فرق ومذاهب\العدد التاسع والتسعون - رمضان 1432 هـ
قراءة في الجذور التاريخية للفكر النسوي عالمياً وعربياً
الأحد 31 يوليو 2011

 فاطمة عبد الرؤوف

خاص بالراصد

بين الظلم والانحراف نشأ الفكر النسوي في الغرب، ففي بيئة انقطعت عن هدي السماء وفي ظل ظروف مأساوية نكدة تحالف رجال الكهنوت مع السلطة الإقطاعية المستبدة فعمّ الظلم والفساد جميع طبقات المجتمع، ومع حالة الحراك الثوري التي بدأت تضرب المجتمع الغربي الذي تعطنت جذوره بدأت مرحلة جديدة في تاريخ المجتمعات الغربية اتسمت بالشك في كل شيء والكفر بالمطلقات، والثورة على كل القيم القديمة بدءا من الثورة على الإقطاع.. للثورة على رجال الدين - الذين قتلوا العلماء وباعوا صكوك الغفران ووزعوا أراضي الجنة وفقا لأهوائهم المريضة التي حرفت الكتاب المقدس من قبل، هؤلاء الذين رسخوا مفهوم أن المرأة هي أصل الخطيئة ثم أخذوا يبحثون في مؤتمراتهم العقيمة هل لها (المرأة) روح أم لا؟ - .. للثورة على العائلة والأسرة التي تم اعتبارها النواة الأولى التي شكلت المجتمع الإقطاعي الظالم المتوحش.. حدث هذا كله بصخب شديد وفلسفات كثيرة متصارعة وجدل متصاعد ومناخ من الحيرة الشديدة، في هذه الأجواء نشأت الحركة النسوية كظاهرة اجتماعية مرتبطة بنمو المرحلة الرأسمالية عقب النهضة فى البلدان الأوربية، ومن المعروف أن تلك المرحلة الرأسمالية ارتبطت بما يطلق عليه الثورة الصناعية حيث الحاجة الماسة للأيدي العاملة الكثيفة ومن ثم جذبت العلاقات الرأسمالية الجديدة المرأة في المدينة إلى صفوفها بفتحها الأبواب أمام المرأة للعمل.

تم اجتذاب النساء لآلة العمل الجبارة الطاحنة في ظل ظروف مأساوية، كانت تحصل فيها المرأة على نصف ما يتقاضاه الرجل على العمل ذاته بمعدل ساعات عمل يصل لنحو 17 ساعة، وفي ظروف عمل خطرة بالإضافة لتحملها كافة أعباء العائلة وفقا لمنظومة القيم الإقطاعية القديمة التي استمرت فترة ليست بالقصيرة.

ويمكن التأريخ بمنتصف القرن التاسع عشر وتحديدا فى عام 1857 لتحديد بداية الحركة النسوية، حيث أضربت عاملات مصنع النسيج في نيويورك مطالبات برفع الأجور، وتضامن معهن العمال والعاملات في المصانع الأخرى، لكن الإضراب قوبل بالرصاص وإسالة الدماء !!

ولأن طبيعة العصر الاجتماعية والاقتصادية كانت تحمل بشائر التغيير فقد تصاعدت وتيرة محاولات المرأة من أجل المساواة، حيث بدأت النساء في الغرب بتأسيس الجمعيات والنقابات وإصدار المجلات النسائية المعبرة عن طموحات المرأة في المساواة مع الرجل في الأجر، وعرفت أول حركة للمنظمات النسائية باسم FEMINISM أو الحركة النسوية.

قامت النساء في الغرب بتأسيس منظمات خاصة بهن الواحدة تلو الأخرى وانتقلت قائمة المطالب من الاقتصادية المتمثلة في أجور مساوية للرجل وظروف عمل أكثر عدالة إلى مطالب أخرى سياسية وحياتية، فحصلت المرأة في بلدان كثيرة على بعض الحقوق في المجالات المختلفة كالتعليم والعمل والكثير من المجالات كحق التنظيم والنشر.

وفي عام 1888 تأسست جمعية نساء الولايات المتحدة الأمريكية، وفيما بعد تأسست جمعية نساء العالم بمبادرة من نساء أمريكا، وفي عام 1904 تأسس الإتحاد النسائي العالمي من أجل النضال في سبيل المساواة السياسية وكذلك تأسس الاتحاد النسائي البريطاني.

وفي ألمانيا لعبت جريدة المساواة (كلايشهايت) لسان حال النساء الاشتراكيات، والتي كانت محررتها كلارازتكين، دورا كبيرا في الدعوة من أجل المساواة والدفاع عن حقوق المرأة، وفي المؤتمر الأول للاشتراكية الدولية في شتوتغارت في ألمانيا عام 1907، قدم اقتراح باعتبار يوم الثامن من مارس يوما عالميا للمرأة، وفعلا تمّ في المؤتمر الثاني للاشتراكية الدولية في كوبنهاجن 1910 إقرار الاقتراح المقدم من قبل كلارازتكين واعتبر يوم 8 مارس يوما عالميا للتضامن مع النساء في نضالهن من أجل المساواة في الحقوق وكان ذلك نقطة انطلاق في الحركة النسائية التضامنية .

وفي عام 1909 احتفلت نساء أمريكا لأول مرة بيوم الثامن من آذار يوم التضامن العالمي. وفي مارس 1917 احتفلت نساء كل من النمسا وهولندا والولايات المتحدة وروسيا وألمانيا وهنغاريا وسويسرا بالثامن من مارس.

وفي روسيا 1917 تظاهرت نساء بتروغراد ضد الحرب ونظام الجوع والإفقار والاستبداد ملتحمة مع جماهير المدن.

وفي العام 1917 حدثت تغيرات فيما يتعلق بقضية المرأة إذ حصلت المرأة في ست دول على حق الانتخاب (النمسا، نيوزلندا، النرويج، الدنمارك، فنلندا، أيسلندا) وبعدها بأربع سنوات بلغ العدد 17 بلدا، وفي عام 1970 بلغ العدد 121 بلدا([1])، واستمر العدد في التصاعد ولكن مع ذلك بقيت نسبة النساء في البرلمان أقل من نسبة الرجال بأضعاف مضاعفة، وهذا يؤكد أن الاهتمام الاجتماعي يسبق الاهتمام السياسي في أولويات المرأة عموما حتى في الغرب.

مساواة مطلقة

تقوم الفلسفة النسوية أساسا على فكرة المساواة المطلقة دون وضع أي اعتبار لأية فروق جسدية كانت أو نفسية أو اجتماعية، ولا يوجد دليل علمي يساوي بين المختلفين بصورة مطلقة ولكن من قال أن الفلسفة النسوية تقوم على أي مبادىء عقلية أو علمية يمكن الاقتناع بها! إنها ردة فعل عنيفة على ظلم وتهميش النساء في فترات تاريخية معينة وفي بيئات جغرافية محددة.

 يعرف معجم أوكسفورد النسوية بأنها: "الاعتراف بأن للمرأة حقوقاً وفرصاً مساوية للرجل"، وذلك في مختلف مستويات الحياة العلمية والعملية على اعتبار اقصاء المرأة منها.

أمّا معجم ويبستر فيعرف النسوية على أنها: "النظرية التي تنادي بمساواة الجنسين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وتسعى كحركة سياسية إلى تحقيق حقوق المرأة واهتماماتها وإلى إزالة التمييز الجنسي الذي تعاني منه المرأة".

المساواة والحرية إذن هما ركيزتان أساسيتان في نشأة وتطور الفكر النسوي.. المساواة المطلقة بالرجل دون أي ضوابط وبِحرية مطلقة كذلك، لاشك أن المصطلحين شديدا الجاذبية لاسيما أنهما استخدما في أهم ثورتين قامتا في العالم الغربي.. الثورة الأمريكية 1779 م والثورة الفرنسية 1789 م، واستطاعت الحركة النسوية أن تضمن فكرة المساواة المطلقة في مبادئ الأمم المتحدة عندما نشأت عام 1945م، حيث ضمنت في وثيقتها رفض التمييز على أساس الجنس وتحقيق المساواة التماثلية.

كما صيغت الصكوك والاتفاقات الدولية على أساس هذه المبادئ، وأهم وثيقتين في هذا الصدد هما:

أ - الإعلان العالمي لحقوق الإنسان(1948م)، وهو ينص على وجوب الالتزام بهذه المبادئ، ويؤكد على عدم التمييز على أساس الجنس وعلى تحقيق المساواة التماثلية بين الرجل والمرأة وعلى حرية الزواج خاصة في المادة السابعة والمادة السادسة عشرة.

ب ـ أما الوثيقة الثانية فهي اتفاقية (سيداو (cedaw أو (اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة) عام 1979م، وهي اتفاقية مكونة من 30 مادة، وموادها الست عشرة الأولى تؤكد على عدم التمييز وتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة([2]).

نستطيع القول إذن أن الحركة النسوية الغربية مرت بعدة مراحل تاريخية، حيث بدأت بداية بسيطة كحركة احتجاجية على الظلم الاقتصادي الذي تعيشه النساء العاملات في الغرب، ومن ثم توسعت لنيل الحقوق السياسية خاصة الحق في الاقتراع وذلك لتعزيز الحقوق الاقتصادية، انتهاء بالمطالبة بالمساواة المطلقة بلا أي ضوابط، تلك التي تنتهي بإلغاء الذكورة والأنوثة حتى تتحقق تلك المساواة بإعلان الجندر (النوع الإنساني الجديد الذي لا يعترف بالذكورة والأنوثة).

النسوية والعرب

إذا كانت هذه هي الجذور التاريخية لنشأة النسوية في بلاد الغرب فلا شك أن القصة تختلف كثيرا عنها في بلادنا لعدد من الاعتبارات:

ـ نشأت النسوية في الغرب من قاع المجتمع أي من النساء العاملات المطحونات اللاتي يطالبن بحقوقهن العادلة، بينما تزعمت الحركة النسوية في بلادنا سيدات المجتمع الراقي كهدى شعراوي والأميرة نازلي فاضل ومن ثم كانت حركة نخبوية من أعلى السلم الاجتماعي.

ـ أنه وعلى الرغم من تعرض المرأة العربية المسلمة لعدد من المظالم الاجتماعية - التي كان السبب الرئيسي فيها البعد عن التمسك بالفهم الصحيح لتعاليم الدين وشيوع التقاليد المنافية له - فإن المرأة كانت بوجه عام مصانة غير ممتهنة، لا تجبر على العمل فهي في كنف أب أو زوج أو أخ، وكانت تعيش وفقا لنفس الظروف الاقتصادية التي يعيشها الرجل في أسرتها حيث كانت تعاني معظم الأسر من حالة الفقر الشديد.

ـ الدعوة لتعليم البنات لم تكن ناتجة عن الفكر النسوي، فمحمد علي باشا أنشأ أول مدرسة للفتيات عام 1832م وكان ذلك جزءاً من خطة شاملة للنهضة وليس نتيجة جهد النسويات.. والحقيقة أن تعليم الفتيات لم ينقطع في عصر من العصور الإسلامية حتى في أضعف العصور ولكنه لم يكن تعليما في مدارس نظامية.

ففي العصر المملوكي الذي تم تشويهه إلى أقصى درجات التشويه باعتباره عصر انحطاط النساء كان هناك الكثير من العالمات والمتعلمات، أذكر منهن عائشة الباعونية المتوفاة 922 هـ والتي كانت عالمة بالفقه والنحو والعروض، وكانت تعد من الخطاطات المبدعات فقد كتبت بخطها مؤلفاتها، ومنها: "البديعية" و"الملامح الشريفة في الآثار اللطيفة"، "فيض الفضل" وهو محفوظ في دار الكتب المصرية، ودرست عائشة الفقه والنحو والعروض على جملة من مشايخ عصرها مثل جمال الدين إسماعيل الحوراني، والعلامة محيي الدين الأرموي، كما درس على عائشة جملة من العلماء الأعلام، وانتفع بعلمها خلق كثير من طلبة العلم.

كانت عائشة نموذجا للمرأة المملوكية عالمة ومتعلمة ولم تكن حبيسة الدار حتى تخرج منها للقبر، وما عائشة إلا نموذج واحد مسكوت عنه وواجب على الباحثات الإسلاميات إزالة الغبار عن هذه الفترات التاريخية كي نستطيع الرؤية بشفافية وموضوعية.

إذن لم تكن نساؤنا على مثل هذه الصورة البائسة التي دأبت النسويات على دمغ هذه المرحلة بها ولكنه تزوير التاريخ حتى تشعر المرأة العربية بأنها مخلوق ناقص ممتهن حتى أشرق عصر النسويات السعيد!!

بدأت الحركة النسوية في البلاد العربية بداية فكرية من خلال الأطروحات التي قدمها قاسم أمين في كتابيه "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة".. ولقد سبق قاسم أمين، أحمد فارس الشدياق والمحامي النصراني مرقص فهمي، ولكن قاسم أمين نذر نفسه لهذه القضية فحسب كما أحدثت كتبه ضجة ضخمة ولعل كتاب المرأة الجديدة هو الأشد وضوحا في التعبير عن المطالب النسوية فبينما كان يتأرجح في كتابه "تحرير المرأة" الصادر 1899م ويوازن فيه بين التمدن الإسلامي والتمدن الغربي، نراه قد انحاز بشكل واضح لنمط الحياة الغربية في كتابه الثاني "المرأة الجديدة" الصادر 1900م، إلا أن الحركة الفعلية للنسوية نستطيع أن نؤرخ لها بتلك  المظاهرة التي قادتها صفية زغلول في وسط القاهرة وقامت هي ومن معها من النساء برفع الحجاب وإلقائه تحت أقدامهن وإشعال النيران فيه.. حدث ذلك أثناء مظاهرات 1919 م.

وبعد ذلك كانت مسرحية هدى شعراوي في استقبال سعد زغلول سنة 1920 م عندما نزع بيده الحجاب عن وجهها وسط تصفيق الحاضرات، ثم تأسس الاتحاد النسائي المصري في أبريل 1924م بعد عودة مؤسِّسته هدى شعراوي من مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي الذي عقد في روما عام 1922م.. ونادى بجميع المبادئ التي نادي بها من قبل مرقص فهمي المحامي وقاسم أمين.

بعد ذلك تصاعدت حركة النشر في مجال قضية المرأة فصدرت 25 مجلة وصحيفة تملكها وتحررها النساء في كل من القاهرة ودمشق وبيروت وبغداد، كما كانت هناك جمعيات نسائية متعددة، كجمعية الترقية النسائية في مصر، وجمعية يقظة الفتاة العربية في بيروت، وجمعية نهضة الفتاة في طرابلس، وجمعية النهضة النسائية في بغداد. كما عقدت مؤتمرات نسائية لبحث القضايا الوطنية والقومية وقضية المرأة، ففي عام 1922 عقد أول مؤتمر نسائي في بيروت بدعوة من الاتحاد النسائي اللبناني، وعقد المؤتمر النسائي العام في لبنان وسوريا عام 1928. وفي عام 1938 عقد المؤتمر النسائي العربي الأول، وتم عقد مؤتمر الاتحاد النسائي العربي عام 1944م وقد حضرته مندوبات عن البلاد العربية. وقد رحبت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بانعقاد المؤتمر حتى أن زوجة الرئيس الأمريكي روزفلت أبرقت مؤيدة للمؤتمر.

كانت هذه هي الجذور التاريخية المريبة المستنسخة في بلادنا، وما كان أحوجنا لإصلاح حالنا بالالتزام الحقيقي بالمبادىء السامية والتشريعات الربانية المتعلقة بالنساء دون الانحناء لثقل العادات التي ما أنزل الله بها من سلطان ودون استنبات بذور غريبة مشوهة لم تنبت في تربتنا وإجبار النساء بكل السبل الثقافية والتشريعية على اجترار مرارتها وقسوتها قبل أن يفيقوا ويكتشفوا أن الدواء كان مسمما والطبيب كان مخدرا.

 



  - [1] للمزيد طالع الحركة النسوية نشأتها ومؤتمراتها، بحث للدكتورة بثينة آل عبد الغني.

 

  -[2] سنستعرض بنود هذه الوثيقة الخطيرة في مقال آخر إن شاء الله تعالى، فهي أخطر وثيقة لهذا الفكر المنحرف وهي مفروضة على مجتمعاتنا بفعل المواثيق الدولية.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: