني أن الله تعالى وعده بأن ينتقم له منه، ولكنه مات ولم تقر عينه بموتنا ولا بمصيبة يفسر بها وحيه الشيطاني). فقبل أن أبين لك خطأك الفادح في فهم هذا النبأ الذي تم صدقه بكل وضوح أقول: إن نفس مماته عليه السلام كان دليلاً على صدقه لا على بهتانه، كما تزعم؛ لأن الله أخبره عن عمره قبل وفاته بثلاثين سنة بقوله: (ثمانين حولاً أو قريبًا من ذلك) وقد توفي عن 75 سنة توالى عليه الوحي في السنوات الأخيرة منها بشأن الوفاة إذ أخبره الله في ديسمبر سنة 1905 بقوله: (قرب أجلك القدر) وقال له في 7 نوفمبر سنة 1907: (موت قريب هي) أي أن الموت قريب. وكذلك أوحى إليه بهذا المعنى مرتين في 7 مارس سنة 1908 و3 نيسان سنة 1908 ونُشرت هذه الأنباء في حينها في الجرائد والمجلات وأن وفاته عليه السلام في مايو سنة 1908 طبق الأنباء المذكورة بدليل ساطع على صدقه. بعد هذا حصر الرد على عبارتي في الشق الأول مما فسرت به إنذار مسيحه وهو موتي، وترك الشق الثاني وهو وقوع مصيبة بي يفسر بها وحيه الشيطاني، وقد أطال في تخطئتي واستطال في التثريب عليَّ والتأنيب لي والتحقير والتهديد بما يدل على هوسه العقلي في هذا الدجل الشيطاني.

فأقول: زعم القادياني أن الله أخبره بعمره! أقول في تفنيد هذا الهوس:

أولاً: مَن كان واسع الاطلاع على التواريخ أو الاختبار لأحوال الأمم وأخبار الدجالين فيها يعلم أن الأغرار ينخدعون بأمثال هذه الأخبار التي يسميها الجاهلون كشفًا وكرامات، أو وحيًا ونبوات، وإن كان مثلها معتادًا، والصادق منها كثير الوقوع من غير مَن يعتقدون هذا الاعتقاد فيهم، ولكن أغرار العوام قلما يميزون بين الصادق والكاذب، فهذا الذي ذكره الحصني من وحي مسيحهم القادياني أدل على كذبه منه على صدقه. فهو يقول: إن الله تعالى أخبر مسيحهم عن عمره بقوله: (ثمانين حولاً أو قريبًا من ذلك) أي هذا نص الوحي الذي خاطبه الله به، ووجه الدلالة هذا القول على كذبه في دعوى أنه وحي: تردده في تحديد العمر، فلو كان هذا خبرًا من الله تعالى -وهو علام الغيوب- لكان جزمًا بالتحديد، وتعيينًا لعدد الخمسة والسبعين، وقد يزاد على هذا أن عدد 75 لا يعد قريبًا من عدد الثمانين في مثل هذا المقام؛ لأن الخطأ في العدد التقريبي هو ما كان في كسر السنة لا في عدة سنين. ثم ما فائدة هذا الوحي المتتابع من أواخر سنة 1905 إلى ما يقرب من نصف سنة 1908 وهي بعد استكماله لسن السبعين بتلك العبارات السخيفة ؟ وما الدليل على أن تلك الخواطر وحي من الله تعالى بتلك الألفاظ العامية ؟ ولماذا جاءه الوحي بتاريخ مسيح اليهود والنصارى، ولم يجئه بتاريخ الهجرة المحمدية أو بتاريخ مسيحيته هو ؟! ومن المعلوم أن مسألة قرب الأجل مما يكثر خطره في أذهان أكثر الناس في هذه السن ويكثر تعبيرهم عنه،  وقد اشتهر عن كثير من الناس ذكر قرب آجالهم في حال الصحة وذكر مواضع موتهم، ووقوع الحوادث على وفق الخواطر في هذه المسألة كثير.

ثانيًا: إن إنذاره لي كان كإنذاره لأناس غيري في إبهامه واحتماله للتأويل وكذلك دأب الدجالين في نُذُرهم وما يدعونه من الإنباء بالغيب، فإن اتفق صدقه هللوا وكبروا، أو طبلوا وزمروا، وزعموا أنه يدل على صدقهم فيما زعموا، وإن لم يتفق صدقه -كما هو- التمسوا له تأويلاً ولو سلبيًّا كما فعل الحصني في رسالته هذه. ادعى أنني جزمت بأن إنذار مسيحه لي نص بأنني أموت قبله وأطال في ذلك بما أشرت إليه آنفًا، وهذا كذب صريح وبهتان جلي عليّ  فإنني إنما فسرته أنا بأنه يعني به انتقام الله تعالى له مني، وأنني لو متُّ قبله لفسر هذا الانتقام بموتي، وكذلك لو أصابتني مصيبة لفسره بها أيضًا. فهذا الحصر الذي حمل عليه الحصني كلامي إما أن يكون عن جهل منه بمدلول الألفاظ العربية وحينئذ لا يكون أهلاً للمناظرة في شيء قط؛ لأنه لا يفهم ما يكتب وما يقال، وإما أن يكون تحريفًا متعمدًا؛ فيكون منافقًا في مسيحيته الأحمدية هذه، ولا يغنيه إزراؤه بنا في رسالته وتحدينا بنقل ألفاظ الوحي المنزلة بأننا نموت قبله وتوبيخنا عليها، ولولا أن نقلها سفه وإضاعة لوقتنا ووقت القراء لنقلناها لإضحاك الناس على كاتبها! وإنما نذكر منها ما يتعلق بالاحتجاج.

ثالثًا: قال: إن مسيحه الدجال صرح في جريدته (الحكم): (أنه ليس بضروري أن يموت أعداء الأنبياء في حياتهم) واستثنى المباهل ثم قال مكررًا للكلام: (وهذا وإن كل مَن دعا عليه المسيح الموعود وأخبره الله عن استجابته ذلك الدعاء بالوحي وكذلك مَن باهله على شرط أن يموت الكاذب في حياة الصادق أهلكه الله في حياته مثل ألكسندر دوتي من أهالي أمريكا[1] وفريق من النصارى في الهند ) وذكر أسماءً أخرى. ثم توعدني بآيات القرآن، فيمن يمدهم الله في طغيانهم يعمهون ويملي لهم ليزدادوا إثمًا.. إلخ. وهذا عين ما قلته في ضلالهم وإضلالهم وهو أن من يموت من المكذبين له أو تصيبه مصيبة يقولون: إنه مات معجزة له، وتصديقًا للوحي الذي زعمه، ومن يبقى حيًّا يقولون إنه ما دعا عليه، وإنه ما عاش إلا ليزداد طغيانًا وإثمًا، ونحمد الله أنه تعالى أحيانا حياة طيبة نقيم دينه بالقول والعمل، وندافع عنه بالحجة، لا ندَع ملحدًا ولا داعية كفر وضلالة، ولا أصحاب بدعة ولا أولي منكر إلا ونرد عليهم، ونفسر كتابه العزيز بما فضله العلماء المستقلون على جميع تفاسير الأمة، لا كتحريف  القادياني وأتباعه له بما يتبرأ منه الدين واللغة كزعمه أن البشارة به من معاني البسملة. زَعْم الحصني صدق مسيحه فيما أوعدنا به: ثم إنه رد عليَّ بما زعمه أن ما قاله مسيحه فيَّ قد صدق ووقع وهو الهزيمة من مناظرته قال: (وفهمك منه أنه أراد موتك في حياته فإن هذه الجملة لا تدل على ما ذهبت إليه بتاتًا، وليس فيها سوى ذكر الهزيمة، والهزيمة هي الفرار إبقاءً على الحياة، فكيف يسوغ لك أن تفهم منها الموت، نعم إن النبأ واضح على فرارك من الميدان الذي دعاك إلى المبارزة فيه بصورة لا ترى فيه أبدًا، وأن ما دعاك إليه هو كتابة
كتاب مثل كتابه الذي تحداك به وجعله معيارًا لصدقه كما قال في ص 20 ما نصه: ووقفت لتأليف ذلك الكتاب، فسأرسله إليه بعد الطبع وتكميل الأبواب، فإن أتى بالجواب الحسن وأحسن الرد عليه فأحرق كتبي وأقبّل قدميه، وأعلق بذيله، وأكيل للناس بكيله، وها أنا أقسم برب البرية، وأؤكد العهد بهذه الآلية) اهـ.

أقول: أولاً: بوجه الإجمال إن المسيح الدجال القادياني قد كذب وأخلف وعده بإرسال الكتاب المذكور فليس لي علم بهذا الكتاب، وكذب الحصني في زعمه أنه دعاني للمبارزة في هذا الميدان ففررت منه بصورة لا أرى فيها أبدًا. فأنا ظللت أرد عليه حتى هلك، وإنما ميداني الواسع هو المنار، ولا أزال أجول فيه وأصول، بسيف الله المسلول، وسُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم على أنني ظهرت ورئيت بفضل الله في ميادين أخرى لسانية لا كتابية كثيرة، منها ميدان بلاده الهندية، فقد زرت الهند ولقيت حفاوة وحفلات عظيمة بيَّنت دجل القادياني وكذبه على الله في بعضها كما سأبينه بعد.

(2)

إن جمعية ندوة العلماء قد دعتني في سنة 1330هـ (1912م) إلى الهند لأتولى الرياسة والصدارة لمؤتمرها الإسلامي الذي تريد عقده في مدرستها الجديدة التي أنشأتها في مدينة (لكهنؤ) فأجبت الدعوة، وحقق الله تعالى بي رجاء الجمعية في إقبال مسلمي الهند عليها، فلم تر مثال إقبالهم في تلك السنة. وكان من جملة الوفود الذين حضروا من أقطار الهند للسلام عليَّ وفد قاديان من أتباع غلام أحمد منتحل المسيحية في الإسلام، وقد دعوني إلى زيارة بلدهم فلم أجبهم؛ لأنهم يستغلون هذهالزيارة فيوهمون المسلمين أن ضيف الهند الذي احتفلت به وأكرمت مثواه يحترم هذه الطائفة الضالة المضلة، ويحترم دعيَّها المسيح الكذاب، وقد بلغني أن رئيس جمعية الندوة شمس العلماء الشيخ شبلي النعماني رحمه الله تعالى قد منع الوفد من البحث في بدعتهم معي في دار ضيافة الندوة، فلما أردت السفر وخرجت الجموع إلى محطة السكة الحديدية لتوديعي خرج معهم الوفد القادياني ولم يملك رئيسه نفسه أن جهر بدعاية مسيحيتهم في المحطة - ومَن يدري ماذا كان يقول لو سكت عنه أو تكلمت بما لم يسمعه غير وفدهم ومن يقرب مني وأكثرهم لا يفهمون العربية - فوقفت في نافذة القطار ورددت عليهم بصوت جهوري يسمعه الجم الغفير مفندًا نِحلتهم، دامغًا بدعتهم، وما أذكره من ذلك أن مسيحه يزعم أن الحرب قد بطلت من الأرض بظهوره ونسخت فرضية القتال الذي فرضه الله على المسلمين فلم يبق من حاجة إلى الجهاد، وقد كذبه الله تعالى بعدوان دول إيطالية هنالك على طرابلس الغرب وبرقة وقتالها للمسلمين هنالك بغيًا وعدوانًا، ومن المجمع عليه عند المسلمين أن الكفار إذا اعتدوا على بلاد المسلمين يكون القتال لدفعهم عنها فرضًا عينيًّا على كل مَن قدر عليه. ومسألة الجهاد هذه كمسألة ادعاء النبوة قد خالف فيها المسيحيون القاديانيون إجماع المسلمين فيما هو قطعي معلوم من دين الإسلام بالضرورة، فخرجوا بذلك من الملة الإسلامية، وقد بيَّنا من قبل ضلالهم فيها، وإبطال تأويلهم لها، ولما رددت على مسيحهم في زمنه أجاب عنها في الكتاب الذي ألفه في الرد والانتقام مني، وفي كتب أخرى من كتبه المضحكة المبكية، وقد نقل الحصني الدمشقي بعض كلامه مترجمًا عن كتاب له بغير

العربية، وسأبين ذلك في النبذة التالية بما يدل على جهل مسيحهم وجهلهم، ومما قاله داعيتهم  في محطة لكهنؤ: إن المسيح عيسى ابن مريم قد توفاه الله، وثبت وجود قبره في كشمير، فوجب أن يكون المسيح الذي ينزل في آخر الزمان غيره. فاكتفيت من الرد عليه في ذلك  الوقت القصير بأن قولهم هذا لا يقتضي أن يكون ميرزا غلام أحمد القادياني هو المسيح الموعود به. والمراد من ذكر هذه المسألة أن ما زعمه الحصني من صدق قول مسيحهم عني (سيهزم فلا يرى) كذب فإنني ظهرت عليه في تفنيد دجله في عصره، وظهرت على خلفائه من بعده حتى في بلاده ، ولا أزال ظاهرًا مبطلاً لدعوتهم، هادمًا لضلالتهم، ولله الحمد والمنة.


(3)

2 - نسخه للجهاد خدمة للإنكليز: لقد كان رد المنار على هذيان القادياني الدجال كشهاب ثاقب أتبعه، فخلب عقله وخبله ، وأبكاه وململه، وكان نورًا مضيئًا لعلماء الهند وأصحاب الصحف المنشرة، فبادروا إلى نشره بالنص وبالترجمة، فبعثه ذلك على الرد عليه بكتابه الذي سماه (الهدى والتبصر لمن يرى) فتخبط فيه تخبط المصروع، وتململ تململ الملسوع، وجاء بما لا يسمن ولا يغني من جوع، بل يظل المتغذي به في جوع ويقوع وهقوع، تارة يمدح وأخرى يذم، وطورًا يفترض ويظن وآنًا يجزم، وإن من المرعى ما يقتل حبطًا أو يلم، فلفق وحيه الشيطاني في الرد عليّ، وأمواج الشكوك تتقاذفه في سبب ردي عليه، وإني أبدأ الكلام في مسألة الجهاد، بعبارته في سياق هذا التردد والترداد، وهذا نصه: (ثم مع ذلك تناجيني نفسي في بعض الأوقات أن من الممكن أن يكون مدير المنار بريئًا من هذه الإلزامات، ويمكن أنه ما عمد إلى الاحتقار والنطح كالعجماوات، بل أراد أن يعصم كلام الله من صغار المضاهات[2] وإنما الأعمال بالنيات. فإن كان هذا هو الحق فلا شك أنه ادَّخر لنفسه بهذه المقالات كثيرًا من الدرجات؛ فإن حب كلام الله يُدخل في الجنة ويكون عاصمًا كالجنة، وأي ذنب على الذي سبني لحماية الفرقان، لا للاحتقار وكسر الشبان، ونحا به منحى نصرة الدين، لا لظى التحقير والتوهين. وهل هو في ذلك إلا بمنزلة حماة الإسلام، والداعين إلى عزة كلام الله العلام ، الذي هو ملك الكلام ، والله يعلم السر وما أخفى ، ولكل امرئ ما نوى). اهـ.

ثم عقد في الكتاب فصلاً في ذم علماء زمانه؛ لأنهم لم يؤمنوا بأنه المهدي والمسيح المنتظر قال فيه ما نصه: ( وقد أمروا أن يتبعوا الحكم الذي هو نازل من السماء، ولا يتصدوا له بالمراء، فما أطاعوا أمر الله الودود، بل إذا ظهر فيهم المسيح الموعود، فكفروا به كأنهم اليهود. وقد نزل ذلك الموعود عند طوفان الصليب، وعند تقليب الإسلام كل التقليب، فهل اتبع العلماء هذا المسيح ؟ كلا، بل أكفروه وأظهروا الكفر القبيح، وأصروا على الأباطيل وخدموا القسوس، فأخذهم القسوس وشجوا الرؤوس وأذاقوهم ما يذيقون المحبوس، فرأوا اليوم المنحوس. سيقول السفهاء: إن الدولة البريطانية أعانت القسيسين ونصرتهم بحيل تشابه الجبل الركين، لينصروا المسلمين، فما جريمة العالمين ؟ والأمر ليس كذلك، والعلماء ليسوا بمعذورين، فإن الدولة ما نصر القسوس بأموالها، ولا بجنود مقاتلين وما أعطتهم حرية أزيد منكم ليرتاب من كان من المرتابين، بل أشاعت قانونًا سواء بيننا وبينهم، ولها حق عليكم لو كنتم شاكرين. أتريدون أن تسيئوا إلى قوم هم أحسنوا إليكم، والله لا يحب الكافرين الغامطين، ومن إحسانهم أنكم تعيشون بالأمن والأمان، وقد كنتم تخطفون من قبل هذه الدولة في هذه البلدان. وأما اليوم فلا يؤذيكم ذباب ولا بقة ولا أحد من الجيران، وإن ليلكم أقرب إلى الأمن من نهار قوم خلت قبل هذا الزمان، ومن الدولة حفظة عليكم لتعصموا من اللصوص وأهل العدوان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. إنا رأينا من قبلها زمانًا موجعًا من دونه الحطمة، واليوم بجنتها عرضت علينا الجنة نقطف من ثمارها، ونأوي إلى أشجارها، ولذلك قلت غير مرة: إن الجهاد ورفع السيف عليهم ذنب عظيم، وكيف يؤذي المحسن مَن هو كريم، ومَن آذى محسنه فهو لئيم).

( 4 )

نقلنا في النبذة الثالثة من هذا الرد بعض نصوص القادياني في مسألة نسخ الجهاد وما فيها من إطراء الإنكليز بالمدح والحكم بوجوب شكرهم على المسلمين، وتحريم جهادهم من كتابه (الهدى والتبصرة لمن يرى) الذي ألفه للرد على صاحب المنار.

وقد أيد هذا في مواضع أخرى من كتبه محتجًّا بأن الجهاد انقطع بطبعه بظهور المسيح؛ إذ زالت به غربة الإسلام وضعفه وانتصر أهله على النصارى المعبر عنهم عنده بيأجوج  ومأجوج، وحصل كل ما ورد أنه يحصل بظهور المهدي والمسيح من عزة الإسلام، والقضاء على أعدائه الكافرين. ومن ذلك ما فصله في أواخر خطبة له سماها (خطبة إلهامية) وزعم أنها من معجزاته، فإنه بعد أن زعم أن الذلة التي أصابت الملة الإسلامية في عصره ما أصابتها من قبل ولن تصيبها إلى يوم الدين قال: (فعند ذلك تنزل النصرة من السماء، ومعالم العزة من حضرة الكبرياء، من غير سيف ولا سنان ولا محاربين[3] وإليه إشارة في قوله تعالى: { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً } (الكهف: 99) وهو مراد من بعث المسيح الموعود يا معشر العاقلين[4] وفي لفظ النزول الذي جاء في الأحاديث إيماء إلى أن الأمر والنصر ينزل كله من السماء في أيام المسيح من غير توسل أيدي الإنسان ومن غير جهاد المجاهدين .. إلخ. اهـ بحروفه.

وكنت أريد أن أبحث في كتبه على نصوص أخرى في هذا الموضوع فراجعت بعض ما عندي منها على كثرة شواغلي في هذه السنة فشغلني عن مسألة الجهاد ما رأيته فيها من الجهالات السخيفة في الاستدلال على كونه هو المهدي المنتظر والمسيح الموعود به، وغرائب تحريفه لآيات القرآن والأحاديث الواردة في هذه المسألة. ومنها ما كنت رأيته ونسيت تفصيله  ومنها ما لم أكن قرأته، فإن ذا المعرفة الفنية والملكة الذوقية في اللغة العربية يمل ويسأم وتفنى نفسه من أسجاعه المتكلَّفة التي حاول بها محاكاة فواصل القرآن، على ما فيها من الأغلاط النحوية والصرفية، دعْ قواعد المعاني والبيان. وهو لعراقته في الجهل باللغة لا يستحيي من الاستدلال على مسيحيته بسورة الفاتحة وبسورة العصر، وبآيات كثيرة من القرآن، ليس فيها أدنى إشارة إلى هذا الشأن، كما رأى القارئ فيما نقلناه آنفًا من خطبته  الإلهامية وحواشيها الجهلية ! وكذلك يحمل على شخصه جميع الأحاديث الواردة بشأن عيسى عليه السلام ومن أغربها قوله في حاشية ص 91 من التبصرة: (أول بلدة بايعني الناس فيها اسمها لدهيانة، وهي أول أرض قامت الأشرار فيها للإهانة، فلما كانت بيعت (كذا) المخلصين، حربة لقتل الدجال اللعين، بإشاعات الحق المبين. أشير في الحديث أن المسيح يقتل الدجال على باب اللُّدّ بالضربة الواحدة - فاللد ملخص من لفظ لدهيانة - كما لا يخفى على ذوي الفطنة) ! اهـ بحروفه. ومعلوم أن (اللد) اسم مدينة في فلسطين. فزعم هو أن المراد بها بلدة لدهيانة في الهند وأن معنى لفظ الدجال مخالفة أعدائه. وأن الحربة مبايعة المغرورين به له. وكان أتباعه يقبلون مثل هذا منه لجهلهم باللغة العربية وأما الآن فقد صار لهم جمعية غنية يعتصمون بها لمنافعها. وقد ظهر لمتقني هذه اللغة بعده مقدار جهله وسخفه وهوسه العقلي في دعواه فمنهم من ترك ضلالته، ومنهم من اعتدلوا في دعاويهم فيه. وإنما يصر عليها الجاهلون، ويؤْثِر الانتفاع الطامعون الجشعون. ولله في خلقه شؤون.

 



[1] - هذا الرجل كان دجالاً في النصارى كدجل غلام أحمد القادياني في المسلمين .

[2] - وأظن أنه استشاط من منع الجهاد ووضع الحرب والسيوف الحِدَاد، وأن الوقت وقت إراءة الآيات لا زمان سلال مرهفات، ولا سيف إلا سيف الحجج والبينات، فلا شك أن الحرب لإعلاء الدين في هذه الأوقات من أشنع الجهالات، ولا إكراه في الدين؛ كما لا يخفى على ذوي الحصاة - منه.

[3] - إن عيسى ابن مريم ما قاتل وما أمر بالقتال، فكذلك المسيح الموعود فإنه على نموذجه من الله ذي الجلال، والسر فيه أن الله أراد أن يرسل خاتم خلفاء بني إسرائيل وخاتم خلفاء الإسلام، من غير السنان والحسام؛ ليزيل شبهات نشأت من قبل في طبائع العوام، وليعلم الناس أن إشاعة الدين بأمر من الله لا بضرب الأعناق وقتل الأقوام، ثم لما كان اليهود في وقت عيسى والمسلمون في وقت المسيح الموعود، قد خرج أكثرهم من التقوى وعصوا أحكام الرب الودود، فكان بعيدًا عن الحكمة الإلهية أن يقتل الكافرين لهذه الفاسقين، فتدبر حق التدبر ولا تكن من الغافلين. اهـ بنصه وإملائه السخيفين وهو يزعم أنه وحي من الله .

[4] - وكذلك أشير إلى المسيح الموعود في الكتاب الكريم أعني في سورة التحريم وهو قوله تعالى: ( وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ) (التحريم: 12) ولا شك أن المراد من الروح ههنا عيسى ابن مريم فحاصل الآية أن الله وعد أنه يجعل أخشى الناس من هذه الأمة مسيح ابن مريم وينفخ فيه روحه بطريق البروز فهذه وعد من الله في صورة المثل لأتقى الناس من المسلمين فانظر كيف سمى الله بعض أفراد هذه الأمة عيسى ابن مريم ولا تكن من الجاهلين. اهـ بحروفه وإملائه الكثيري الأغلاط أيضًا .

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: