فرق ومذاهب\العدد التاسع والتسعون - رمضان 1432 هـ
سلسلة رموز الفكر العلماني المعاصر 15- الطيب تيزيني
الأحد 31 يوليو 2011

 15- الطيب تيزيني

أسامة الهتيمي

خاص بالراصد

 على نهج كبيرهم الدكتور حسن حنفي، سار الكثير من الكتاب والمفكرين العلمانيين العرب الذين ارتأوا التخندق في صف الدفاع عن حرية الشعوب العربية والإسلامية وتحريرها من استبداد الداخل وتبعية الخارج، فربطوا بين حالة التخلف التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية وبين فهمهم الخاص للعقيدة والمبادئ الإسلامية، ومن ثم فإن الانعتاق من هذه الحالة لا يكون إلا بحصر الوظيفية الدينية في جانبها التعبدي التي هي في المحصلة النهائية لدى هؤلاء علاقة خاصة للعبد بربّه ليست من شأن المجتمع ولا دخل له بها.

ومن بين هؤلاء: الكاتب والمفكر السوري الطيب تيزيني الذي تردد اسمه بكثرة في الآونة الأخيرة بالتزامن مع اندلاع الثورة الشعبية في سوريا، حيث تم الترويج له باعتباره أحد المدافعين عن حقوق الإنسان في سوريا فضلاً عن كونه أحد الشخصيات العامة التي شاركت في جلسات ما يسمى بالحوار الوطني السوري، التي رأسها نائب الرئيس فاروق الشرع وهو ما يعد في اعتقادي أمرا مقصودا من النظام السوري الذي يحاول استبعاد الممثلين الحقيقيين للشعب وتصوير أمثال هؤلاء وكأنهم المعبرون عن تطلعات هذه الجماهير بالرغم من أن ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة.

 النشأة والبداية

بحسب المعلومات المتوفرة عن الطيب تيزيني فهو ولد في مدينة حمص بسوريا عام 1934م، وقد تلقى فيها تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي، ليتجه بعد ذلك إلى تركيا الدولة المجاورة ليبدأ مشوار دراسته للفلسفة، ثم انتقل إلى بريطانيا ومنها إلى ألمانيا لينهي دراسته بحصوله على درجة الدكتوراة في الفلسفة عام 1967، ثم حصل على الدكتوراة مرة أخرى في العلوم الفلسفية عام 1973.

عاد تيزيني لسوريا مرة أخرى ليعمل في التدريس بجامعة دمشق وشغل وظيفة أستاذ في الفلسفة حتى الآن.

وبالإضافة إلى كونه فيلسوفا وباحثا فقد كان لتيزيني تجربة حزبية في شبابه لم تستمر طويلا، غير أنه وبحسب تصريحاته أفادته كثيرا في نشاطه السياسي لاحقا خاصة بعد أن نما دوره الحقوقي حيث ساهم منذ عام 2004 في تأسيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان "سواسية"، وشغل منصب عضو مجلس إدارتها وهو ما عرضته للاعتقال السياسي عدة مرات، كان آخرها منذ أسابيع لكن سرعان ما أطلق سراحه.

وتكتسب هذه التجربة الحزبية أهميتها بالنسبة لتيزيني من كونها تجربة يسارية، وهو ما ساهم بشكل كبير في تشكيله وتكوينه الفكري حيث استخدم النظريات الماركسية في تفسير القرآن!! يقول تيزيني عن هذه التجرية في حوار له مع صحيفة الراية القطرية: "في الحقيقة هنالك بعض الجذور التي تشدني إلى السياسة فكراً وممارسة فلقد أسهمت في بعض الأحزاب اليسارية التي نشأت في سوريا لفترة زمنية، كنت بعدها أعود إلى العمل الفكري خصوصاً بصيغة الفكر السياسي، لذلك فالتجارب التي عشتها في أحزاب سياسية معينة كانت تقدم لي تجربة عميقة سعيت وأسعى إلى التنظير لها في إطار الفكر السياسي العربي. وقد تعمق هذا الاتجاه لديّ حين لاحظت ضرورة العودة إلى الفكر السياسي العربي في التاريخ العربي على نحو العموم فكتبت مثلاً بعض كتاباتي التي امتزجت باهتمام عميق بالسياسة وبالفكر السياسي".

 وكالعادة مع أغلب الكتاب العلمانيين كانت أفكار وآراء تيزيني سببا في أن تلتفت إليه المؤسسات الأكاديمية والفلسفية في الغرب، حتى برز من وجهة نظرهم كأحد أهم الفلاسفة العرب إلى درجة أن اختارته مؤسسة Concordia الفلسفية الألمانية - الفرنسية واحداً من مائة فيلسوف في العالم للقرن العشرين عام 1998.

 مؤلفاته وأعماله

ظل الطيب تيزيني طوال فترة دراسته مقلاًّ بشكل ملحوظ في الكتابة والتأليف حتى صدر أول كتاب له باللغة الألمانية عام 1972 بعنوان "تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة"، والذي كان مقتبسا من دراسته لنيل درجة الدكتوراة إلا أن ذلك كان بداية لانطلاق تيزيني وإصداره لكتب ومؤلفات عديدة كان منها:

مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط عام 1971.

حول مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث: الوطن العربي نموذجاً عام 1971.

روجيه غارودي بعد الصمت عام 1973.

من التراث إلى الثورة - حول نظرية مقترحة في التراث العربي عام 1976.

فيما بين الفلسفة والتراث المؤلف نفسه عام 1980.

التفكير الاجتماعي والسياسي: أبحاث في الفكر العربي الحديث والمعاصر عام 1981.

مشروع رؤية جديدة للفكر العربي منذ بداياته حتى المرحلة المعاصرة من 12 جزءا عام 1982.

الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى: مشروع رؤية جديدة للفكر، الجزء الثاني عام 1982.

من يهوه إلى الله (في مجلدين) مشروع رؤية جديدة للفكر العربي الجزء الثالث عام 1985.

دراسات في الفكر الفلسفي في الشرق القديم عام 1988.

ابن رشد وفلسفته مع نصوص المناظرة بين محمد عبده وفرح أنطون / تأليف فرح أنطون ؛ تقديم طيب تيزيني عام 1988.

في السجال الفكري الراهن: حول بعض قضايا التراث العربي منهجا وتطبيقاً عام 1989.

على طريق الوضوح المنهجي – كتابات في الفلسفة والفكر العربي عام 1989.

فصول في الفكر السياسي العربي عام 1989.

مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر نشأةً وتأسيساً مشروع رؤية جديدة للفكر العربي، الجزء الرابع عام 1994.

من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي – بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية عام 1996.

النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة: مشروع رؤية جديدة للفكر العربي الجزء الخامس عام 1997.

من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني عام 2001.

من اللاّهوت إلى الفلسـفة العربية الوسيطة عام 2005.

بيان في النهضة والتنوير العربي عام 2005.

وصدر له بالاشتراك مع آخرين:

تاريخ الفلسفة القديمة والوسيطة بالاشتراك مع غسان فينانس 1981.

الإسلام ومشكلات العصر الكبرى مع بحث لباحث آخر عام 1998.

الإسلام والعصر: تحديات وآفاق، بالاشتراك مع محمد سعيد رمضان البوطي سلسلة حوارات لقرن جديد، إعداد وتحرير: عبد الواحد علواني عام 1998.

الواقع العربي وتحديات الألفية الثالثة مع آخرين، مراجعة وتقديم ناصيف نصار عام 2001.

آفاق فلسفة عربية معاصرة بالاشتراك مع د. أبي يعرب المرزوقي عام 2001.

 تيزيني والعلمانية

اتخذ تيزيني منهج المكاشفة والوضوح في الإعلان عن موقفه من العلمانية فقد كان منحازا لها انحيازا كاملا بل إنه اعتبرها شرطا أساسيا لتحقيق ما أسماه بالدولة الحديثة والعصرية ووجها أساسيا من وجوه الديمقراطية، بل إنه يرى أن الحركات الإسلامية بما تحمله بالطبع من مشروع كانت السبب وراء الحروب والفتن الطائفية في عالمنا العربي إذ يقول: "لقد تبين أن الرهان على العلمانية كالرهان على الديمقراطية والدولة المدنية، فهذه جميعاً تهاوت في بعض البلدان العربية وبلدان العالم الثالث تحت قبضة الحركات الدينية والحروب والفتن الطائفية. ولكن إخفاق تجربة الدولة الثيوقراطية (الدينية) في المجتمع العربي المعاصر وما حوله من مجتمعات أخرى، عزز من شأن دعاة العلمانية العرب وجعل هدفهم العلماني يتحول إلى ما يقترب من شعار سياسي جماهيري في ذلك المجتمع.

إن هذا النجاح الجزئي الذي حققته الحركة العلمانية العربية سوف يكون قادراً على أن يتحول إلى نجاح عملاق حين يقترن باتساع آفاق الديمقراطية في الوطن العربي، لأن العلمانية والديمقراطية هما وجهان للدولة الوطنية أو القومية الديمقراطية، وهنا تبرز المواطنة واضحة جلية.

إن جذور العلمانية نجدها في التجربة القرمطية، ولكن يجب أن لا نفهم من ذلك أن شروط ومقتضيات العلمانية في المجتمع العربي المعاصر تستمد مشروعيتها من تلك الجذور. إن مشروعية هذه الفكرة السياسية مستمدة أولاً من البنية المركبة والمعقدة للمجتمع العربي. ويبدو أن العلمانيين العرب ينتمون للمستقبل بقدر ما هو ينتمي إليهم".

وهنا يخلص تيزيني بنتيجة مفادها "لذلك يجب مواجهة نظرية أسلمة المجتمعات عبر البدائل الوطنية الديمقراطية العلمانية" فالعلمانية في نظر تيزيني الحل والبديل.

كما يحاول أن يوهمنا أن الاستناد إلى الأساس الديني أمر يتناقض مع طبيعة الدولة الحديثة فيقول: "إن مطلب الأصولية الدينية الإسلامية والمسيحية وغيرها في التأسيس لدولة دينية إنما هو أمر غير محتمل على الأقل في مبدأ واحد من مبادئ الدولة وهو الفعل السياسي، فالسياسة نظام قائم على مفاهيم ومبادئ نظرية وعملية تتأسس على النظرية النسبية وعلى علاقات الدولة الخصوصية لأن الفكر الديني بأسسه فكر إطلاقي انطلاقاً من القول بأنه خطاب إلهي وليس خطاباً بشرياً".

وهو كما يتضح خلط بيّن فيما بين الفكر الإسلامي وبين الفكر المسيحي، فضلا عن ظلم بيّن لمفهوم العمل السياسي في الإسلام والذي أجمع جل الباحثين على أنه لم يتدخل في تفاصيله وأنه اقتصر على وضع مجموعة من المبادئ والأسس التي تضمن صلاح الرعية.

والحقيقة أن موقف تيزيني مثله مثل غيره من العلمانيين هو موقف من الدين مهما توارى خلف العبارات والصياغات، ففي موضع آخر يقدم تيزيني تفسيرا لتوجه بعض الشباب العربي للتدين وهو التوجه الذي يراه محاولة للهروب من الأزمات والمشكلات التي يواجهها هذا الشباب فيقول: "نلاحظ الملايين من الشباب يعجزون عن تلبية احتياجاتهم اليومية ما يجعلهم يبحثون عن بديل، هذا البديل يتلخص بثلاث رحلات أولها رحلة إلى السماء حيث يجد نفسه أصبح داعية من دعاة السماء بمعنى أن الإسلام هو الذي يقدم الحل".

 موقفه من القرآن

لا يفتأ يردد العلمانيون أن مقولاتهم حول ما يحلو أن يسمونها بالنصوص الدينية – يقصدون القرآن الكريم والحديث النبوي – بأنها أحد أدوات التجديد وأسس إحداث النهضة.

وفي هذا السياق يلحّ العلمانيون على ترديد جواز تغيير معاني ودلالات القرآن الكريم، حيث يدّعون أن معاني ألفاظ القرآن الكريم لا يشترط لفهمها معرفة المعاني والدلالات المعهودة لدى العرب وقت التنزيل وإنما يجب لأهل كل عصر فهم دلالات تلك الألفاظ حسب ما استحدثوه من معانٍ جديدة لهذه الألفاظ.

كما يسعى العلمانيون سعيا حثيثا لتوسيع شقة الخلاف بين العلماء في المحكم والمتشابه، وجعل المقابلة بينهما أساسا لقضية ثنائية جدلية إلى جانب ثنائيات أخرى تمكنهم من الوصول إلى ما سموه اختراق النص وتصييره وخلخلته وتشظيه وانشطاره وتفكيكه وإعادة تركيبه وإنتاجه كما يزعمون. فهم وبحسب عبارة الدكتور أحمد محمد الفاضل: يحلمون بإنهاء وجوده المؤثر من حياة المسلمين والبشرية وإحلال تعاليم المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية الماركسية محله.

وحول موقف تيزيني من القرآن يقول الدكتور الفاضل في كتابه (الاتجاه العلماني المعاصر في علوم القرآن.. دراسة ونقد): "من الأسرار في بروز المحكم والمتشابه كما يرى العلمانيون الجرح والتعديل للنص القرآني!!

يقول طيب تيزيني: "سبب بروز مسألة المحكم والمتشابه يتمثل في أن النص أعلن ذلك صراحة وأقر به على نحو حفز الجميع – بتوجهات وتطلعات أيدلوجية وأدوات معرفية مختلفة – للإبقاء على الأبواب والنوافذ مشرعة أمام حركة متنامية من التمحيص والتقميش والتدقيق والجرح والتعديل للنص القرآني وذلك بهدف تبين ما هو محكم فيه وما هو متشابه ...

ويلاحظ أن مسألة المحكم والمتشابه هذه سوف تمر بتصعيد سياسي أيدلوجي كبير وخطير مع موت النبي وبروز قضية الحكم "الخلافة".

نذكر هنا باجتماع السقيفة مثلا وبما أعقبه من أحداث عاصفة كان كل من وجهوها أو وقفوا وراءها قد امتلكوا مسوغاتهم القرآنية الشرعية".

وبإعلان النص أنه يشتمل على المحكم والمتشابه سوغ الاختراقات وأذن للقراءات المتعددة وهو ما يؤكده تيزيني في موضوع آخر حيث يقول: ".. نعم لقد أشار النص القرآني نفسه إلى أن متنه يقوم على المتشابه والمحكم في آن ومن ثم فهو مارس هنا نشاطا ذهنيا مكثفا تبلور فيما نطلق عليه المصطلح المركب (وعي الوعي) فهو قد وعى بوضوح ومن موقع معجميته الدينية الخاصة البنية الإشكالية التي يقوم عليها بناؤه العقيدي..

ها هنا بالضبط تكمن الإشكالية المتجددة أي التي تنتج نفسها وتعيد إنتاج نفسها عبر المتون التي تنطوي عليها وكذلك عبر من تصدى لها نقدا أو مساءلة أو استجابة فهي إشكالية بمعنى معضلة النص القرآني الذي أعلن هو نفسه أنه قام أساسا على المحكم والمتشابه دون أن يحدد ذلك عينا.

فهو بتركه ذلك مفتوحا احتماليا جعل من نفسه عرضة لعملية بنيوية من الاختراق والنفاذ والتجاوز لا سبيل إلى إيقافها.. بل إن القرآن يصرح في موضوع آخر بأنه كتاب متشابه من حيث الأساس "الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني" (الزمر، 23)".

ويعلق الدكتور الفاضل على هذا الكلام بقوله: "وفي كلام تيزيني هذا عوار ظاهر وتدليس واضح وذلك في أمرين:

الأمر الأول: في إدعائه أن المتن القرآني قام أساسا على المحكم والمتشابه لأن المتشابه مقداره في القرآن القلة لا الكثرة ويدل على ذلك وجوه:

الوجه الأول: النص الصريح وذلك قوله تعالى: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات" (آل عمران، 7) .. فقوله في المحكمات "هن أم الكتاب" يدل على أنها المعظم والجمهور.. وأم الشيء معظمه وعامته كما قالوا أم الطريق بمعنى معظمه وأم الدماغ بمعنى الجلدة الحاوية له الجامعة لأجزائه ونواحيه وأم القرى مكة وكل مدينة هي أم ما حولها من القرى وأم الخبائث الخمر فإذا كان كذلك فقوله تعالى "وأخر متشابهات" إنما يراد به القليل.

الوجه الثاني: أن المتشابه لو كان كثيرا لكان الالتباس والإشكال ظاهرا منتشرا، وعند ذلك لا يطلق على القرآن أنه بيان وهدى فقوله تعالى: "هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين" (آل عمران، 138) .. وقوله تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم" (النحل، 34) .. وإنما نزل القرآن ليرفع الاختلاف الواقع بين الناس والمشكل الملتبس إنما هو إشكال وحيرة لا بيان وهدى، لكن الشريعة إنما هي بيان وهدى فدل على أنه ليس بكثير.

ولولا أن الدليل أثبت أن في القرآن متشابها لما يصح القول به لكن ما جاء فيه من ذلك فلم يتعلق بالمكلفين حكم من جهته زائد على الإيمان به وإقراره كما جاء.

الوجه الثالث: الاستقراء فإن المجتهد إذا نظر في أدلة الشريعة جرت له على قانون النظر واتسقت أحكامها وانتظمت أطرافها على وجه واحد كما قال تعالى: "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" (هود، 1)  وقوله: "تلك آيات الكتاب الحكيم" (يونس، 1).

أما الأمر الثاني: استدلاله بقوله تعالى "الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها" (الزمر، 23) على أن القرآن متشابه من حيث الأساس!! والآية لا تدل على ما ذهب إليه لأن التشابه الذي نعت به الكتاب لا يراد به ما يقابل المحكم الذي عرفناه من قبل، إنما يعني أن بعضه يشبه بعضا من حيث مجيئه بأفصح الألفاظ وأبلغ التراكيب وأصح المعاني.. وأن أوله يصدق آخره، وآخره يصدق أوله في النزول، فطيب تيزيني باستدلاله بهذه الآية أخطأ في الدليل والمدلول أيضا وقد قال ابن تيمية فيمن أخطأ في الدليل والمدلول: "وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه".

والنص القرآني عند طيب تيزيني من خلال إشكالية المحكم والمتشابه يقول كل شيء ولا يقول شيئا وهو كلأ مباح لكل القراءات ولكل البشر ولو كانوا ملحدين!!

يقول في هذا الصدد: "فإذا كان النص القرآني قد أعلن هكذا في شخصه وبلغته عن تلك الإشكالية المتجددة والمفتوحة المحكم والمتشابه فإنه ترك الحلول والإجابات عليها كامنة في الممارسات المشخصة للفرقاء المتضامنين أو المتخاصمين أو المتصارعين..

فعلى هذا وانطلاقا من أن الفرقاء المذكورين جميعا يعلنون انتماءهم للإسلام عموما ويؤكدون على صدق إيمانهم الديني فإنهم أيضا جميعا يعلنون أنهم ليسوا من تلك الفئة التي حددها النص على سبيل الإدانة "الذين في قلوبهم زيغ" فهو في صيغته الإشكالية المعنية هنا يقول كل شيء دون أن يقول شيئا بعينه على نحو تفصيلي قطعي.

وهذا بدوره وبالعلاقة مع كليته وإجماليته أسهم في أن يجعل من النص مظلة لأولئك جميعا".

هذه هي نبذة عن فكر التيزيني الذي قد يعجب البعض بمواقفه الجيدة في الثورة السورية فيغتر بفكره وطروحاته تجاه الإسلام والقرآن، ولذلك وجب التنبيه.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: