قراءة في معتقد الخميني من ديوانه (2)
السبت 3 سبتمبر 2011

د. عبدالله عمر الخطيب – المتخصص في مناهج النقد الأدبي

خاص بالراصد

 

تضمن ديوان الخميني جملة من الأيديولوجيات وأدبيات المذهب الإثني عشري، عرضنا في الحلقة الماضية للأيدلوجية الأولى: المبالغة في مدح آل البيت، ونواصل استعراض الأيديولجيات:

 

ثانيا : المبالغة في توصيف المهدي المنتظر

قصيدة "مدح أبي صالح إمام الزمان"([1])

ينظر الشيعة الامامية – وسائر فرق الشيعة – إلى الإمام المهدي المنتظر القائم محمد بن الحسن العسكري – بزعمهم – نظرة يوتوبيا مطلقة، فهو حجة الله في الأرض، ونوره على خلقه، وسلطانه على أعدائه، وميزان عدله لشيعته، وناصر المستضعفين، والمنتقم من قتلة الحسين عليه السلام، وهو آية الله في أرضه. أورد صاحب كتاب "بحار الأنوار" وغيره الكثير من الروايات التي تدل على ذلك منها:

* عن المفيد عن أحمد بن الوليد عن أبيه عن الصفار عن محمّد بن عبيد عن عليّ بن اسباط عن سيف بن عميرة عن محمّد بن حمران قال: "قال أبو عبدالله: لمّا كان من أمر الحسين بن عليّ ما كان، ضجّت الملائكة إلى الله تعالى، وقالت يا ربّ يفعل هذا بالحسين صفيّك، وابن نبيِّك؟ قال: فأقام الله لهم ظلَّ القائم، وقال بهذا انتقم له من ظالمه".

*  يا محمد بن مسلم: إن في القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله، شبها من خمسة من الرسل: يونس بن متّى، ويوسف بن يعقوب، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم. فأما شبهه من يونس بن متى: فرجوعه من غيبته وهو شاب بعد كبر السن. وأما شبهه من يوسف بن يعقوب عليهما السلام فالغيبة عن خاصته وعامته، واختفاؤه من إخوته وإشكال أمره على أبيه يعقوب عليه السلام مع قرب المسافة بينه وبين أبيه وأهله وشيعته. وأما شبهه من موسى عليه السلام فدوام خوفه، وطول غيبته، وخفاء ولادته وتعب شيعته من بعده مما لقوا من الأذى والهوان، إلى أن أذن الله عز وجل في ظهوره ونصره وأيده على عدوه. وأما شبهه من عيسى عليه السلام فاختلاف من اختلف فيه، حتى قالت طائفة منهم ما ولد، وقالت طائفة مات وقالت طائفة قتل وصلب. وأما شبهه من جده المصطفى صلى الله عليه وآله، فخروجه بالسيف وقتله أعداء الله وأعداء رسوله صلى الله عليه وآله، والجبارين والطواغيت، وأنه ينصر بالسيف والرعب، وأنه لا ترد له راية. وإن من علامات خروجه: خروج السفياني من الشام، وخروج اليماني (من اليمن) وصيحة من السماء في شهر رمضان، ومناديا ينادي من السماء باسمه واسم أبيه".

هذا المعتقد المتأصل في مرجعيات الشيعة الإمامية، وتلك الخيالات المتصورة للإمام القائم، لا تفارقك وأنت تقرأ ديوان الخميني وتصادفك بمضامينها ودلالاتها ومعانيها العميقة والسطحية، ومفاهيمها العقدية، وتجاوزاتها غير المنطقية. يقول الخميني مادحا الإمام القائم (المهدي) بما يتجاوز المسموح بل والمتخيل:  

هو مصدر الأفلاك الثمانية جميعا ومبدأ النجوم السبعة كلها

أعتقد أن الخميني الصوفي العرفاني هنا يتجاوز في اعتبار المهدي القائم مصدر الأفلاك الثمانية، الأفلاك المعروفة التي في السماء، بل أعتقد بأنه يتجه في هذا اتجاها صوفيا بحتا كالذي أورده ابن سينا في تفسير الأفلاك الثمانية، حيث يقول ابن سينا: "إن الأفلاك الثمانية هم حملة العرش وهذا مستنبط من قول الله تعالى: "ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية" ففسر العرش بأنه الفلك التاسع الذي هو فلك الأفلاك، وفسر الملائكة الثمانية التي تحمل العرش بأنها الأفلاك الثمانية التي تحت الفلك التاسع. 

فالخميني جعل المهدي القائم هو مصدر هذه الأفلاك، ومحركها ومبدأ النجوم السبعة كلها، وهي النجوم السبعة السيارة: "الشمس"، و"القمر"، و"الزهرة"، و"المشتري"، و"المريخ"، و"زحل"، و"عطارد"، وهو بذلك ينساق تماما الى اهتمام الشيعة بالفلك وعلم النجوم، فالشيعة لهم اهتمام بالغ في تفسير حركة النجوم ومدارها مع ظهور المهدي القائم. ثم يتمم الخميني وصفه للإمام القائم المهدي بقوله:

خالق الجهات الست ونور قلب المصادر الخمسة

ومليك كلا العالمين وحجة الفرد الصمد

من اشتهر جوده في السموات التسع بل في العالم المطلق

إن المتأمل فيما أورده الخميني في المقطوعة الشعرية السابقة يتبين بوضوح حجم المبالغة المهولة التي يضفيها على المهدي القائم حتى أنه أضفى عليه صفات ألوهية، من مثل: خلق الجهات الست، ومليك العالمين، ونور قلب المصادر الخمسة – والمصادر الخمسة عند الشيعة الرسول صلى الله عليه وسلم وفاطمة وعلي والحسن والحسين - وسواها مما أورده في المقطوعة، وهذا يفسر بوضوح شطط العقيدة الإمامية في الأئمة، لكن من الممكن أن نتفهم هذه المبالغة في ضوء ما أورده أئمتهم في كتب التفسير عن المهدي ومن ذلك: ما رواه العياشي: باسناده عن رفاعة بن موسى، قال: "سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها، قال: إذا قام القائم عليه السلام لاتبقى أرض إلا نودي فيها بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله".

وعنه باسناده عن ابن بكير قال: "سألت أبا الحسن عليه السلام عن قوله: وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً، قال: أنزلت في القائم عليه السلام إذا خرج باليهود والنصارى والصابئين والزنادقة وأهل الردّة والكفار في شرق الأرض وغربها فعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم طوعاً أمره بالصلاة والزكاة وما يؤمر به المسلم ويجب لله عليه، ومن لم يسلم ضرب عنقه، حتى لا يبقى في المشارق والمغارب أحد إلا وحّد الله. قلت جعلت فداك: إن الخلق أكثر من ذلك. فقال: إن الله إذا أراد أمراً قلّل الكثير وكثّر القليل.

وعنه بإسناده عن عبد الأعلى الحلبي، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل يذكر فيه أمر القائم عليه السلام إذا خرج، قال: ولا تبقى (أرض) في الأرض قرية إلا نودي فيها بشهادة أن لا إله إلا الله (وحده لا شريك له) وأن محمداً رسول الله وهو قوله (تعالى): ((وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرهاً وإليه يرجعون)) ولا يقبل صاحب هذا الأمر الجزية كما قبلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو قول الله: ((وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)) تفسير العياشي ج1 ص183، و ج2 ص 60.

وأوردوا في تفسير الآية الكريمة التالية ما يؤكد بشاعة خيالاتهم، وتجاوزها الحد الممكن من التصور السليم  ((هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ))، فأورد ابن بابوية عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: في قول الله عز وجل ((يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ))، قال: الآيات (هم) الأئمة، والآية المنتظرة القائم عليه السلام، فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن أمنت من قبل قيامه بالسيف، وإن آمنت بمن تقدمه من آبائه عليهم السلام.

وروى أن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال في قول الله عز وجل: ((يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً)) يعني خروج القائم عليه السلام المنتظر منا ثم قال: يا أبا بصير: طوبى لشيعة قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته والمطيعين له في ظهوره (أولئك) أولياء الله لاخوف عليهم ولا هم يحزنون" . كمال الدين وتمام النعمة – ج 2 ص 336.

ثم يستطرد الخميني في توصيف الإمام القائم جامعاً له سائر الصفات التي تمثلها الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر الأئمة الأحد عشر، فيقول: 

من له سيرة المصطفى ومجد علي وعصمة فاطمة وخلق الحسن

وقدرة الحسين وزهد زين العابدين وعلم محمد ولده

فيض جعفر وحلم الكاظم وذؤابة الرضا القبلة الثامنة

وتقوى التقي وكرم النقي وشعر العسكري

إنه المهدي القائم الذي تجمعت فيه أوصاف هؤلاء العظام

 

يحاول الخميني ابتداء في هذه المقطوعة أن يُكسب المهدي القائم عصمة الأنبياء بادعائه أن القائم له سيرة المصطفى عليه السلام، ولا شك أن سيرته عليه الصلاة والسلام كانت تشتمل على العصمة من الوقوع في الخطأ فيما يشرعه للناس من أحكام دينية لكن في حق أئمة الشيعة ومنهم المهدي فإن دعوى العصمة باطلة بلا شك، والدليل على بطلانها انتفاء الدليل على وجودها، وعدم ادعاء الأئمة أنفسهم لهذه الصفة، والحقائق التاريخية تثبت وقوع الخطأ منهم، فقد حفظ لنا التاريخ كثيراً من المواقف التي تظهر بوضوح عدم اعتقاد الأئمة لأنفسهم العصمة، وعدم ادعائهم لها، ومعرفة معاصريهم بهذه الحقيقة، حيث تعاملوا معهم على أنهم بشر صالحون غير معصومين.

كما أننا نستطيع أن ندرك السياق الذي جمع فيه الخميني أوصاف الأئمة في شخصية المهدي القائم، بما نستمده من المرجعيات الشيعية التي استمد الخميني منها معتقده، وضمنها شعره. فالمرجعيات الشيعية تجعل من المهدي القائم مصدر البركات، ومنبع الخيرات "قال سليمان للصادق: كيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: كما ينتفع الناس بالشمس اذا سترها السحاب "فعلق ناقل النص قائلاً: إن نور الوجود والعلم والهداية وسائر الفيوضات والكمالات والخيرات تصل إلى الخلق ببركته وببركة الشفاعة وبالتوسل به تظهر الحقائق والمعارف لأوليائه وتنكشف البلايا والفتن عنهم كما يقول الله في الحجة بكل عصر: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم".

إن هذه النصوص وغيرها التي ذكرت فضل المهدي القائم وطريقة ولادته ويوم ولادته وسواها من أحداث تخص المهدي بنى عليها الخميني في مقطوعته الشعرية السابقة ما خرج عن طور الإسلام، ومنطوق القرآن، وفهم السنة، وألزمه البدعة، والخسران.

 

 

 

 

 



 1- القصيدة في ديوان الخميني، ص 230 ، ط 1 ، 2004 ، المجلس الأعلى للثقافة – مصر.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: